الزعيم
#نجلاء_لطفي
قرر عمدة قريتنا عادل بيه خوض إنتخابات
البرلمان وكان منافسه قوي من عائلة كبيرة في القريه المجاورة وغالبا ما تقع
مناوشات ومشاجرات بين مؤيدي الطرفين، لذا فكر في الإستعانه بمن يحمونه حتى إنتهاء
الإنتخابات.سأل كثير من أقاربه ومعارفه فدلوه على بعض الأشخاص بالقاهره، عندما ذهب
لتقديم أوراقه عاد ومعه ستة رجال أشداء لم نر مثلهم في حياتنا، نظراتهم مخيفه،
أجسادهم قويه،أصواتهم مرعبه، ولا يهابون الموت.كان الجميع يخافونهم وخاصة زعيمهم
كان شاب قوي البنيه،عضلاته بارزة،نظراته مفزعه،ورغم أنه في الثلاثينيات من عمره
إلا أن كلماته أوامر للجميع ولا أحد يجرؤ على مخالفته.
كنت وقتها فتاه ريفيه في ال17 من عمرها تعمل
كخادمه في بيت العمدة ،وكنت أحظى بمعامله خاصه من زوجة العمدة لأني أهتم بعملي ولا
أتحدث كثيرا كباقي الفتيات ولأنني على قدر من التعليم وأستطيع القراءة والكتابه. ككل
فتاه كان حلمي فارس يخطفني وأعيش معه في
سعاده باقي عمري،وبمجرد أن رأيت الزعيم وقعت في غرامه وأدركت أنه فارس أحلامي ولم
أشعر بالخوف منه كباقي الناس بالعكس كنت أشعر بإنجذاب طاغي نحوه لا أعرف له سببا
لكني كنت أراه هو فارس أحلامي. حدثت إشتباكات كثيرة بين مؤيدي العمدة ومؤيدي المنافس
له وفي كل مره كان الزعيم ورجال ينتصرون على رجال المنافس ويلقنونهم درس قاسي،وخوف
الناس منهم في إزدياد وإعجابي به يزداد .
خصص العمدة للزعيم ورجالة بيت صغير خلف بيت
العمدة للإقامه وكان كل الخدم يرفضون خدمتهم لشعورهم بالرعب منهم إلا أنا فكنت
الوحيده التي تدخل الدار للتنظيف أو لإحضار الطعام للزعيم ورجاله، فكانت تلك فرصتي
لأقترب منه أكثر لعله يراني ويشعر بما في قلبي، فكنت كلما قدمت لهم الطعام أختصه
بنظرة لاأعرف إن كان رآها أم لا، وعندما حاول أحد رجاله مغازلتي نهره الزعيم بشده
وأمرني بالإنصراف، كدت أطير فرحا هل يغار علي؟؟ هل يشعر بي حقا أم أنها أوهام الحب
اللذيذه؟؟بقيت طوال الليل ساهره أفكر فيه وفيم فعله من أجلي، حتى عندما غلبني
النوم حلمت به يخطفني ويهرب بي لعالم بعيد ليس فيه سوانا ويعترف لي بحبه وغيرته.
قبل الإنتخابات بعدة أيام وقعت إشتباكات عنيفه بين الزعيم ورجاله
وبين رجال المنافس وتصدى لهم الزعيم بقوه لكنه
أصيب بجرح عميق في يده فإستدعى له العمدة الطبيب الذي قام بخياطة الجرح
وطلب من العمدة العنايه به والتغيير على الجرح بإستمرار وتطهيره حتى لايصاب بتلوث،
وبما أني كنت المكلفه بخدمتهم فكنت أذهب إليه في الصباح بعد أن ينتهوا من
إفطارهم لتطهير الجرح –كما علمني الطبيب-
دون أن أتحدث له أو يتحدث لي إنما أختطف نظره سريعه تروي ظمأ قلبي العاشق.كانت تلك
اللحظات التي أقضيها بقربه وألمس فيها يده
القويه وهي مستسلمه ليدي الصغيره
من أسعد لحظات حياتي وكنت أخشى أن يسمع فيها وجيب قلبي المحب. عندما شُفي
الجرح فحُرمت من زيارته ولمس يده فحزنت كثيرا لكني كنت أكتفي بالقرب منه وأنا أضع
له الطعام .جاء يوم الإنتخاب وكان يوما عصيبا فمن قبلها بيوم والزعيم ورجاله
ساهرون يحمون عادل بيه وأسرته من أي غدرويوم الإنتخابات تجول الزعيم مع عادل بيه
في القريه على كل مقار الإنتخابات وفي القرى المجاوره وعادوا مساءا لينتقلوا مع
صناديق الفرز. بعد منتصف الليل بدأت بشائر الفوز تلوح وفي الصباح ظهرت النتيجه
النهائية و فاز العمده وأقيمت الإحتفالات والولائم إبتهاجا بذلك الفوز الساحق ،
كانت القريه كلها سعيد ماعدا أنا، إحتفل الجميع بالطبل والمزمار والزغاريد ورقص
الكثير من الرجال بينما جلس الزعيم بجوار العمدة طول مدة الإحتفال صامتا .كنت وحدي
أشعر بالتعاسه والحزن فغدا سيغادر الزعيم ورجاله القريه ولن أراه مرة أخرى، لذا
رحت أملأ عيني منه كلما إقتربت منه حتى رمقني بنظره لم أستطع تفسيرها لكنها
أسعدتني.
وبعد إنتهاء الحفل أمرتني سيدتي بأن أحمل
الطعام للزعيم الذي رفض الأكل حتى لاينشغل عن حماية العمده وسط الإحتفال،سعدت كثيرا
بهذا الطلب لأنها المره الأخيره التي سأراه فيها عن قرب. طرقت الباب ودخلت ووضعت
الطعام وكعادته لم ينظر لي أو يحدثني فبقيت مكاني غير قادرة أن أتحرك وأتركه للأبد
فقال لي بصوتة القوي:
- مامشيتيش ليه؟؟ عايزه حاجه؟
إزداد إرتباكي ولم أستطع الرد ولا الحركة
فرفع نظره إلي لأول مره ،وكدت أنهار تحت وطء نظراته القويه الجريئه، فوقف أمامي
بقامته الطويله وجسده القوي وقال لي:
-إتكلمي عايزة إيه؟؟
لم أجبه فانفجر غاضبا وقال:
-
عايزة مني إيه؟؟ إنتي الوحيدة في البلد اللي بترفع عينيها في عينيه من غير خوف، إنتي
الوحيده اللي رضيتي تخدميني، إنتي الوحيده اللي بتقرب مني وهي مش مرعوبه مني، كل
ما
أرفع عينيه ألاقي عينيكي بتابعني بنظراتها
الغريبه اللي مش فاهمها ،إنتي مين وعايزة مني إيه؟؟
قال كلماته الأخيره وهو يمسك بكتفي بقوه
ألمتني ويهزني بعنف حتى إنهمرت دموعي ولم أجبه فرفع وجههي بيديه ومسح دموعي وضمني
لصدره للحظات سمعت فيها دقات قلبه قويه عنيفه صاخبه ثم غمرني بقبلاته التي فجرت
بداخلي رغبه قويه في أن أستسلم له شعر بها فلم يتوقف ولم يكن هناك قوة في الكون
تستطيع أن توقفه، سلمت له نفسي وأنا في منتهى السعادهلم أفكر لحظتها في أي شىء سوى
أن أكون له أن أمتزج به أن نصبح كيانا واحدا ربما هذا ما سيربطه بي للأبد. وبعد أن
إنتهى ضمني لصدره بقوه وسألني عن إسمي فقلت أمل، فقبلني في وجنتي وقال:
- أخرجي يا أمل مش عايز حد يشوفك ولايعرف
اللي حصل بيننا، فقلت :-حاضر بس هاتمشي وتسيبني؟؟
-لازم أمشي بس هاجيلك تاني ده وعد
ومنحته إبتسامه ولأول مره أرى إبتسامته، لم يكن
قاسيا كما كنت أظنه . والأن بعد أن عرف أنه أول رجل في حياتي وأني منحته نفسي حبا
فيه فلابد أن يرتبط بي للأبد. رغم فرحتي بقربي منه إلا أني كنت أشعر بالخوف من
عقاب الله لي على مافعلته ،لكني طمأنت نفسي بأن الله رحيم وسيغفر لي لأنه وحده
يشعر بما في قلبي ويعلم كم أنا غارقه في الحب. في اليوم التالي عرفت من كل من في
الدار أنه غادر هو ورجاله عند الفجر،لم تصدق نفسها هل تركها وذهب بدون وداع؟؟ بدون
زواج ولا حتى وعد به؟؟هل كنت مجرد رغبه في ليله؟؟ كدت أنهار من الحزن لكني عدت
وقلت لنفسي ربما سيعود مرة أخرى كما وعدني وكم طالت ليالي الإنتظار والسهد والألم.
مضت ثلاثة أشهر ولم يعد ولم أعرف عنه أية أخبار حتى فقدت الأمل وأدركت أنني كنت
مجرد لحظة متعه عابره عاشها ونسيها.
شعرت بإعياء شديد فذهبت لطبيب المركز دون أن
أخبر أحد فقال لي أني حامل، يا الله ماذا سأقول للناس؟؟ وماذا سأفعل بهذا الطفل؟
وعندما عدت للبيت أخبرتني سيدتي أنه تقدم لخطبتي أحد الفلاحين بأرض العمده وأنها وافقت
وسيتم الزواج خلال شهر، فقررت أن أنزل مصر لأسأل عنه وأخبر أني حامل ولابدعندما
يعرف ذلك الخبر أن يتزوجني. تسللت في الفجر وركبت القطار للقاهره وسألت كيف أذهب
لإمبابه - حيث أنهم كانوا يسمون أنفسهمعندما يتكلمون معا ملوك إمبابه- وإكتشفت
أنها منطقه كبيرة جدا فرحت أطوف بالمقاهي والمحال حتى أنهكني التعب ولكني في
النهايه لمحته وسط رجاله على أحد المقاهي فسرت نحوه وأنا مرتبكة ومنهكه ورأني لكنه
تجاهلني وكأنه لم يعرفني من قبل ، فوقفت أمامه
فلم يرفع عينه إلي فقال من بجواره:
- نعم أي خدمه؟؟ فقلت :
- أنا عايزاه هو
وأشرت له وأنا أرتعش فقال بهدوء:
- إنتي تعرفيني؟؟
ذهلت
من سؤاله فقد عرفت من نظراته أنه تذكرني
فقلت: -أنا أمل اللي كنت باخدمك في بيت
العمده عادل بيه ساعة الإنتخابات
- أه العمده باعتك عايزني في خدمه جديده؟؟
-لأ أنا اللي عايزاك
ضحك
وقال:
-إنتي ؟؟عندك ليه شغلانه؟؟ وهتقدي تدفعيلي
أنا والرجالة؟؟
ضحك وضحكوا جميعا
-أنا عايزاك في حاجه مهمه أوي
-يالا ياشاطرة من هنا أنا مش فاضيلك
قالها بحده أخافتني إنه ليس هو من أحببته
وأسلمته نفسي، لقد أحببت وهما في خيالي أما حقيقته فهي ما أراه حاليا رجل قاسي بلا
قلب لا يعرف الحب انما يعرف المتعه فقط ويتنصل من أي مسئوليه ولا يلتزم بوعد. أفقت
على سخرية رجاله وتعليقاتهم وهو صامت يتجاهلني ، تركته ومشيت وأنا أعلم أن علي أن
أواجه مصيري أنا وطفلي بمفردنا. دارت بي الدنيا ولم تعد قدماي تقويان على حملي ولا
أعرف أين سأذهب ولا أستطيع العودة للقريه بفضيحتي، رفعت وجهي للسماء وأنا أقول:
- إرحمني يارب لو مش عشاني عشان المسكين اللي
مالوش ذنب
خارت
قواي تماما وسقطت مغشيا علي وأفقت على سرير في مستشفى وعندما جاءتني الطبيبه التي
وقعت أمام سيارتها وسألتني عن ظروفي فلم أجبها إلا من خلال دموعى فهدأتني فقلت
لها أن زوجي تركني وأنا حامل وجاء للقاهره
للبحث عن عمل وعندما جئت له على عنوانه لم أجده ولا أعرف له عنوان وليس لي أحد في
الدنيا سواه، لم أكن أكذب فقد كنت أعتبره زوجي أمام الله وحقا لم يكن لي أحد في
الدنيا سواه حتى تخلى عني. أشفقت علي الطبيبه وعرضت علي أن أعمل كحارثه للعقار
الذي تقطن به والدتها وأني سأقيم بغرفه خاصه بي ،وافقت على العمل وبدأت عملي في
تنظيف العماره وقضاء طلبات السكان وإحتياجاتهم وبعد أن وثق بي الجميع بدأوا
يطلبونني لتنظيف شققهم أحيانا أو لمساعدة إحداهن أحيانا أخرى. إدخرت مبلغا لابأس
به حتى حان موعد ولادتي فإصطحبتني الدكتوره منى لإحدى المستوصفات وأوصت زميله لها
بي وتكفلت بكل النفقاتوبقيت معي حتى تمت الولادة ورزقني الله بمحمد وإحترت سأسجله
بإسم من وأنا حتى لاتعرف إسم أبوه كاملا فمنحته إسم إبن عمي الذي مات وهو طفل ولم يسجله عمي لا في المواليد ولا
الوفيات.بدأت رحلة الشقاء حيث كنت أعمل ليل نهار لأوفر لي ولمحمد ما نحتاجه من
طعام وملابس، كان كل سكان العفار والمحلات يحبون محمد كثيرا ويعطفون عليه فهذا
يمنحه الحلوى وتلك تداعبه وذاك يعطيه بعض المال فمضت بنا الحياه بحلوها ومرها ،
أما حلوها فكان محبة الناس وعطفهم على محمد ، وأما مرها فكانت ألام الذكريات التي
تداهمني ليلا وتأنيب الضمير الذي لم يتركني لحظه، وأشدها إيلاما كان ذاك القلب
الذي مازال يشتاق إليه.كبر محمد وألحقته بالمدرسه فكان متفوقا ومحبوبا من الجميع وعندما
صار في العاشرة من عمره راح يعمل في
الأجازة حتى يوفر لنفسه ما يحتاجه ولا يحملني فوق طاقتي ويقول لي (أنا راجل) فكنت أقبله وأسعد به وأدعو الله أن أراه رجلا حقا. كان محمد يتمنى
أن يكبر سريعا ليعمل ويرحمني من الشقاء، وكم تمنى لو كان له أب كباقي الأطفال يعمل
وينفق علينا ويحميه ويعلمه، وكثيرا ما كان يسألني عن والده فكنت أقول إنقطعت عني
أخباره ولا أعرف عنه شيئا وكنت صادقه في ذلك. كان محمد وهو طفل متقبلا لحياتنا أمافي
المرحلة الإعداديه صار كارها لظروفه وأحواله وانه ابن حارسة العقار فتلقفه مدرس الألعاب
في المدرسه الذي لاحظ تفوقه الرياضي وألحقه بمركز شباب وتعلم هناك المصارعه
وأتقنها لأنه أراد أن يثبت ذاته وأنه لايقل عن زملاؤه بل يفوقهم، ولم يؤثر ذلك على
عمله ولادراسته إنما كان مجال يخرج فيه غضبة وإنفعالاته. عمل في كل المحلات
المجاورة لنا حتى إستقر في صيدلية في أول الشارع وكان من عمله يدخر المال اللازم
للدروس الخصوصيه حتى لايرهقني بطلباته
وخاصة أني أصررت على أن يكمل تعليمه في الثانوي العام .اجتهد محمد في
دراسته وتدريباته وعمله فكان يوزع وقته بينهم
حتى لايقصر في أي منهم، حتى نجح ودخل كلية التجارة إنتساب وعمل مع أحد
أصحاب المحال المجاورة للكليه في تصوير الورق وبيع الملازم للطلبه،كما حصل على
بطولة الجمهورية للمصارعه .فرحت به كثيرا فهاهو
حلمي يتحقق يوما بعد يوم،خاصة وأن محمد شارك صاحب المحل فيه حتى لايغلقه
لكبر سنه ويوم ما سيصبح محمد صاحب المحل بمفرده وعندها سأرتاح من العمل ويصبح محمد
حقا رجلي المسئول عني. ذات يوم أثناء عودة محمد من العمل متأخرا تصدى له بلطجي
ليحصل على ما معه من مال فاشتبك معه محمد
وخرجت على صوت محمد وعندما رأيته يتشاجررحت أصرخ وأحاول تخليص ولدي من البلطجي الذي أشهر
سلاحا في وجه إبني حتى تدخل رجل كبير في السن ضخم الجثه ففصلهما عن بعضهما ،
جذبت محمد بعيدا ورحت أتشكر الرجل لكن المفاجأه أذهلتني لقد كان
هو، بعد كل تلك السنوات؟؟ أفقت على صوت
محمد يقول له :
-شكرا ياحاج
لكنه لم يجب انما ظل ينظر لي وقال:
- إنتي امل؟؟
فقلت بقسوة:- دلوقتي بس عرفتني؟؟
فقال محمد:تعرفيه منين ياماما؟؟
فقلت: أعرفه من زمان من البلد
فقال الزعيم: ده إبنك؟؟
فقال محمد: أيوه يا حاج إتفضل معانا
فقال الزعيم: مره تانيه الوقت متأخر
في الصباح بمجرد خروج محمد طرق الزعيم بابي
فذهلت حين رأيته وقلت:
- إيه اللي جابك إحنا مافيش بيننا أي حاجه
عشان تيجلي
فقال بقوة:
- لازم تسمعيني أنا غلطت في حقك وهربت منك بس
لأني كنت خايف من المسئوليه ومش عايز أرتبط بحد وأشيل همه وخاصة إن حياتي كلها
خطر،بس صدقيني ندمت على ندالتي معاكي و دورت عليكي كتير أوي وسألت عنك في البلد
وبعدها إتحبست كام سنه وخرجت وسبت الشقاوه وبقى عندي كشك صغيروبعدين كبر وبقى دكان
بقاله وتبت لربنا لكن ذنبك ربنا عاقبني بيه وجالي السرطان وخلاص هاموت ومش عايز
غير إنك تسامحيني وإتأكدي لا إبنك ولاجوزك هيعرفوا حاجه عننا.
-أسامحك على ندالتك معايا؟؟ولا على شبابي
اللي ضاع ؟؟ولا على إبني اللي كبر مش عارفله أب؟ولا على مرمطتنا وطمع اللي يسوى
واللي مايسواش فينا؟؟أسامحك على سنين الغلب والشقى؟؟ ولا على قهرة إبني؟ ولا على
عذاب الوحده؟؟ وعلى على خدمتي في البيوت عشان اللقمه؟؟ لولا إن ربنا وقف لي ولاد
الحلال كان زماني مرميه في الشوارع لكلاب السكك تنهش فيه
-إنتي قصدك إن محمد ده إبني؟؟
- لأمش إبنك ده إبني أنا اللي إتحملت الفضيحه
والغربه والشقى ،أنا اللي تعبت وسهرت وكبرت لحد مابقى راجل، لكن إنت مين ؟؟تعرف
عنه إيه؟؟جاي تاخده على الجاهز وتقول إبني ؟؟ هتقوله كنت فين؟؟ وسيبتني ليه؟؟
هتقوله مش عايشين مع بعض ليه؟؟ هتفضحني وتهد صورتي في عينيه وتخليه يكره نفسه؟؟
إنت جاي تهد اللي بنيته في سنين في لحظة أنانية منك؟؟ده حتى إسمه مش على إسمك لأني
ما كنتش عارفه لك إسم ولا عنوان
صدمته كلماتي وتراجع منهارا على أقرب كرسي
وعندما تمالك نفسه قال:
-لأ يا أمل مش هاقوله حاجه كفايه إني أعيش
متعذب بإن ليه إبن وما أقدرش أقوله إني أبوه ولا أقدر أشوفه ده عقاب ربنا ليه على
كل اللي عملته في حياتي، بس أرجوكي سامحيني يا أمل أنا كنت جبان وهربت من
مسئوليتكم بس ده كان أحسن مامحمد يتربى معايا على البلطجه والفتونه والسجن ،إنتي
ربيتيه أحسن من 100 راجل أنا هامشي ومش هاتشوفيني تاني.
مشى منكسرا مما أثار شفقة أمل وعاد قلبها يحن
إليه ويطالبها بالسماح فتبعته لتعرف بيته،وعندما عاد محمد أخبرته أن قريبها الذي
تدخل بالأمس لفض المشاجره رجل مريض ووحيد ويحتاج لرعايته وطلبت منه أن يمر عليه
كلما سمحت ظروفه فوافق وأعطته العنوان. صار محمد منتظما في زيارته وخاصة عندما
إشتد عليه المرض فكان محمد هو من يقوم بخدمته وأحضر من يرعى له محل البقالة ومحمد
يقوم بالإشراف عليه بين حين وأخر ،وذات يوم بينما الزعيم نائم ومحمد جالس بجوارة
أفاق ورأى محمد فابتسم وقال له:
-سامحني
يا إبني
فقال محمد: -على إيه يا حاج إنت زي والدي
ابتسم الزعيم وفاضت روحه،بكاه محمد كثيرافقد تعلق به في الأونه الأخيره
وقام بإجراءات الجنازة وحمل نعشه ودفنه بمقابر الصدقه وظل يدعو له بالرحمه.عندما
عاد لأمه أخبرها بموته فبكت كثيرا فقد كان هو حبها الوحيد ومهما كانت أخطاؤه فإنه
منحها محمد ليضيء حياتها وهذا كفيل بأن يمحو كل سيئاته، سامحته ودعت له بالرحمه.
بعد عدة أيام عاد إلى بيت الزعيم ليجمع حاجاته ويخلي الشقه لصاحب البيت فوجده نقل عقد الشقه وعقد المحل بإسم محمد
ليصبحا ملكا له.ظن محمد أنه فعل ذلك كمكافأه له على رعايته ولكنه لم يدرك أنه فعل
ذلك لأنه ولده وظل سر الزعيم وأمل معها حتى الموت.
تمت


