الخميس، 25 أكتوبر 2018

الزعيم

الزعيم


#نجلاء_لطفي

قرر عمدة قريتنا عادل بيه خوض إنتخابات البرلمان وكان منافسه قوي من عائلة كبيرة في القريه المجاورة وغالبا ما تقع مناوشات ومشاجرات بين مؤيدي الطرفين، لذا فكر في الإستعانه بمن يحمونه حتى إنتهاء الإنتخابات.سأل كثير من أقاربه ومعارفه فدلوه على بعض الأشخاص بالقاهره، عندما ذهب لتقديم أوراقه عاد ومعه ستة رجال أشداء لم نر مثلهم في حياتنا، نظراتهم مخيفه، أجسادهم قويه،أصواتهم مرعبه، ولا يهابون الموت.كان الجميع يخافونهم وخاصة زعيمهم كان شاب قوي البنيه،عضلاته بارزة،نظراته مفزعه،ورغم أنه في الثلاثينيات من عمره إلا أن كلماته أوامر للجميع ولا أحد يجرؤ على مخالفته.
كنت وقتها فتاه ريفيه في ال17 من عمرها تعمل كخادمه في بيت العمدة ،وكنت أحظى بمعامله خاصه من زوجة العمدة لأني أهتم بعملي ولا أتحدث كثيرا كباقي الفتيات ولأنني على قدر من التعليم وأستطيع القراءة والكتابه. ككل فتاه كان حلمي فارس يخطفني  وأعيش معه في سعاده باقي عمري،وبمجرد أن رأيت الزعيم وقعت في غرامه وأدركت أنه فارس أحلامي ولم أشعر بالخوف منه كباقي الناس بالعكس كنت أشعر بإنجذاب طاغي نحوه لا أعرف له سببا لكني كنت أراه هو فارس أحلامي. حدثت إشتباكات كثيرة بين مؤيدي العمدة ومؤيدي المنافس له وفي كل مره كان الزعيم ورجال ينتصرون على رجال المنافس ويلقنونهم درس قاسي،وخوف الناس منهم في إزدياد وإعجابي به يزداد .
خصص العمدة للزعيم ورجالة بيت صغير خلف بيت العمدة للإقامه وكان كل الخدم يرفضون خدمتهم لشعورهم بالرعب منهم إلا أنا فكنت الوحيده التي تدخل الدار للتنظيف أو لإحضار الطعام للزعيم ورجاله، فكانت تلك فرصتي لأقترب منه أكثر لعله يراني ويشعر بما في قلبي، فكنت كلما قدمت لهم الطعام أختصه بنظرة لاأعرف إن كان رآها أم لا، وعندما حاول أحد رجاله مغازلتي نهره الزعيم بشده وأمرني بالإنصراف، كدت أطير فرحا هل يغار علي؟؟ هل يشعر بي حقا أم أنها أوهام الحب اللذيذه؟؟بقيت طوال الليل ساهره أفكر فيه وفيم فعله من أجلي، حتى عندما غلبني النوم حلمت به يخطفني ويهرب بي لعالم بعيد ليس فيه سوانا ويعترف لي بحبه وغيرته.
قبل الإنتخابات بعدة  أيام وقعت إشتباكات عنيفه بين الزعيم ورجاله وبين رجال المنافس وتصدى لهم الزعيم بقوه لكنه  أصيب بجرح عميق في يده فإستدعى له العمدة الطبيب الذي قام بخياطة الجرح وطلب من العمدة العنايه به والتغيير على الجرح بإستمرار وتطهيره حتى لايصاب بتلوث، وبما أني كنت المكلفه بخدمتهم فكنت أذهب إليه في الصباح بعد أن ينتهوا من إفطارهم  لتطهير الجرح –كما علمني الطبيب- دون أن أتحدث له أو يتحدث لي إنما أختطف نظره سريعه تروي ظمأ قلبي العاشق.كانت تلك اللحظات التي أقضيها بقربه وألمس فيها يده  القويه وهي مستسلمه ليدي الصغيره  من أسعد لحظات حياتي وكنت أخشى أن يسمع فيها وجيب قلبي المحب. عندما شُفي الجرح فحُرمت من زيارته ولمس يده فحزنت كثيرا لكني كنت أكتفي بالقرب منه وأنا أضع له الطعام .جاء يوم الإنتخاب وكان يوما عصيبا فمن قبلها بيوم والزعيم ورجاله ساهرون يحمون عادل بيه وأسرته من أي غدرويوم الإنتخابات تجول الزعيم مع عادل بيه في القريه على كل مقار الإنتخابات وفي القرى المجاوره وعادوا مساءا لينتقلوا مع صناديق الفرز. بعد منتصف الليل بدأت بشائر الفوز تلوح وفي الصباح ظهرت النتيجه النهائية و فاز العمده وأقيمت الإحتفالات والولائم إبتهاجا بذلك الفوز الساحق ، كانت القريه كلها سعيد ماعدا أنا، إحتفل الجميع بالطبل والمزمار والزغاريد ورقص الكثير من الرجال بينما جلس الزعيم بجوار العمدة طول مدة الإحتفال صامتا .كنت وحدي أشعر بالتعاسه والحزن فغدا سيغادر الزعيم ورجاله القريه ولن أراه مرة أخرى، لذا رحت أملأ عيني منه كلما إقتربت منه حتى رمقني بنظره لم أستطع تفسيرها لكنها أسعدتني.
وبعد إنتهاء الحفل أمرتني سيدتي بأن أحمل الطعام للزعيم الذي رفض الأكل حتى لاينشغل عن حماية العمده وسط الإحتفال،سعدت كثيرا بهذا الطلب لأنها المره الأخيره التي سأراه فيها عن قرب. طرقت الباب ودخلت ووضعت الطعام وكعادته لم ينظر لي أو يحدثني فبقيت مكاني غير قادرة أن أتحرك وأتركه للأبد فقال لي بصوتة القوي:
- مامشيتيش ليه؟؟ عايزه حاجه؟
إزداد إرتباكي ولم أستطع الرد ولا الحركة فرفع نظره إلي لأول مره ،وكدت أنهار تحت وطء نظراته القويه الجريئه، فوقف أمامي بقامته الطويله وجسده القوي وقال لي:
 -إتكلمي عايزة إيه؟؟
لم أجبه فانفجر غاضبا وقال:
 - عايزة مني إيه؟؟ إنتي الوحيدة في البلد اللي بترفع عينيها في عينيه من غير خوف، إنتي الوحيده اللي رضيتي تخدميني، إنتي الوحيده اللي بتقرب مني وهي مش مرعوبه مني، كل ما
أرفع عينيه ألاقي عينيكي بتابعني بنظراتها الغريبه اللي مش فاهمها ،إنتي مين وعايزة مني إيه؟؟
قال كلماته الأخيره وهو يمسك بكتفي بقوه ألمتني ويهزني بعنف حتى إنهمرت دموعي ولم أجبه فرفع وجههي بيديه ومسح دموعي وضمني لصدره للحظات سمعت فيها دقات قلبه قويه عنيفه صاخبه ثم غمرني بقبلاته التي فجرت بداخلي رغبه قويه في أن أستسلم له شعر بها فلم يتوقف ولم يكن هناك قوة في الكون تستطيع أن توقفه، سلمت له نفسي وأنا في منتهى السعادهلم أفكر لحظتها في أي شىء سوى أن أكون له أن أمتزج به أن نصبح كيانا واحدا ربما هذا ما سيربطه بي للأبد. وبعد أن إنتهى ضمني لصدره بقوه وسألني عن إسمي فقلت أمل، فقبلني في وجنتي وقال:
- أخرجي يا أمل مش عايز حد يشوفك ولايعرف اللي حصل بيننا، فقلت :-حاضر بس هاتمشي وتسيبني؟؟
-لازم أمشي بس هاجيلك تاني ده وعد
 ومنحته إبتسامه ولأول مره أرى إبتسامته، لم يكن قاسيا كما كنت أظنه . والأن بعد أن عرف أنه أول رجل في حياتي وأني منحته نفسي حبا فيه فلابد أن يرتبط بي للأبد. رغم فرحتي بقربي منه إلا أني كنت أشعر بالخوف من عقاب الله لي على مافعلته ،لكني طمأنت نفسي بأن الله رحيم وسيغفر لي لأنه وحده يشعر بما في قلبي ويعلم كم أنا غارقه في الحب. في اليوم التالي عرفت من كل من في الدار أنه غادر هو ورجاله عند الفجر،لم تصدق نفسها هل تركها وذهب بدون وداع؟؟ بدون زواج ولا حتى وعد به؟؟هل كنت مجرد رغبه في ليله؟؟ كدت أنهار من الحزن لكني عدت وقلت لنفسي ربما سيعود مرة أخرى كما وعدني وكم طالت ليالي الإنتظار والسهد والألم. مضت ثلاثة أشهر ولم يعد ولم أعرف عنه أية أخبار حتى فقدت الأمل وأدركت أنني كنت مجرد لحظة متعه عابره عاشها ونسيها.
شعرت بإعياء شديد فذهبت لطبيب المركز دون أن أخبر أحد فقال لي أني حامل، يا الله ماذا سأقول للناس؟؟ وماذا سأفعل بهذا الطفل؟ وعندما عدت للبيت أخبرتني سيدتي أنه تقدم لخطبتي أحد الفلاحين بأرض العمده وأنها وافقت وسيتم الزواج خلال شهر، فقررت أن أنزل مصر لأسأل عنه وأخبر أني حامل ولابدعندما يعرف ذلك الخبر أن يتزوجني. تسللت في الفجر وركبت القطار للقاهره وسألت كيف أذهب لإمبابه - حيث أنهم كانوا يسمون أنفسهمعندما يتكلمون معا ملوك إمبابه- وإكتشفت أنها منطقه كبيرة جدا فرحت أطوف بالمقاهي والمحال حتى أنهكني التعب ولكني في النهايه لمحته وسط رجاله على أحد المقاهي فسرت نحوه وأنا مرتبكة ومنهكه ورأني لكنه تجاهلني وكأنه لم يعرفني من قبل ، فوقفت أمامه  فلم يرفع عينه إلي فقال من بجواره:
- نعم أي خدمه؟؟ فقلت :
- أنا عايزاه هو
 وأشرت له وأنا أرتعش فقال بهدوء:
- إنتي تعرفيني؟؟
 ذهلت من سؤاله فقد عرفت من نظراته أنه تذكرني
فقلت: -أنا أمل اللي كنت باخدمك في بيت العمده عادل بيه ساعة الإنتخابات
- أه العمده باعتك عايزني في خدمه جديده؟؟
-لأ أنا اللي عايزاك
ضحك  وقال:
-إنتي ؟؟عندك ليه شغلانه؟؟ وهتقدي تدفعيلي أنا والرجالة؟؟
ضحك وضحكوا جميعا
-أنا عايزاك في حاجه مهمه أوي
-يالا ياشاطرة من هنا أنا مش فاضيلك
قالها بحده أخافتني إنه ليس هو من أحببته وأسلمته نفسي، لقد أحببت وهما في خيالي أما حقيقته فهي ما أراه حاليا رجل قاسي بلا قلب لا يعرف الحب انما يعرف المتعه فقط ويتنصل من أي مسئوليه ولا يلتزم بوعد. أفقت على سخرية رجاله وتعليقاتهم وهو صامت يتجاهلني ، تركته ومشيت وأنا أعلم أن علي أن أواجه مصيري أنا وطفلي بمفردنا. دارت بي الدنيا ولم تعد قدماي تقويان على حملي ولا أعرف أين سأذهب ولا أستطيع العودة للقريه بفضيحتي، رفعت وجهي للسماء وأنا أقول:
- إرحمني يارب لو مش عشاني عشان المسكين اللي مالوش ذنب
 خارت قواي تماما وسقطت مغشيا علي وأفقت على سرير في مستشفى وعندما جاءتني الطبيبه التي وقعت أمام سيارتها وسألتني عن ظروفي فلم أجبها إلا من خلال دموعى فهدأتني فقلت لها  أن زوجي تركني وأنا حامل وجاء للقاهره للبحث عن عمل وعندما جئت له على عنوانه لم أجده ولا أعرف له عنوان وليس لي أحد في الدنيا سواه، لم أكن أكذب فقد كنت أعتبره زوجي أمام الله وحقا لم يكن لي أحد في الدنيا سواه حتى تخلى عني. أشفقت علي الطبيبه وعرضت علي أن أعمل كحارثه للعقار الذي تقطن به والدتها وأني سأقيم بغرفه خاصه بي ،وافقت على العمل وبدأت عملي في تنظيف العماره وقضاء طلبات السكان وإحتياجاتهم وبعد أن وثق بي الجميع بدأوا يطلبونني لتنظيف شققهم أحيانا أو لمساعدة إحداهن أحيانا أخرى. إدخرت مبلغا لابأس به حتى حان موعد ولادتي فإصطحبتني الدكتوره منى لإحدى المستوصفات وأوصت زميله لها بي وتكفلت بكل النفقاتوبقيت معي حتى تمت الولادة ورزقني الله بمحمد وإحترت سأسجله بإسم من وأنا حتى لاتعرف إسم أبوه كاملا فمنحته إسم إبن عمي الذي مات  وهو طفل ولم يسجله عمي لا في المواليد ولا الوفيات.بدأت رحلة الشقاء حيث كنت أعمل ليل نهار لأوفر لي ولمحمد ما نحتاجه من طعام وملابس، كان كل سكان العفار والمحلات يحبون محمد كثيرا ويعطفون عليه فهذا يمنحه الحلوى وتلك تداعبه وذاك يعطيه بعض المال فمضت بنا الحياه بحلوها ومرها ، أما حلوها فكان محبة الناس وعطفهم على محمد ، وأما مرها فكانت ألام الذكريات التي تداهمني ليلا وتأنيب الضمير الذي لم يتركني لحظه، وأشدها إيلاما كان ذاك القلب الذي مازال يشتاق إليه.كبر محمد وألحقته بالمدرسه فكان متفوقا ومحبوبا من الجميع وعندما صار في العاشرة من عمره راح يعمل  في الأجازة حتى يوفر لنفسه ما يحتاجه ولا يحملني فوق طاقتي ويقول لي  (أنا راجل) فكنت أقبله وأسعد به  وأدعو الله أن أراه رجلا حقا. كان محمد يتمنى أن يكبر سريعا ليعمل ويرحمني من الشقاء، وكم تمنى لو كان له أب كباقي الأطفال يعمل وينفق علينا ويحميه ويعلمه، وكثيرا ما كان يسألني عن والده فكنت أقول إنقطعت عني أخباره ولا أعرف عنه شيئا وكنت صادقه في ذلك. كان محمد وهو طفل متقبلا لحياتنا أمافي المرحلة الإعداديه صار كارها لظروفه وأحواله وانه ابن حارسة العقار فتلقفه مدرس الألعاب في المدرسه الذي لاحظ تفوقه الرياضي وألحقه بمركز شباب وتعلم هناك المصارعه وأتقنها لأنه أراد أن يثبت ذاته وأنه لايقل عن زملاؤه بل يفوقهم، ولم يؤثر ذلك على عمله ولادراسته إنما كان مجال يخرج فيه غضبة وإنفعالاته. عمل في كل المحلات المجاورة لنا حتى إستقر في صيدلية في أول الشارع وكان من عمله يدخر المال اللازم للدروس الخصوصيه حتى لايرهقني بطلباته   وخاصة أني أصررت على أن يكمل تعليمه في الثانوي العام .اجتهد محمد في دراسته وتدريباته وعمله فكان يوزع وقته بينهم  حتى لايقصر في أي منهم، حتى نجح ودخل كلية التجارة إنتساب وعمل مع أحد أصحاب المحال المجاورة للكليه في تصوير الورق وبيع الملازم للطلبه،كما حصل على بطولة الجمهورية للمصارعه .فرحت به كثيرا فهاهو  حلمي يتحقق يوما بعد يوم،خاصة وأن محمد شارك صاحب المحل فيه حتى لايغلقه لكبر سنه ويوم ما سيصبح محمد صاحب المحل بمفرده وعندها سأرتاح من العمل ويصبح محمد حقا رجلي المسئول عني. ذات يوم أثناء عودة محمد من العمل متأخرا تصدى له بلطجي ليحصل على ما معه من مال فاشتبك معه محمد  وخرجت  على صوت محمد  وعندما رأيته يتشاجررحت  أصرخ وأحاول تخليص ولدي من البلطجي الذي أشهر سلاحا في وجه إبني حتى تدخل رجل كبير في السن ضخم الجثه ففصلهما عن بعضهما ، جذبت  محمد بعيدا  ورحت أتشكر الرجل لكن المفاجأه أذهلتني لقد كان هو، بعد كل تلك السنوات؟؟  أفقت على صوت محمد يقول له :
-شكرا ياحاج
لكنه لم يجب انما ظل ينظر لي وقال:
- إنتي امل؟؟
فقلت بقسوة:- دلوقتي بس عرفتني؟؟
فقال محمد:تعرفيه منين ياماما؟؟
 فقلت: أعرفه من زمان من البلد
فقال الزعيم: ده إبنك؟؟
فقال محمد: أيوه يا حاج إتفضل معانا
فقال الزعيم: مره تانيه الوقت متأخر
في الصباح بمجرد خروج محمد طرق الزعيم بابي فذهلت حين رأيته وقلت:
- إيه اللي جابك إحنا مافيش بيننا أي حاجه عشان تيجلي
فقال بقوة:
- لازم تسمعيني أنا غلطت في حقك وهربت منك بس لأني كنت خايف من المسئوليه ومش عايز أرتبط بحد وأشيل همه وخاصة إن حياتي كلها خطر،بس صدقيني ندمت على ندالتي معاكي و دورت عليكي كتير أوي وسألت عنك في البلد وبعدها إتحبست كام سنه وخرجت وسبت الشقاوه وبقى عندي كشك صغيروبعدين كبر وبقى دكان بقاله وتبت لربنا لكن ذنبك ربنا عاقبني بيه وجالي السرطان وخلاص هاموت ومش عايز غير إنك تسامحيني وإتأكدي لا إبنك ولاجوزك هيعرفوا حاجه عننا.
-أسامحك على ندالتك معايا؟؟ولا على شبابي اللي ضاع ؟؟ولا على إبني اللي كبر مش عارفله أب؟ولا على مرمطتنا وطمع اللي يسوى واللي مايسواش فينا؟؟أسامحك على سنين الغلب والشقى؟؟ ولا على قهرة إبني؟ ولا على عذاب الوحده؟؟ وعلى على خدمتي في البيوت عشان اللقمه؟؟ لولا إن ربنا وقف لي ولاد الحلال كان زماني مرميه في الشوارع لكلاب السكك تنهش فيه
-إنتي قصدك إن محمد ده إبني؟؟
- لأمش إبنك ده إبني أنا اللي إتحملت الفضيحه والغربه والشقى ،أنا اللي تعبت وسهرت وكبرت لحد مابقى راجل، لكن إنت مين ؟؟تعرف عنه إيه؟؟جاي تاخده على الجاهز وتقول إبني ؟؟ هتقوله كنت فين؟؟ وسيبتني ليه؟؟ هتقوله مش عايشين مع بعض ليه؟؟ هتفضحني وتهد صورتي في عينيه وتخليه يكره نفسه؟؟ إنت جاي تهد اللي بنيته في سنين في لحظة أنانية منك؟؟ده حتى إسمه مش على إسمك لأني ما كنتش عارفه لك إسم ولا عنوان
صدمته كلماتي وتراجع منهارا على أقرب كرسي وعندما تمالك نفسه قال:
-لأ يا أمل مش هاقوله حاجه كفايه إني أعيش متعذب بإن ليه إبن وما أقدرش أقوله إني أبوه ولا أقدر أشوفه ده عقاب ربنا ليه على كل اللي عملته في حياتي، بس أرجوكي سامحيني يا أمل أنا كنت جبان وهربت من مسئوليتكم بس ده كان أحسن مامحمد يتربى معايا على البلطجه والفتونه والسجن ،إنتي ربيتيه أحسن من 100 راجل أنا هامشي ومش هاتشوفيني تاني.
مشى منكسرا مما أثار شفقة أمل وعاد قلبها يحن إليه ويطالبها بالسماح فتبعته لتعرف بيته،وعندما عاد محمد أخبرته أن قريبها الذي تدخل بالأمس لفض المشاجره رجل مريض ووحيد ويحتاج لرعايته وطلبت منه أن يمر عليه كلما سمحت ظروفه فوافق وأعطته العنوان. صار محمد منتظما في زيارته وخاصة عندما إشتد عليه المرض فكان محمد هو من يقوم بخدمته وأحضر من يرعى له محل البقالة ومحمد يقوم بالإشراف عليه بين حين وأخر ،وذات يوم بينما الزعيم نائم ومحمد جالس بجوارة أفاق ورأى محمد فابتسم وقال له:
 -سامحني يا إبني
فقال محمد: -على إيه يا حاج إنت زي والدي
ابتسم الزعيم وفاضت روحه،بكاه محمد كثيرافقد تعلق به في الأونه الأخيره وقام بإجراءات الجنازة وحمل نعشه ودفنه بمقابر الصدقه وظل يدعو له بالرحمه.عندما عاد لأمه أخبرها بموته فبكت كثيرا فقد كان هو حبها الوحيد ومهما كانت أخطاؤه فإنه منحها محمد ليضيء حياتها وهذا كفيل بأن يمحو كل سيئاته، سامحته ودعت له بالرحمه. بعد عدة أيام عاد إلى بيت الزعيم ليجمع حاجاته ويخلي الشقه لصاحب البيت  فوجده نقل عقد الشقه وعقد المحل بإسم محمد ليصبحا ملكا له.ظن محمد أنه فعل ذلك كمكافأه له على رعايته ولكنه لم يدرك أنه فعل ذلك لأنه ولده وظل سر الزعيم وأمل معها حتى الموت.
تمت

الاثنين، 15 أكتوبر 2018

السجين

السجين


#نجلاء_لطفي

منذ عدة أيام وأنا كل يوم أزور سجنا لأبحث عنه هناك ولا أجده ،لكني لن أفقد الأمل سأواصل بحثي حتى أجده، رغم أن لا أحد يعرف مكانه أو إستطاع أن يدلني عليه.اليوم قبل خروجي لبدء رحلة البحث إتصل بي شخص قال إن عمرو محبوس في سجن طره ويريد أن يذهب له أخوه، شكرته وطلبت منه أن يخبره أننا سنذهب إليه اليوم.أخبرت حماتي بما حدث وأنه يريد من زوجي علاء أن يذهب إليه فرد كالعاده خائفا مرتجفا وممسكا بيد أمه:
-أنا أروح السجن ؟؟ما أقدرش بعدين يحبسوني معاه ياماما
فقلت بعصبية: -يعني هتسيب أخوك محبوس ومتسألش فيه؟؟
-مش هو اللي نزل يتفرج وماسمعش كلام أمه يستاهل ماليش دعوة بيه
ردت والدته المريضه وقالت :-روح ياعلاء شوف أخوك وطمنني عليه نفسي أشوفه قبل ما أموت
فبكى علاء فقلت بحده:- خلاص يا حاجه هاروح أنا
أعددت له ما يحتاجه من ملابس وطعام  ومال وذهبت إليه، وفي الطريق تذكرت كيف تعرفت بعمرو  كنت في الثامنة عشر من عمري و عائده من عملي في محل ملابس الذي ينتهي الساعه11 ليلا،فتعرض لي بعض المدمنين وحاولوا التحرش بجسدي ولما قاومتهم جذبوني إلى أحد الشوارع الجانبيه وبدأوا يتحسسوا جسدي بشكل مثير للغثيان، فدافعت عن نفسي بقوه وصرخت لينقذني الماره فحاول أحدهم كتم أنفاسي،بينما الأخر يلمس أجزاء حساسه من جسدي وأنا أحول ركله بقدمي، وفوجئت بشاب  قوي تصدى لهم وضربهم بقوه حتى فروا من أمامهمرعوبين  بعدما أصابوه بجرح في يده، قطعت جزء من كم قميصه و ربطت له الجرح وقلت:
-مش عارفه أشكرك إزاي إنت أنقذتني
  فقال بغضب:- واحده زيك ترجع متأخر كده ليه؟
- أكل العيش مر، أنا باشتغل في محل اللبس اللي في الميدان وباخلص 11 ومحتاجة للشغل ده جدا عشان أساعد أبويا على مصاريف إخواتي
-ومالكيش أخ ييجي ياخدك؟؟
-إخواتي صغيرين في إبتدائي وأبويا مريض وبيشتغل شغلتين عشان يقضينا
-حاولي تدوري على شغل يكون بالنهار أو ترجعي بدري شويه
-حاضر
أوصلني حتى البيت وشكرته مره ثانيه وعرفت أنه صاحب محل بقاله قريب منا. لم أنم ليلتها بل ظلت صورته تشغل بالي  إنه فارس الأحلام الذي طالما حلمت به، شهم وشجاع ومحترم لم يحاول إستغلال الفرصه للحصول على رقم هاتفي أو التعرف علي. ذهبت في اليوم التالي لأطمأن عليه فأجابني بكلمات مقتضبه ولكن نظرة عينيه كانت تقول شىء أخر، لذا كنت أتعمد أن أمر عليه كل بضعة أيام بحجة شراء إحتياجات البيت ونتبادل معا بعض الكلمات ويسألني عن عملي وأحوالي وأجيبه ثم أبتسم له مودعه. ذات يوم قابلتني والدته في المحل بترحاب وظلت تتحدث معي طويلا وألحت على لتحصل على عنواني لأنها تريد التعرف بأسرتي، طرت من السعاده فهاهو حلمي يبدو أنه سيتحقق و ستأتي لخطبتي لعمرو وحلمت بحياتي مع فارس أحلامي الذي سيغمرني بحبه ورعايته ويحميني من غدر الأيام، سأعيش في كنفه معززه مكرمه، أخيرا سأصبح ملكه في بيته وعلى قلبه سأجعله سعيدا كما لم يتخيل من قبل.
جاءت أم عمرو لبيتنا لتقابل أبي وأمي إلا أني أفقت من أوهامي على طلبها بأن تزوجني علاء-شقيق عمرو الذي لم أكن أعرفه - وعرضت على والدي مهر وشبكة لم نكن نحلم بهما وأخبرته أنها لاتريد منا شيئا بشرط أن نقيم معها في شقتها الكبيرة لأنها مريضه وتحتاج لمن يرعاها وستكون هي ضيفه عندي وأكون أنا صاحبة البيت الأمره في كل شىء فيه. وافق بالطبع والدي بدون تفكير فتلك فرصه لا تعوض، لكني أجلت رأيي حتى أعرف رأي عمرو ، هل يحبني حقا كما أتصور وسيدافع عن حبنا ؟ أم سيتركني أتزوج أخاه وأتعذب ليل نهار برؤيتي له؟
في اليوم التالي ذهبت له  فقال لي العاملون بالمحل أنه سافر للعمل خارج مصر، هل تركني وذهب  دون كلمة وداع؟؟  إذا فأنا لم أكن أعني شئ بالنسبة له سوى مجرد فتاه يعطف عليها؟ هل كان يعلم برغبة والدته وليس لديه مانع؟؟ بل ربما هو من شجعها ليرحمني من الفقر والعمل لوقت متأخر. يبدو أنه شعر أني متعلقه به وسيكون ذلك سبب رفضي للزواج لذلك هرب من مواجهتي . أدركت أني كنت واهمه وأني لا أعني له شيئا ، لقد كان تعلقا من ناحيتي فقط برجل يشبه فارس أحلامي لكني لم أكن فتاة أحلامه، هو فقط كان يحسن معاملتي لأن هذا طبعه وليس لأن لي مكانه في قلبه .فكرت أن أنتظر عودته  وأرفض الزواج من أخيه ، لكن الفقراء مثلي ليس لديهم رفاهية إنتظار فرصه أخرى أفضل وليس من حقهم الحب، فوالدي أصر على إتمام الزواج ليتخلص من حملي وخوفا من ضياع تلك الفرصه منا وهي لن تتكرر وخاصة أنها لن تكلفه شيئا بل بالعكس فإن ثراء حماتي معناه على الأقل بضائع مجانيه من محلها ،كان علي أن ألغي قلبي وأفكر بعقلي فوافقته  وقررت أن أبدأ مع علاء حياة جديده وخاصة وأنه يبدو شديد الطيبه وما أقلقني هو تعلقه الزائد بوالدته ولكني لم أعد أبالي بشيء بعد عمرو، كما أن والدته بررت لي شدة إرتباطه بها بأن أبوه مات وهو صغير وهي رفضت الزواج من أجل تربية أبنائها وكانت تخص علاء بالتدليل لتعوضه حرمانه من والده الذي لا يتذكره .تم الزواج و إكتشفت حقيقة علاء إنه بلا شخصية ،كان إرتباط علاء بأمه يفوق تصوري حتى فوجئت به ليلة زواجنا إكتفى بتقبيلي وبدل ملابسه ونام حتى تأكد من نومي فتسلل من غرفتي خارجا لينام بجوارأمه كماتعود وتكرر ذلك كل ليله تقريبا ولم تكن امه تمانع ،لم يغضبني ذلك بالعكس أراحني من عبء تمثيل الحب والقيام بالواجبات الزوجيه التي كنت أحمل همها واتمنى من الله ألا أقوم بها ويبدو أنه إستجاب لي سريعا.  كان علاء طفل كبير طيب وحنون وسريع الغضب ويسهل إرضاؤه بكلمه طيبه أو بطعام يحبه لذا لم أكرهه بل عطفت عليه لأنه كان  ضحية تدليل أمه له بعد وفاة أبيه مما أفسده وصار مرتبطا بها بشكل مرضي ويبدو أن ذلك النوع من الإرتباط كان يعوضها فقدها لزوجها وإرتباطه بها، فهي من تأخذ كل القرارات الكبيرة والصغيره في شئون البيت وكل ما يخص علاء بل وكانت تتولى أمور المحل في غياب عمرو، أما عمرو- كما علمت منها- فهو رجل من صغره رباه جده لوالده أكثر منها وحرص على أن يكون رجلا ليرعى أمه ومصالح أخيه الصغير لذا أفلت من قبضتها وتدليلها ، وكثيرا ما كان يتشاجر معها بشأن علاء أو يحرضه أن ينطلق بعيدا عن سيطرة أمه وتدليلها لكنها كانت تتصدى له بقوه او تدعي المرض ليظل علاء بقربها. رضيت بقدري وعشت بلا شكوى ولم أخبر أهلي بحقيقة علاء، وكانت حماتي تغمرني بهداياها الغاليه -حتى لاأفضح إبنها أو أهجره- وكذلك تحملني الكثير من الهدايا لأهلي ، كنت أقوم بكل أعمال البيت وأخدم والدته المريضه بينما هي تشرف على محل البقاله وعلاء يذهب معها كمرافق لا أكثر.مضت حياتي على تلك الوتيرة وأنا راضيه بحالي وقلبي مازال نابضا بحب عمرو الذي لم أستطع نسيانه ولو للحظه وكيف أنساه وهو الرجل الوحيد في حياتي الذي عاملني بإحترام وحماني ولم يطمع في جسدي؟ كيف أنساه وهو الوحيد الذي خفق قلبي له؟ كيف أنساه وأنا لم أجد من يستطيع أن يمحو ذكراه من على جدران قلبي؟؟
قامت ثورة 25 يناير 2011 في يوم عودة عمرو من الخارج حيث لم يحتمل تعامل صاحب العمل معه بعجرفه فترك العمل وعاد ،جاء للبيت يطمئن على والدته ونزل لميدان التحريرللبحث عن زملاء له منذ الطفوله إختفوا ولا أحد يعرف عنهم شيئا. صرخت أمه وبكت ورجته ألا يفعل ولم تستطع دموعها أن تمنعه عما يريد فهو يعلم أن معظمها كاذبه.غاب عنا مع سخونة الأحداث ،كان أحيانا يتصل بوالدته ليطمأنها حتى إنقطعت إتصالاته،مرت أيام لانعرف عنه شيئا حتى علمنا أن بعض الشباب تم إعتقالهم وإتصل بأمه أحد أصدقاؤه وأخبرها أنه إختفى ولا يعرفون له مكان ولا بد أنه تم القبض عليه.من يومها وأنا لاأكف عن البحث عنه،وأخيرا سألقاه بعد طول شوق ولهفه، نعم أنا مشتاقه له فلم أستطع نسيانه أعلم أنه صار محرما علي لكن قلبي مازال معلقا به خاصة وأن علاء وجوده كعدمه في حياتي، أحيانا ألوم نفسي على ذلك الحب وأعتبره نوع من الخيانه لزوجي، لكن أين زوجي؟ الذي يتعامل معي كأخت له؟ أنا لم أفعل ما يغضب ربي بل أن مشاعري تجاهه هي ما تجعلني أحتمل سخافة الحياه .دخلت السجن وكلي لهفه لرؤيته وذلك هون علي رهبة المكان، ذهبت لمكان الزياره  والدقائق تمر أعوام وقلبي لا يتوقف عن الخفقان كأننا حبيبيان يلتقيان في موعد غرامي لأول مره، لكنه بمجرد أن رآني إستشاط غضبا وقال بعنف:
- إيه اللي جابك؟وفين علاء؟
-جيت أجيبلك لبس وأكل وفلوس وأطمن والدتك  المرعوبه عليك، ما أنت عارف علاء زي عادته  خاف يجي ووالدتك تعبانه ومحدش يعرف يجيلك غيري
أدار وجهه وقال بحده:
- إمشي وماتجيش تاني وأنا لو عوزت حاجه هابعتلكم حد من هنا وابقي اديله قرشين وخلي أمي  تكلم المحامي وهو هيتصرف
تركني ومشى قبل إنتهاء موعد الزياره، بكيت من حدته وعنفه معي بلاسبب، هل كل ذنبي أني أردت الإطمئنان عليه؟ هل أرتكبت جريمه بحضوري إليه؟ أم أن جريمتي أني أردت تخفيف حدة السجن عليه؟من أين له بكل تلك القسوه؟ألم ير لهفتي عليه؟ ليته يعلم أن أيامي مُره بدونه، لا بل الأفضل ألا يعلم.
 مرت الأيام ثقيله بين شغل البيت وخدمة حماتي التي زاد عليها المرض وأقعدها في الفراش، ومتابعة العمل بالبقاله حيث رفض علاء النزول بدون والدته، كان ينزل معي أحيانا ويبقى مع والدته أحيانا كثيره. فكنت أحمل العبء وحدي كأنني أنا الرجل المسئول عن المحل وكان علي أن أتعامل مع العمل وأفرض سيطرتي عليهم وأتعامل مع التجار بلباقه وكياسه وجديه في أن واحد وأتعامل أحيانا مع الزبائن وسخافاتهم ، مما جعلني مطمعا لكثيرمن الرجال بسبب ضعف زوجي وخنوعه  الذي يعلمه الجميع، ولأني شابه صغيره بمفردها ليس لها من يحميها، لكني كنت أصدهم جميعا لأني لن أقبل أن أكون مجرد متعه لأي رجل، ولأن قلبي ليس فيه مكان سوى لرجل واحد هو عمرو. كنت كثيرا ما أؤنب نفسي على هذا الحب خاصة وأنني زوجة أخيه ولكن من يملك زمام القلوب؟وهل أستطيع نزعه من قلبي؟ حاولت كثيرا نسيانه لكن قلبي عصاني وتمرد علي وأعلن أنه لن يحب سواه، وكنت أدعو الله ليل نهار أن ينزع حبه من قلبي لعلي أرتاح من عذاب الضمير.
خرج عمرو من السجن  وأقام بمفرده في غرفه فوق السطوح ورفض الإقامه معنا، كنت أصعد لغرفته بعد نزوله للمحل لأنظفها وأرتبها وأغسل ملابسه وقبل حضوره أضع له طعامه على المنضده، فنهاني عن صنع الطعام له – رغم أن ذلك كان متعتي بعد رؤيته- ومنعني من نزول المحل نهائيا، لم نكن نراه إلا قليلا عندما يأتي لرؤية والدته وكثيرا ما كان يتشاجر مع علاء بسبب ضعفه وعدم رغبته في العمل.
ذات يوم بينما أنا عائده مع علاء من زيارة أهلي تعرض لي بعض الشباب وحاولوا الإعتداء علي وأنا أقاومهم بشده وعلاء واقف يبكي ولا يعرف ماذا يفعل فهو لايستطيع التشاجر مع أحد كما إنه يخاف بشده ثم إتصل بعمرو وهو يصرخ:
-إلحقني ياعمرو  
كنت أعلم أن وجود علاء كعدمه فقررت ألا أستسلم لهم إنما ضربت أحدهم بحقيبتي على رأسه، وركلت أحدهم بقوة في بطنه حتى يبتعد عن ملامسة جسدي، والناس يكتفون بالمشاهده ولم يتدخل أحد لإنقاذي إنشقت الأرض عن عمرو وبعض شباب الحي الذين أسرعوا لنجدتي ونشبت معركة كبيرة بسببي، لكن عمرو والشباب ضربوهم بقوه و لقنوهم درسا قاسيا .بمجرد عودتنا للبيت دخلت غرفتي وأنا أبكي حظي لأول مرة فقدري أن أتزوج بطفل مدلل لايقدر على حماية نفسه أو حمايتي بل بالعكس ضعفه يطمع الناس في أكثر، بينما أنا أحب رجل بمعنى الكلمة ولا أستطيع أن أكون له وأتمزق ليل نهار .
سمعت عمرو يصرخ في علاءقائلا:
 -إنت مش راجل مش عارف تحمي مراتك؟ إزاي تقف ساكت وهم بيعتدوا عليها؟؟ واقف تتفرج وتعيط؟؟ ؟لحدإمتى هتفضل دلوعة أمك؟ لاعارف تشتغل ولا عارف تعيش بعيد عن حضن أمك  لازمتك إيه في الدنيا؟
وأمه تصرخ فيه بوهن قائلة:
- حرام عليك أخوك ياعمرو مش كفايه الرعب اللي شافه؟
-ماهو دلعك ده اللي بوظه وخلاه مش راجل وطمع الناس في مراته وهو معاها لو أنا مش موجود مافكرتوش الغلبانه دي كان مصيرها هيكون إيه؟ كنت هتقف تتفرج عليها وهم بيغتصبوها ؟ ولا هاتسيبها وتجري على حضن أمك؟؟ إنت مش راجل وهتعيش وتموت فاشل ومافيش منك فايده.
خرج عمرو وصفع الباب وراؤه والبيت كله يرتجف من عنف تلك الصفعه  وعلاءإرتمى في حضن أمه  يبكي، لم أعد أبالي بأي شيء و سئمت ذلك الزوج الضعيف الذي كنت  أتعاطف معه من قبل أما الأن لا فقررت أن أحصل على الطلاق مهما كانت النتائج.
ساد السكون البيت بشكل مريب، حتى بكاء علاء توقف، نهضت من سريري لأعطي حماتي الدواء فوجدت علاء ملقى على الأرض حاولت إفاقته فلم يستجب إتصلت بعمرو إستغيث به  فطلب الإسعاف الذي جاء مسرعا فوجد علاء ميتا بعد أن تناول علبة دواء أمه كامله التي وجدناها بجواره،يبدو أنه تأثر بكلام عمرو ولأنه لا يستطيع أن يغير نفسه لأنه ضعيف فقرر التخلص من حياته منتحرا، لم أصدق ماحدث وبقيت مذهوله والدموع تنساب من عيني حزنا على ذلك المسكين الذي قتلته أمه بحبها الزائد وقتله ضعفه، ظلت أمه تبكي بهيستيريا وتتهم عمرو بقتله، إختفى عمرو عن أنظارنا وأخذ يعد للجنازه.لم نر عمرو من يومها فقد حكى الجميع أنه كان منهارا عند دفن علاء وظل يبكي كالأطفال ويطلب منه أن يسامحه ، وعندما عاد للبيت إرتمى تحت قدمي أمه وظل يقبلها ويطلب منها السماح ويقول لها أنه أراد منه أن يفيق لحاله ويتخلص من ضعفه ولم يقصد أبدا إيذاء علاء، لم تنطق أمه إنما أصابتها إغماءه من شدة الإنفعال فأسرع عمرو بإحضار الطبيب الذي طلب نقلها للمستشفى فبكت ورفضت أن تخرج من بيتها فطلب منه عمرو أن يفعل اللازم لها في البيت،لم تحتمل أمه  كثيرا فقد فقدت رغبتها في الحياه بعد موت علاء -كما قال الطبيب-فماتت بعد أسبوع من رحيل علاء .
توالت الأحزان على البيت وأصبح كئيبا جدا وكل مكان فيه رائحة الموت تنبعث منه،  أدركت أني يجب أن أترك البيت لأنه لم يعد بيتي ولكن ماذا سأفعل بنفسي ؟ خاصة أني لا أريد العودة لبيت أسرتي ؟ تحدث والدي مع عمرو وأخبره أنني يجب أن أعود معه فرفض عمرو وقال:
-أنا سألت شيخ الجامع وقالي إن الست تقضي مدة عدتها في بيتها وعشان كده خليكم مع هند لحد عدتها ماتخلص وأنا متكفل بكل طلباتها وكمان هاروح للمحامي عشان نعمل إجراءات الورث وده مؤخرها ولما تخلص الإجراءات هاديها نصيبها في البيت والمحل
أعطاني والدي مؤخري الذي قررت أن أضعه في البنك تحسبا لأية ظروف فأنا لا أعرف ما تخبئه لي الأيام.مضت مدة العده وأنا لاأخرج إلا للضروره بصحبة إخوتي. ظل عمرو ملتزما بكل نفقات البيت، ولم يأت إلي أبدا إنما كل صلتنا كانت من خلال والدي أو أحد إخوتي.
بعد إنتهاء عدتي ف  طلب عمرو من أبي أن يأتي لزيارتنا في منزلي حيث كنت أستعد للمغادره إلى بيت أبي الذي كان يحمل هم عودتي وتحمل نفقاتي وإنقطاع الخير عنا. جاء عمرو وجلس مع أبي في الصالون وسمعته يقول لأبي أنه يريد أن يتزوجني -لأن هذه وصية والدته  قبل وفاتها– التي طلبت من أن يتكفل بي لترد لي جميل خدمتها وحسن معاشرتي لعلاء ، هكذا كان يراني مجرد فتاه فقيرة تستحق الشفقه منه ومن أمه ، فتاه كتمت سرهم وإحتملت ضعف إبنهم فأرادوا منحها مكافأه وهي شرف الزواج من عمرو، ليته قال إنه يريد الزواج فقط بلا أسباب، ليته قال إنه أولى بأرملة أخيه من الغرباء، ليته سكت ولم يطلب مني الزواج أصلا عندها كنت سأظل أحبه مهما حدث، لكنني الأن أعرف قدري عنده، وربما يشفق علي لأني بلا مصدر دخل فما تركه لي علاء لن يكفيني سوى عام ولا مكان أوي إليه سوى بيتنا الفقير ولن يتقدم أحد للزواج مني فأنا فقيره وأرمله فمن سيرضى بي؟ بالطبع وافق والدي فأنا في نظره محظوظه الفرصه جائتني للمرة الثانيه وكأنه وجد حل سحري لكل مشاكله التي كان يحملها على كتفه أيام طويله. فكرت كثيرا وطالبني قلبي بالموافقه فيكفيني أني سأعيش مع من أحب وبعدها قد يحبني لنفسي، لكني قررت رفض هذا الزواج تماما فأنا لن أرضى بالشفقه أو الإحسان بعد الأن ولن أرضى أن يتحكم في مصيري أحد حتى لو كان عمرو الذي أعشقه وأتمناه من كل قلبي .
سافرت للإسكندرية حيث إفتتح صاحب المحل الذي كنت أعمل عنده فرعا هناك وإتفق معي أن أعمل لديه عندما قابلته بعد إنتهاء عدتي ورجوته ان يجد لي عملا بعيدا عن القاهرة لأهرب من عمرو ومن قلبي ومن إلحاح أبي ومن كل الذكريات القاتله.سافرت ولم أخبر أحد عن مكاني، أقمت في بيت مغتربات قريب من عملي وإنغمست في العمل حتى أنساه وليت القلب يطاوعني على النسيان وكأن قلبي مفطور على عشقه، فلم تمر علي لحظه واحده لم يخطر عمرو فيها على بالي. كنت أتصل بأهلي بين حين وأخر لأطمئنهم علي وأرسل لهم  بعض المال وقالوا لي إن عمرو يبحث عني فقلت لا تخبروه أني على إتصال بكم وبعد مرور الوقت سينساني.
 مر أكثر من عام وأنا منهمكه في عملي وفي وقت فراغي أذهب للبحر أتأمله وأشكو له لوعة الفراق والحنين إلى ذاك القلب القاسي الذي لم يعرف الحب، ورغم ذلك كنت أحبه بجنون. تقدم للزواج مني كثيرون لكن بعضهم إتخذ تلك الخطوه لأنه لم يستطع الوصول إلي بطريقه أخرى فأرادني زوجه في السر من أجل متعته، والبعض يريد مجرد مربيه لأولاده، أما لنفسي فلم يرغبني أحد وكأنني غير جديره بالحب والإحترام فأنا مجرد بائعه في محل فقيره ينظر إليها المجتمع نظره دونيه، كما إنني أرمله أي إمرأه متاحه لأي رجل أو قد اقبل بأي رجل مهما تكن ظروفه المهم أن يظلني ظل رجل فهكذا يراني الناس، فرفضتهم جميعا فلا مكان في القلب لسواه ورغم ذلك لن أكون له إلا إذا أحبني فقط. كم كنت أشتاق لحضن أمي ولأبي وإخوتي وكنت أتمنى أن أزورهم أو يزوروني لكني خفت أن يجدني عمرو ويرغمني هو وأبي على الزواج منه وهو ملالا أريده. ذات يوم أثناء خروجي من عملي وجدته أمامي واقفا أمام المحل بنظرته الغاضبه وقال لي بحده:
- إنتي فاكره إني مش هاعرف أوصلك؟مهما تكوني فين هاجيبك وأعرف هربتي مني ليه؟
لم أجبه فإستشاط غضبا وأمسك ذراعي بقوة وقال:
 -ردي عليه بدل ما أقنلك
جذبت يدي من يده وقلت بحده:
-إنت مالكش عندي حاجه ومش من حقك تحاسبني كنت أخو جوزي وجوزي مات خلاص يعني مالكش صفه لكن عشان العشرة وجميلك اللي على راسي هاتكلم معاك بس بهدوء وعقل وبعيد عن محل أكل العيش.
مشى بجواري وخفقات قلبي يكاد أن يسمعها كل من في الشارع حتى جلسنا على أحد المقاهي  المطله على البحر وقلت:
- أنا ماهربتش منك أنا رفضت أتجوز لتاني مرة غصب عني وكمان من واحد صعبت عليه وعارف إني غلبانه وأهلي هيجوزوني لأي واحد تاني ،واحد عايز يتجوزني مش عشان عايزني لأ عشان ينفذ رغبة والدته، وأنا نفسي أخد قراراتي بنفسي وأعيش مع إنسان يحبني ، عشان كده بعدت وإشتغلت عشان ما أكونش عبء على حد ولا أصعب على حد
- يعني إيه لتاني مره غصب عنك؟ هوإنتي إتجوزتي علاء غصب عنك؟
-أيوه طبعا أبويا غصبني على الجوازه ولما جيتلك المحل عشان أعرف رأيك  لقيتك سافرت
-أنا سافرت لما عرفت إنك فرحانه بالجوازه وطايرة بالشبكه والمهر
-مين اللي قالك كده؟؟
-أمي الله يرحمها
-لو كنت فرحانه ماكنتش جيتلك المحل أخد رأيك
-وجيتيلي المحل ليه؟
-كنت فاكره إنك..مهتم بيه
-أنا كنت عايز أخطبك بس أمي سبقتني وخطبتك لعلاء كنت هاتجنن وقلت أكيد ده غصب عنك لكن لما عرفت إنك فرحانه ماقدرتش أستحمل أعيش جنبك وأشوفك مع راجل تاني خاصة أخويا،سبت البلد كلها عشان أهرب من حبك لكن ماقدرتش فضلت مسجون جوه حبك ومش قادر ولاعايز أخرج من السجن ده ولما رجعت كنت باهرب من عينيكي بأي طريقه ولما جيتيلي السجن كان نفسي أخدك في حضني وفي نفس الوقت نفسي أصرخ فيكي وأقولك يا خاينه وكنت مولع من الغيره وأنا شايف الرجاله بتبحلق فيكي عشان كده شخطت فيكي،  ولما خرجت سكنت بعيد عنك ورفضت أكل أكلك وحرمت عليكي أوضتي لأن كل حته بتلمسيها وريحتك فيها كانت بتجنني أكتر،كنت باموت في كل لحظه  لما أشوفك معاه وبأتجنن أكتر لما أشوفه مش عارف يحافظ عليكي كنت باتخانق مع طوب الأرض لأني حبك متحرم عليه وفي نفس الوقت مش عارف أهرب منه زي المسجون اللي لاعطايق سجنه ولا عارف يهرب منه، لحد ما علاء إتوفى وقلت ربنا عمل كده عشان يجمعنا تاني لكن فوجئت إنك هربتي إتجننت زياده وقلت أكيد فيه حد تاني في حياتك هربتي عشانه كنت ناوي أقتله عشان ماتكونيش لغيري لأني مش هاسيبك تاني تضيعي مني، عشان كده جيتلك وصممت أواجهك
-ياريتك واجهتني من زمان كنت وفرت عليك وعليه سنين عذاب ، كنت فاكراك مش حاسس بيه ولا بتحبني كان عندي إستعداد أعيش معاك ولو في أوضه فوق السطوح وأكل دقه لكن أفضل جنبك باقي عمري
- صحيح يا هند بتحبيني؟
أومأت برأسي فلم يطاوعني لساني على الكلام وكأني نسيت كل حروف اللغه عندما نظرت في عينيه
-لسه قدامنا فرصه نبدأ من جديد بس مش هاقدر أعيش في بيتنا تاني ، أنا هابيعه هو والمحل ونعيش هنا عشان نبدأ من جديد لو عشت هناك كل لحظه هافتكر انك كنتي متجوزه علاء ويمكن أتجنن من الغيره
-أنا كمان مش عايزه أرجع البيت ده ولا الحي كله عايزه أنسى اللي فات كله بذكرياته؟
-وهتقدري تنسي جوزك؟
-ومين قالك إني إتجوزته؟
-قصدك إيه؟
أطرقت في الأرض وقلت بخجل:
-علاء عمره مالمسني
-يعني أنا..
-أول واحد في حياتي وأخر واحد
نظر إلي بحب وإبتسم لأول مره منذ زمن بعيد تلك الإبتسامه التي تُحيي قلبي وقال:
-بحبك وباغير عليكي من الهدوم اللي بتلمس جسمك من الهوا اللي بيطير شعرك باغير عليكي حتى من نفسي
-المهم تفضل تحبني وتغير عليه على طول
-يعني غيرتي مش هتضايقك؟ ولا هتزقي منها؟
-يمكن أتضايق لو بطلت تغير ساعتها هاعرف إنك بطلت تحبني، بس إوعدني إنك هتكون حنين عليه
-أوعدك هافضل أحبك لأخر دقه في قلبي، لأخر نفس في صدري، لأخر نبضه في عروقي، لأخر لحظه في عمري، وهتكوني مراتي وحبيبتي وبنتي وكل حاجه في حياتي وهاشيلك في عيوني العمر كله.
تمت

السبت، 6 أكتوبر 2018

القاسي

القاسي


#نجلاء_لطفي

تشدو أم كلثوم وتقول: ( ياقاسي بص في عينيه وشوف إيه إنكتب فيها..دي نظرة شوق وحنيه ودي دمعه باداريها) لم أستطع منع دموعي فقد عانيت من قسوته الكثير والكثير منذ أول يوم رأيته فيه وهو لفت نظري بوسامته وجديته وصرامته ، أول مره كانت عندما جاء ليصطحب أخته سلوى- زميلتي في المدرسه الثانويه- ومن يومها وأنا هائمه به ،أحاول دائما أن أراه وألفت إهتمامه حتى أني فكرت أن أبوح له بمشاعري في رساله  لكن قسوة قلبه أخافتني وجعلتني أتراجع.كان يراني وكأنه لايراني لا يحييني ولا يبتسم في وجهي ولا يسلم علي، حتى أنه قابلني مره صدفه في غياب أخته في أحد المولات فابتسمت له وظننت أنه سيأتي ليسلم علي ويستغل الفرصه ليكلمني إلا أنني فوجئت به يتجاهلني كأنه لايعرفني رغم أنه كان يوصلنا دائما بسيارته الصغيره للدروس أو يأتي لإصطحابنا. كل أمالي في حبه أو أن يشعر بما في قلبي كانت تتحطم على صخرة قسوته وتجاهله، لكن حبي له كان أقوى مني فكنت مغرمه به بشكل يفوق التصور حتى أني حاولت نسيانه أكثر من مره وفشلت. كنت أحبه بجنون ولا أعرف لذلك سببا، ربما لأنه مختلف عن غيره من الشباب، ومن شدة حبي له  إلتحقت بكلية الحقوق لأصبح محاميه مثله لعلي أستطيع فهمه أوأنال إعجابه وقد  تكون هناك فرصه لأتقرب منه .حرصت ألا تنقطع صلتي بسلوى رغم إلتحاقها بكلية التجاره  حتى أتمكن من رؤيته فكنت أزورها كثيرا وعندما لا أراه أسألها عنه ليشرح لي بعض ما صعب علي فهمه ولاحظت سلوى تعلقي به فقالت :
-ياندى بصراحه أنا شايفه إنك متعلقه بإيهاب وأنا خايفه عليكي من الصدمه إيهاب مش بتاع حب ده مشاعره جامده وعملي جدا في حياته ومابيؤمنش بالحب نهائي، بابا الله يرحمه رباه على كده وعلمه إن الحب هيافه ولعب عيال، يعني بتضيعي عمرك ومشاعرك من غير فايده..أنا بحبك زي أختي عشان كده خايفه عليكي من مشاعرك.
كانت كلمات سلوى كالصاعقه لكنها كانت حقيقيه وبالفعل حاولت النسيان لكني لم أفلح فمن يملك قلبه؟؟ ومن يستطيع نسيان رجل كإيهاب إنسان ناجح وجاد في حياته وملتزم دينيا وأخلاقيا؟؟ كنت أعشق حتى صرامته وكم تمنيت لو يلين لي ولو مره واحده.
عرفت عنوان المكتب الذي يعمل به فسعيت لكي أتدرب فيه وسألت كل أقاربي ومعارفي حتى عرفت أن أحد أقارب أمي يعرف المحامي صاحب المكتب فرجوت أمي أن تطلب منه أن يتوسط لتدريبي عند صديقه لأنه من كبار المحامين ، حصلت على فرصة فعلا للتدريب فيه ومن حسن حظي أن صاحب المكتب عهد لإيهاب بمسئولية تدريبي وكعادته تجاهلني أمام صاحب المكتب  وكأنه لا يعرفني من قبل ولم يقابلني الأسبوع الماضي في بيتهم، ياله من قاسي. اصطحبني إيهاب لمكتبه و راح يشرح لي ما هو المطلوب مني وقال لي بحسم إنه لن يقبل أي أخطاء وأشارللمكتب المقابل له وقال لي أن هذا مكتبي فسعدت جدا لأني سأكون بجواره.كنت حريصه على تنفيذ تعليماته بدقه متناهيه حتى لا أغضبه وخاصة أنه قاسي في تعاملاته مع الجميع حتى أن كل من في المكتب كانوا يسمونه السفاح، لم أبال بما يقولون إنما كنت سعيده بقربي منه وتعلمت بالفعل منه الكثير، كما كنت أحرص دائما على أن أنال رضاه ، لكن قلبه القاسي كان يضن علي حتى بنظرة رضا أ و إبتسامه أو حتى كلمة مدح وكأنه لايراني، حتى كدت أفقد الأمل في حبه ولكن قلبي كان يطالبني دائما بالصبر.
كنت في العام الأخير في الكليه وطلبت أجازة لأتفرغ للإمتحانات فرفض وطلب مني أن أحضر كتبي معي وبإمكان أي زميل أن يشرح لي، شعرت بالإحباط فكنت أتمنى أن يهتم هو بي ويقوم بالشرح لي ، لكنه لم يفعل. قبل الإمتحان بعدة أيام إستعنت بزميل أخرفي المكتب ليشرح لي ما صعب علي فهمه إلا أنه ثارت ثائرته وقال
- إنتي عايزاهم يقولوا مش عارف أشرحلك؟ ولا إني مش فاهم في القانون؟ ولا إنتي حابه تقعدي معاه لوحدكم ؟؟ خدي كتبك وماترجعيش غير لما تخلصي
قالها بقسوة ألمتني لكني تماسكت ومنعت نفسي من البكاء حتى لا أبدو أمامه ضعيفه ،كنت أظنه في البدايه يغارعلي من زميلي لكني فوجئت به يغار على نفسه وإسمه فقط وأنا لست في إعتباراته ولا أهمية لي عنده.
صممت أن أنجح بتقدير عال لأنال إحترامه وإعجابه ،كنت أذاكر بكل طاقتي وكلما سمعت أغنية نوال الزغبي القاسي تذكرته وهي تقول ( القاسي باين عليه الحب لكن قاسي بيبص في عيوني وعامل ناسي من وسط كل الكون لمس إحساسي تعبلي قلبي وكله من لهفة عينيه أول ما اشوفه الشوق اليه يدارى فيه وأجري عليه وأنا فاكره مش باين عليه وأتاري قلبي سبقني وراح من بين إيديه) أعرف أن حبي واضح في عيوني لكن قلبه محصن ضد الحب كما يبدو.عدت للعمل بعد إنتهاء الإمتحانات فقالت لي إحدى الزميلات:
-إحنا قلنا مش هتيجي تاني بعد اللي عمله معاكي السفاح..كلنا بنقول عليكي بطله لأنك مستحملاه
-أنا رجعت عشان أتعلم منه لأنه إنسان جد في شغله ومحترم وناجح ده اللي يهمني، هو شديد شويه بس ده طبعه وإتعودت عليه
-إتعودتي؟؟ شكلك يا غلبانه وقعتي
-يعني إيه؟؟ مش فاهمه
-يعني غرقتي في حب السفاح يا حلوه ومحدش هيسمي عليكي لأنه مايعرفش الحب
عندما رأته قادما خرجت مسرعه من المكتب ودخل هو وكأني لم أغب فترة فراح يلقي علي تعليماته ويحدثني عن القضايا التي سنعمل فيها.يالقسوة قلبه بعد كل ذلك الغياب يعاملني كأني كنت معه بالأمس، ألم يفتقدني؟؟ ألم يؤثر به غيابي؟؟ إنه حتى لم يسألني عن إمتحاناتي. بعد فترة ظهرت نتيجتي ونجحت بتقدير جيد فذهبت إليه مسرعه لأخبره فقال بلا مبالاه:
 -جيد بس؟؟وفرحانه أوي؟؟
صدمتني كلماته الجافه ولكن أنقذتني زميله إتصلت على موبايلي وطلبت مني الحضور لغرفة الزميلات بعيدا عنه ورحن يهنئنني ونتبادل الضحك والنكات لكن قلبي ظل حزينا فقد كان متعطشا لتهنئه منه وحده، كلمه واحده كانت كفيله بأن تحيي قلبي لكن تجاهله  وقسوته كادا أن يميتا الأمل في قلبي.
فوجئت  بعلي زميلي وقد أحضر لي هديه بمناسبة نجاحي  وقدمها لي في وجود إيهاب  وقال:
-مبروك يا أنسه ندى ويارب دايما ناجحه دي هديه بسيطه بمناسبة نجاحك
-ميرسي يا أستاذ علي كلك ذوقك وتعبت نفسك ليه بس؟
-دي أقل حاجه عشان أعبرلك بيها عن فرحتي بنجاحك
فقال إيهاب بحده:
- مش هنخلص من حكاية النجاح دي ونشوف شغلنا؟؟
إرتبك علي وغادر المكتب فقال إيهاب بحده:
- هنا مكان للشغل وبس أي حاجه تانيه تبقى بره الشغل
صدمتني كلماته القاسية الجارحه لكنني قررت هذه المره  الا أصمت فقلت بغضب:
-أنا ماعنديش حاجه تانيه وأظن إن حضرتك عارفني كويس من زمان ده زميل وبيجاملني مش أكتر والمفروض إن  حضرتك عارف أخلاقي كويس وواثق فيه
-وعارف برضه حركات الزملا والعملاء كويس من فضلك ركزي في شغلك وبس لو عايزة تنجحي في شغلك وتنولي إحترام الكل.
 شعرت بالسعاده يبدو أنه يغارعلي ولم يستطع إخفاء ذلك تلك المره فوراء الكلمات الحاده  قلب يشتعل ولم يعد قادرا على إخفاء مشاعره بعد الأن،أتراه يغار حقا أم هي مجرد أوهام في رأسي فقط؟؟
صار العمل يأخذ كل وقتي وخاصة أن إيهاب ينشد الكمال في كل أعماله فكان يرهق نفسه ويرهقني معه، لكني كنت سعيدة لأني بجوارة وجزء من نجاحه وأنني أتقدم بسرعه في عملي ، وأنال ثقته يوما بعد يوم.
دعتني سلوى أخته لحضور حفل زفافها في أحد الفنادق الكبرى فسعدت من أجلها لأن قصة حبها لشريف أخيرا تم تتويجها بالزواج ،ترى هل سيأتي يوم يشعر فيه إيهاب بحبي ويفكر في الزواج بي؟؟سأستغل تلك الفرصه لألفت إنتباهه فحرصت على أناقتي لعلي أحظى بإعجابه فارتديت فستانا وردي اللون مطرز ببساطه ووضعت القليل من مساحيق الزينه وربطت حجابي بشكل أنيق، نظرت للمرأه ورضيت عن نفسي ،صمم أبي على أن يوصلني وأن يحضر لإصطحابي بعد إنتهاء الفرح. دخلت الحفل وأنا مرتبكه وعيناي تبحثان عنه وحده وأنا أتمنى أن أحظى بإعجابه، سلمت على والدته بحراره وأبدت إعجابها بأناقتي ودعت لي بالزوج الصالح فأمنت بقلبي وذهبت معي لأسلم على سلوى،وبمجرد أن رآني علاء- أخو سلوى وإيهاب الصغير- حتى جاء بصخبه كعادته معي وقال:
-أوعي تقوليلي إنك ندى؟ قلبي الصغير لايحتمل؟كنتي مخبيه الحلاوه دي فين؟؟
شعرت بالخجل وقلت له:
-بطل هزار ياعلاء وإعقل شوية الناس بتتفرج علينا
-ناس مين أنا مش شايف أيتوها حد غيرك ياقمر
فقلت بخجل:
-بس بقى ياعلاء
-هاعقل حاضر ولا أقولك إتجوزيني وعقليني بمعرفتك
-ماينفعش لأني أكبر منك وإنت أونطجي وبتاع كلام وساعة الجد مش هالاقيك  وأعنس وأهم حاجه إنت زي أخويا يعني ما ينفعش
-يا دي البخت يعني اللي تعجبني تطلع أختي ؟؟ بس تعالي نتفاهم وهاقنعك يمكن نطلع مش إخوات
جذبني من يدي وفجأه ظهر إيهاب وقال بجديه وصرامه:
- إيه ده ياعلاء حد يعمل كده وسط الناس مش هتعقل وتبطل هزار؟ مافكرتش الناس ممكن تقول عليها إيه؟ سيبها وروح لأصحابك
لم ينطق علاء إنما إنصرف صامتا فقد كان لقوة شخصية إيهاب وجديته تأثيرا كبير عليه،شعرت بالإرتباك خاصة وأننا صرنا بمفردنا فقال لي بحده:
- إزاي تخليه يهزر معاكي كده ؟؟
-هو واخد عليه وبيعاملني زي سلوى وبيهزر معايا دايما
-الكلام ده وإنتوا صغيرين لكن دلوقتي ما ينفعش وكلام الناس مش هترحمك ماتخليش أي حد يتجاوز معاكي
ضايقتني كلماته جدا لكن تمالكت نفسي ،ظل يتفحصني بنظراته صامتا للحظات ثم قال برقه لم أعتدها:
-بس بصراحه علاء عنده حق إنتي النهارده أجمل من أي مره شفتك فيها ياترى إيه السر؟
قالها مبتسما ولأول مره أرى إبتسامته وكدت أقول له السر أني أذوب فيك عشقا ، واني تأنقت من أجلك وحدك، ليتك تفهم. مضت لحظات ونحن نتبادل نظرات صامته تحمل مني كل معاني العشق والغرام  ونسينا كل من حولنا حتى أفقنا على صوت أمه وهي تناديه لعقد القران فقد كان هو ولي أمر سلوى بعد وفاة والدها.إقتربت من سلوى التي كانت رائعة الجمال فأمسكت بيدي وقالت هامسه: أنا خايفه أوي من حياتي الجديده
فقلت لها: ماتخافيش مدام بتحبوا بعض هتعدوا كل حاجه تقابلكم سوا
وقفت أتأمل إيهاب وهو يقوم بالإجراءات كوكيل العروس كان في منتهى الوسامه والرجوله وودت لو أن هذا يوم عقد قراننا نحن أيضا، ماذا لو باح لي بحبه وتركني أقضي باقي عمري بجواره؟؟
بمجرد إنتهاء الإجراءات إنطلقت الزغاريد وقبلت سلوى وإبتعدت لتهافت المهنئين عليها،  عندها رن هاتفي فخرجت للشرفه المطله على النيل لأجيب الهاتف فكان أبي يطلب مني أن أمشي حالا لأن السيارة تعطلت ولن يأتي لإصطحابي أنهيت المكالمه  وفوجئت بإيهاب خلفي يقول بغضب:
-إختفيتي عشان تتكلمي مع مين لوحدك؟؟عندك أسرار ومش عايزه حد يسمعها؟؟
لم أجب إنما نظرت إليه بذهول كيف يظن بي هذا؟ألا يثق بي؟ لماذا هو دائم الإتهام لي؟؟كيف إستطاع أن يتبدل لشخص أخر خلال لحظات
قال:
- مكسوفه طبعا ومش عارفه تردي أنا خاب ظني فيكي زيك زي غيرك
لم أجب إنما أجابت دموعي فإقترب مني وعاد صوته حنونا وقال:
-بتعيطي ليه؟؟
-لأنك دايما ظالمني وبتتهمني إتهامات مالهاش أساس أنا كنت باكلم بابا وقالي مش هيعرف يجي ياخدني ولازم أمشي حالا عشان ما أرجعش متأخر لوحدي،عن إذنك
أمسك بيدي وقربني منه ومسح دموعي وقال:
-أنا مش قصدي أزعلك أنا بس خايف عليكي لأني...
دخلت أمه وقالت:
- يالا يا إيهاب عشان البوفيه
فقلت:- أنا هامشي ياطنط عشان إتأخرت
فقالت: -مش ممكن تمشي لوحدك خليكي وبعد البوفيه علاء هيوصلك
فرد إيهاب وقال:
- لأ أنا اللي هاوصلها علاء متهور وأخاف عليها معاه
إبتسمت أمه وإنصرفت ،دخلت معه وأنا أشعر بسعاده لم أعرفها من قبل، هل حقا شعر بما في قلبي؟؟ هل يبادلني الحب؟؟ يبدو أن أقداري إبتسمت لي أخيرا. تركني هائمه في أفكاري وذهب ليقوم بواجبه  وأفقت على صوت علاء يقول:
-انا لقيت القمر لوحده قلت أجيبلك طبق ناكل منه سوا عشان تجري ورايا وأعذبك
-خليك جد مره في حياتك
- مش كفايه واحد جد في البيت عارفه اصحابي مسمينه السفاح وبيترعبوا منه أنا مش فاهم بتشتغلي معاه ومستحملاه إزاي؟؟
-طب خلي بالك لأنه جاي علينا
فقال له علاء: أنا بارحب بالضيوف زي ماقلتلي
-كلك واجب خد طبقك وكله مع أصحابك أنا جبتلها طبق
إنصرف علاء فقال إيهاب:
-أنا عرفت إنك مش هتعرفي تاكلي مع الناس في الزحمه فعملتلك طبق على ذوقي وناكل سوا يارب ذوقي يعجبك
-ميرسي وأي حاجه تجيبها أكيد هتعجبني
جلس بجواري وتناولنا معا الطعام وأنا لاتشعر بمذاق الطعام بقدر ماأنا سعيده لإهتمامه بي ورقته معي، كنت أحلق في السماء مع النجوم ، أخيرا تحققت أحلامي وبعد لحظات ربما يعترف لي بحبه.
وقبل إنصرافي ذهبت لأسلم على سلوى وألتقط معها صورة فوقف إيهاب بجواري ووقفت أمه وعلاء في الجانب الأخر،أدركت لحظتها وربما أدرك الجميع أنه على وشك الإعتراف بحبه لي وإتخاذ خطوه رسميه .أخيرا حلمي سيتحقق بعد طول عذاب ومعاناه ، كم حلمت بتلك اللحظه وطال إنتظاري لها.إصطحبني إيهاب بسيارته للبيت وطول الطريق وأنا صامته فلو تكلمت لبُحت له بمافي قلبي من مشاعر فياضه فأثرت الصمت لأني ما بداخلي لأتستطيع كل حروف اللغه وكلماتها أن تصفه، ولأني لن أبوح له بما في قلبي قبل أن يعترف هو بحبي فمهما كان مقدار حبي له لابد أن أحافظ على كرامتي فالرجل الشرقي يستهين بمن تبوح له بمشاعرها.أدار الراديو فإستمعنا لأغنية بأمر الحب لعبد الحليم وفوجئت به يقول:
-عمرك حبيتي يا ندى؟؟
 لم أجب وزادت دقات قلبي وتصاعد الدم لوجنتاي فقال:
-طيب إيه رأيك في الحب؟
-إحساس جميل بيخلي الإنسان يشوف كل حاجه حواليه جميله
-ماكانش ليكي إرتباط بحد قبل كده؟؟
 -لأ
-ليه؟؟
-مالقيتش الإنسان اللي يستاهل حبي
-ياه مواصفاتك صعبه للدرجه دي
-فعلا عايزاه راجل جد في حياته ويشيل المسئوليه ويكون ضهر أتسند عليه وقت ما أحتاجه  وفي نفس الوقت طيب وحنين ويحبني ويخاف عليه
-والفلوس  والمكانه الإجتماعيه والشكل؟؟
-أنا عايزة راجل يشاركني حياتي مش مانيكان ولا بنك
-إنتي تفكيرك مختلف عن كل البنات
-على فكرة احنا وصلنا وبابا ده اللي واقف مستنيني
نزل إيهاب وسلم على أبي الذي شكره كثيرا وهنأه ،إنصرف إيهاب وأنا على يقين أنه  سيعترف بحبي وسيتقدم لخطبتي ورحت أتخيل تفاصيل حياتنا معا،يفصلني عن السعادة يوم واحد فقط مر علي طويلا جدا، وأنا أتخيل كيف سيعترف لي وماذا سيقول وكيف سأجيبه.
عندما عدنا للعمل فوجئت بإيهاب عاد لطبيعته القاسيه وراح يُملي علي أوامرة وتعليماته كأنه لم يكن بيننا شيء وكأنه لم يهتم بي وكأنه يراني لأول مرة،شعرت أني أهوي من سابع سماء لأعماق الأرض، هذا الشخص غير طبيعي لقد مدح جمالي وغار علي من أخيه وتنولنا الطعام بمفردنا وكان بجواري في الصوره وأوصلني وتكلم معي عن الحب واليوم تحول لشخص أخر، هل كنت واهمه إلى هذا الحد؟؟ هل كان يخدعني ويتسلى بمشاعري؟؟ أم كل ماحدث بالأمس لم يكن حقيقه وكان مجرد خيال؟؟
غرقت في دوامة العمل معه حتى نسيت مشاعري او تناسيتهافما فائدتها إن كان لايشعربي؟؟ أويشعر ولا يبالي؟؟ لقد صرت مثله أعمل بجديه بلا راحه حتى أصل للنجاح أسرع كأننا مجرد تروس في ألات بلا قلوب ولا مشاعر.كانت لدينا قضيه في أسيوط وأصر على أن أحضرها معه ،جهزت الأوراق والمستندات طوال الليل وسافرت بلا نوم ،وكنت قد أعددت معي بعض الطعام والعصائر لنفطر معا ونحن نراجع الأوراق، تنولنا الطعام ونحن نراجع القضيه وبعد أن إنتهينا ساد الصمت بيننا.وصلنا لأسيوط وترافع في القضية وكسبناها فكانت فرحتي لاتوصف وأنا أشاركه الجهد والنجاح وكم أتمنى لو أستطيع مشاركته كل لحظه في حياته.عدنا بالقطار وأخرجت مامعي من طعام وتناوله بشهيه وقال:
-والدتك أكلها حلو قوي
-ده مش أكل والدتي أنا اللي عامله الأكل
-معقولة بتعرفي تطبخي؟؟
-من زمان جدا وأنا في ثانوي إتعلمت كل شغل البيت من ماما لأن البنت مهما كان نجاحها في دراستها وشغلها مهم جدا إنها تكون ناجحه في بيتها لأن شغلها بره البيت يقوم بيه أي حد لكن جوه البيت محدش يقدر يقوم بدورها ولايحل محلها.
نظر إلي تلك النظرة التي تُسعدني وتُحيرني وقال:
- كل مره بأكتشف إنك فعلا مختلفه عن غيرك
إبتسمت  وسعدت بكلماته لكن غلبني الإرهاق فنمت ولم أدر كم مر من الوقت حتى أفقت على صوت ينادي: -محطة الجيزة
فتحت عيناي بصعوبة فوجدتني نائمه على كتف إيهاب فرفعت رأسي بسرعه وأنا في قمة الإرتباك وإعتذرت له بكلمات مرتبكة فابتسم وقال:
-واضح إنك كنتي مرهقه جدا من الشغل ومارضيتش أزعجك
-أنا أسفه جدا إني ضايقتك بس مانمتش طول الليل
فقال برقه تُذيب الحجر:
-ومين قالك إني إتضايقت؟؟
كدت أرتمي بين ذراعيه وأضمه لقلبي وأرجوه أن يبقيني بجواره ولا يبعدني عنه لحظة واحده ولكني تذكرت أنه سرعان ما سيعود لطباعه السابقه فيجب ألا أغرق في بحور الأوهام إنه كعادته يتلاعب بي وبمشاعري ويستمتع بحبي له لكنه بلا قلب.وصلنا محطة مصر وأصر على توصيلي لكن أبي إتصل وأخبرني أنه ينتظرني أمام المحطه وعندما وجد إيهاب أصر على توصيله معنا وشكره على لإهتمامه به فابتسمت بيني وبين نفسي وقلت ( ياريته مهتم ده بيعتبرني إنسان ألي).
في اليوم التالي في المكتب كافئه صاحب المكتب على جهده فأصر إيهاب على أني شريكته في العمل ومن حقي مكافأه وبالفعل حصلت عليها،أسعدني تقديره لجهدي وأني إستطعت نيل ثقته.
وظل العمل معه بلا راحه حتى طلبت منه الحصول على إجازة فسألني : عايزة أجازة ليه؟؟
-عشان جسمي وعقلي يرتاحوا وأجدد نشاطي وأرجع أشتغل بطاقه أكبر
-كل يوم أجازة بيضيع منك خبرة وفرص مهمه في حياتك
-أنا مش أله أنا إنسان لازم يرتاح ويجدد حياته عشان يقدر يشتغل أحسن من الأول
-براحتك بس إستني لما أرجع من قضية إسكندرية وبعدها خدي أجازتك
ثم فاجئني بقوله برقه:
-مش عاوزه أجيبلك حاجه من إسكندريه؟؟
إرتبكت كثيرا وإحمرت وجنتاي وقلت هامسه:
-لأ شكرا بس المهم ترجع بالسلامه
سحقا لهذا القلب الضعيف الذي سرعان ما ينسى قسوته ويستجيب لرقة مشاعره الكاذبه.
كم إفتقدته وشعرت بالفراغ في غيابه لكن ما شغل وقتي أن كلفني صاحب المكتب بقضية بسيطة لكنها كانت أول قضية بمفردي في حياتي وبذلت كل جهدي لأكسبها وأثبت ذاتي، بالفعل كسبتها وبمجرد عودة إيهاب أبلغه أحد الزملاء بكسبي للقضيه  وفسر له ذلك بأنني أسعى لدى صاحب المكتب لأستقل عنه بل وأنني أخطط لأخذ مكانه ،ثار إيهاب ثورة عارمة ودخل المكتب غاضبا وقال لي:
-إوعي تفكري إنك في يوم هتاخدي مكاني ولا هتعملي إسمك على حسابي،أنا تعبت سنين عشان أوصل للمكان ده ومش هاسمحلك إنتي أو أي حد إنه يهد اللي بنيته ودايما إفتكري إني أنا اللي علمتك ومهما تعملي مش هتتفوقي عليه.
وقفت أمامه في ذهول لا أدري عم يتكلم ولا أدري كيف أرد عليه وفي تلك اللحظات تجمع كل من في المكتب ولم يجروء أحد منهم على التصدي له أو الدفاع عني،ودخل صاحب المكتب على صوت إيهاب
فقال:
-فيه إيه يا إيهاب؟؟ إنت زعلان عشان كلفتها بقضية بسيطه في غيابك؟؟ أنا كنت عايز أتأكد هي كفء فعلا ولا معتمده عليك، لكن لقيتها كفء وده نجاح لك إن تلميذتك ناجحه ولا ده مزعلك؟؟
أفاق إيهاب على كلماته وأدرك أن أخطأ وتسرع في غضبه فنظر إلي فتجاهلته وقلت لصاحب المكتب:
-من فضلك أنا كنت مقدمه على أجازة أسبوع من بكرة أسمحلي أقوم بيها وإسمحلي أمشي لأني تعبانه
وافق بالطبع وبمجرد خروجي من المكتب تدفقت دموعي ولم أستطع منعها، كنت أشعر بإرتباك شديد وكان جرح قلبي أعمق من قدرتي على التحمل، بعد كل هذا يتهمني بخيانته ومحاولة إحتلال مكانه؟ ألم يفهم بعد أني أنجح من أجله؟ وأني أفضله حتى عن نفسي؟ إن لم يكن يفهم هذا بعد كل تلك السنوات فما فائدة وجودي بجواره؟؟ أحيانا يكون البعد هو الحل الأمثل وسأبتعد الأن وللأبد ولن أحتمل قسوته وإهاناته أكثر من ذلك.
أغلقت هاتفي وسافرت للغردقه مع أبي وأمي لعدة أيام لأريح أعصابي وأتمتع بجمال الطبيعه حتى أستطيع التفكير بهدوء، لم يستطع جمال الطبيعه الساحر أن يداوي جرح روحي، وكلما تذكرت سوء ظنه بي وإهانته لي بكيت وبعد طول تفكير أدركت أني ليس لي مكانه عنده وأنه رجل بلا قلب. صممت أن أترك العمل في المكتب وأن ألغي إيهاب من حياتي كلها مادام بعد كل تلك السنوات لايثق بي ويسمع للأخرين ويصدقهم  ولا يستمع إلي بل ويسهل عليه تجريحي وإهانتي  أمام الجميع ولا يبالي بجرح مشاعري،إنه لايستحق حبي ولا إهتمامي ولا كل ما أفعله من أجله.
وعندما إنتهت أجازتي أخبرت صاحب المكتب برغبتي في ترك العمل حاول أن يثنيني ،بل وعرض علي أن أعمل مع زميل أخر غير إيهاب فرفضت نهائي أن أتواجد بمكان به إيهاب،فطلب مني أن أحضر للمكتب ونتحدث بهدوء.نزلت من بيتي في موعد حضور صاحب المكتب حتى أتجنب أي حديث مع أي زميل أو زميله فلم أكن أحتمل أي حديث أو إستعادة ما حدث.عند باب العمارة وجدت إيهاب ينتظرني خارج سيارته فلما رآني قال:
-ندى أنا عارف إنك زعلانه لكن أنا محتاج أتكلم معاكي شويه
-مافيش بيننا كلام حضرتك قلت كل اللي في نفسك قدام الناس كلها وأتهمتني وأهنتني وحاكمتني من غير ماتسمع مني ، انا إستحملت منك كل حاجه لكن لحد الإهانه لأ،خلص الكلام أنا هاسيبلك المكتب كله
-من فضلك مش طالب منك أكتر من 10 دقايق تسمعيني فيهم وبعدها خدي القرار اللي يناسبك
ضعفت أمام رجاؤه فركبت معه سيارته وذهبنا إلى نادي المحامين على النيل ،وكم أعشق النيل ويؤثر في بقوة سحره وغموضه، وأضواء الشمس تتلأ لأ على صفحاته.
أفقت على صوته وهو يقول:
- أنا عارف إنك زعلانه مني بس أنا كنت هاتجنن لما علي قالي إنك طلبتي تشتغلي لوحدك ومش عايزة تشتغلي معايا وإنك قولتيله إنك بتحلمي بمكاني وهتوصليله.
-حضرتك أبسط شيء كنت إسألني أو إسأل صاحب المكتب أو إسأل نفسك هل تلميذتك ممكن تعمل كده؟؟
-بصراحه ما فكرتش إنما إتجننت معقول ندى تخوني ؟؟ معقول تبقى زي غيرها؟؟ زمان وأنا لسه طالب في الجامعه إتعرفت على زميله في الكليه وكنا بنذاكر سوا وربطت بيننا مشاعر جميله ووعدتها إني هاشتغل وأموت نفسي عشان أحقق نجاح سريع وأقدر أتقدم لها،لكن أنا كنت بالنسبه لها كوبري بيوصلها للنجاح  وبتستغله لتحقيق غرضها عشان تتخرج وتشتغل في منصب كبير او تتجوز جوازه كويسه ،وبعد التخرج إتجوزت واحد غني جدا وسابتني لأني مش هأقدر أحقق طموحاتها من فيلا وعربية وسفر ومجوهرات، صممت إني أمشي في مشواري وأدوس على قلبي ومشاعري وأنجح، كمان كفرت بالحب وبالوفاء ومابقتش أأمن لأي حد،لحد ما قابلتك كنت باشوف في عينيكي براءه ومشاعر حلوه لكن تجربتي المؤلمه علمتني إن مافيش حب كله مصالح، كنت كل ما أقرب منك خطوه يرجع خوفي من تكرار التجربه يرجعني خطوتين،كنت خايف من نفسي ومن قلبي أكتر ما أنا خايف من إنك تكوني نسخه منها ولما إتأكدت إنك مختلفه وفكرت أتغلب على خوفي لقيت علي بيثبتلي إنك صوره مكرره منها، وإنك إستغليتي مشاعري عشان توصلي لمصلحتك ساعتها إتجننت ولما كنت باكلمك كنت شايفك هي مش ندى، لكن لما عرفت الحقيقة ندمت على كل اللي عملته وعرفت إني إتسرعت وكان لازم أفكر بعقلي مش بمشاعري وما أخليش غضبي يسيطر عليه، ولما عرفت إنك هتسيبي المكتب قررت إني أجي وأعتذرلك ولو تحبي أعتذرلك قدام كل الزملا ماعنديش مانع.
-خلاص يا أستاذ إيهاب حصل خير بس أنا هاسيب المكتب لأني ما أقدرش أشتغل مع حد مابيثقش فيه ولا في تقديري وإخلاصي له كأستاذ.
-أرجوكي ماتعذبينيش بكلامك أنا غلطان فعلا لأني ماقدرتش رغم خبرتي الطويله أفرق بين الناس مين اللي معدنه إزاز ومين اللي معدنه ماس، بس بلاش تمشي خليكي معايا أنا مش هاعرف أشتغل مع غيرك
-بكرة تتعود على غيري زي ما إتعودت عليه
-ولو ماكانش مجرد تعود وكان حب برضه هتسيبيني وتمشي؟؟
-حب؟؟ إنت ماتعرفش يعني إيه حب؟؟ ماتعرفش غير قسوة القلب
- من أول يوم شفتك فيه شدتيني ببراءتك وإبتسامتك الحلوة بإهتمامك بيه، كنت باتعمد أوصل سلوى عشان أشوفك ،ويوم ما إشتغلتي في المكتب كنت سعيد بوجودك جنبي بكلامك ونظراتك،حاولت كتير أتغلب على مشاعري وفشلت ،كل يوم كان فيه حاجه بتشدني ليكي حاجه أكبر مني،وساعة ما أخدتي الأجازة وسافرتي حسيت إن حاجه مهمه ناقصاني ،إن قلبي ضايع مني،حته من روحي مش معايا ،وعرفت إني بحبك وما أقدرش أستغنى عنك
-ياااااااااااه سنين وأنا متعذبه بقسوتك وتجاهلك ليه لحد مافقدت الأمل إنك تحس بيه وبمشاعري وأخيرا إعترفت بحبك بس متأخر ،لأنك جرحتني ومش عارفه هأقدر أسامحك ولا لأ
-إديني فرصة تانيه وأنا متأكد إن القلب اللي حبني كل السنين دي لازم هيسامحني.
-وإيه اللي يضمنلي إنك مش هتقسى عليه تاني ولا تجرحني؟؟
-لأن محدش يقدر يقسى على قلبه ولا على روحه، أنا كنت خايف أعترفلك بمشاعري لكن لما سيبتيني بقيت خايف ماترجعيش ساعتها كنت هاموت بجد.
وضعت يدها على فمه وقالت:
-بعيد الشر عنك
فقبل يدها وقال:
-يعني سامحتيني
-من قبل حتى ماتعتذر القلب اللي حبك كل الحب ده مايملكش غير إنه يسامحك.
تمت