الأربعاء، 28 أغسطس 2024

شاعر افتراضي

 


 

قصة بقلم نجلاء لطفي

 

عرفته شاعرًا في منتديات الفيسبوك ،كان متمكنًا من كلماته التي تصيب سهامها القلوب مباشرة. إنه يكتب أشعارًا عن الحب تُذيب القلوب و تلهب المشاعر ،مما يجعله ينال إعجاب كل الفتيات والنساء في كل المجموعات الثقافية المشترك بها ،وكلهن يتهافتن على كتابة كلمات الاطراء والمديح على منشوراته. كان بارعًا في التلاعب بالكلمات كيفما يشاء ، فتارة يكتب قصيدة حب تُذيب القلوب وتظن كل واحدة أنه يقصدها هي وتتمنى أن يغرق في عشقها ويخلدها بقصائده. بينما تارة أخرى يكتب خاطرة عن مُلهمته التي لم يبُح باسمها ،و تارة ثالثة يكتب قصة حب مُلتهبة تُثير غيرة كل رجال المنتدى بسبب تعلق النساء به وبكلماته الساحرة.

 إنه في كل مره يتقمص دور العاشق و كأنه مجنون ليلى مما يزيد  من جنون الفتيات و حلمهن به  و تعلق النساء به ،خاصة وأن تعليقاته على كلمات إعجابهن توحي لكل واحدة أنها  هي وحدها المميزة عنده وأنها من يقصدها بكلمات الحب والغزل التي تُذيب أعتى القلوب صلابة.
كان لدي فضول تجاهه كبير،فكنت أريد أن أعرف من هو وكيف هي ملامحه و ما هي حقيقته فكم يضع الناس أقنعة تخفي حقيقتهم على وسائل التواصل الاجتماعي. عرفت من حواره مع أحد أصدقائه في أحد المجموعات الثقافية أنه معلم لغة عربية في مدرسة ثانوية في نفس مدينتي فوجدتها فرصة سانحة لأتعرف إليه عن قرب دون أن يعرف من أنا.

قررت أن أذهب إليه بحجة إعطاء درس في اللغة العربية لأخي  الصغير لأراه وأتعامل معه عن قرب و من خلال ردوده وطريقة كلامه ربما أعرف حقيقته. قد يكون الفضول هو ما دفعني لذلك كما حاولت إقناع نفسي ، و ربما ما دفعني لذلك أني تعلقت برومانسيته وكلامه الرقيق كغيري فقد حركت كلماته المياه الراكدة في أعماق روحي فأردت أن أتأكد من حقيقته قبل أن أغرق أكثر في بحور الحب ،و قبل أن أتعلق في أحبال الوهم التي قد تخنقني يومًا ،أو تنقطع وتكسرني. فأنا خليط من الرومانسية والعقلانية ولا أسمح لقلبي أن يمشي في طريق يرفضه عقلي وقد يكون فيه هلاكي.
ركبت المترو متجهة إلى مدرسته على الطرف الأخر من المدينة وطوال الطريق كنت أفكر في ملامحه كيف ستكون ؟هل يبدو وسيمًا كما هي صورته على الفيسبوك؟ هل هو في الثلاثينات كما يقول حقًا؟هل هو رومانسي في حياته وطريقة كلامه فعلا؟

 أسئلة ظلت تشغلني حتى وصلت إلى محطة مدرسته ونزلت من المترو وسألت عن مكان المدرسة وكلما اقتربت كان قلبي يخفق بقوة. ترددت للحظات وفكرت في التراجع لكن فضولي كان أقوى مني. استكملت طريقي وعندما وصلت إلى المدرسة سألت عنه فأشار أحد العاملين إلى أحد الأشخاص. نظرت إليه والمفاجأة تكاد تعصف بكل كياني فقد كان يجلس في الشمس بكرش يتدلى أمامه ورأسه صلعاء ويبدو من شكله أنه على مشارف الخمسين من عمرهقتربت بهدوء وأنا على يقين أن هناك خطأ ما،سألته بصوت متردد : 
ل أنت الاستاذ علاء حمدي ؟
لم يرفع نظره إلي إنما أخذ قطعة كبيرة من ساندويتش الفول ملأت فمه وأتبعها بقطعة مخلل حشرها فيه حشرًا ثم قال بصوت مكتوم من كثرة الطعام وهو ينظر إلي بتقييم :
-هو أنا ماذا تريدين ؟
كدت أفقد النطق من هول المفاجأة و المنظر المُناقض تمامًا لما تخيلته عنه ، لكني تمالكت نفسي وقلت بتوتر :
-أرسلني والدي لأنه سمع عن مهاراتك في اللغة العربية ويريدك أن تعطي أخي درسًا لتقويته فيها.
فقال منتشيًا وهو يلتهم الجزء المتبقي من الساندويتش : 
-سأخذ مائتي جنيه سواء كان بمفرده أو معه آخرون بلا فصال.

فقلت له والذهول يعتريني من ماديته التي لا تتفق نهائيًا مع رقة مشاعره التي يغدق بها كل نساء الفيسبوك : 

-أرجو أن أحصل على رقم موبايلك ليتفق معك والدي على الموعد.
أخرج من جيبه كارتا وأعطاني إياه دون أن يرفع نظره عن الطعام الذي انقض عليه  يلتهمه  بشكل مُنفركما يلتهم الأسد فريسته بلا رحمة .

خرجت من المدرسة وأنا في حالة ذهول تام و عقلي يرفض تصديق ما حدث فلابد أن هناك خطأ ما . ربما تشابه اسمه مع شخص أخر أو ربما ذهبت إلى مدرسة أخرى. قررت قطع الشك باليقين فاتصلت على الرقم الذي منحني إياه وقلت بصوت رقيق :
-أستاذ علاء انا إحدى معجباتك على الفيس بوك وأنا عاشقة لأشعارك وأتمنى أن أراك.
فتحول في لحظات صوت وحش الساندويتشات إلى صوت كروان يغرد وتحدث معي بمنتهى الرقة وكأنه شخص أخر، فتأكدت أنه هو و لكنه ممثل بارع يُجيد الخداع والتلون .أنهيت المكالمة سريعًا وأنا أقول لنفسي كم من قناع نرتديه في كل مكان لنخفي حقيقتنا !هل نفعل ذلك بسبب قبح الحقيقة التي ندركها جيدًا ؟ أم لأننا نعشق الكذب والخداع؟

كان الواقع فيه بعض الكذب والخداع فجاء إلينا العالم الافتراضي على وسائل التواصل الاجتماعي بكل الخداع والتضليل.

تمت
#نجلاء_لطفي

حيرت قلبي

 حيرت قلبي معاك

 

بقلم : نجلاء لطفي



 

أجلس في حجرتي أستمع لأم كلثوم وهي تشدو برائعتها حيرت قلبي وتقول من كل قلبها (وعزة نفسي مانعاني) فأقول وأنا أحدثها:

-أه والله لولا عزة نفسي كنت جريت عليه واعترفت له بحبي وحكيت له على ليالي الشوق والسهد والانتظار

دخلت أمي الغرفة وقالت:

-مالك يا أميرة بتكلمي نفسك؟

-لأ يا ماما بكلم أم كلثوم

-وردت عليكي؟ سلامة عقلك اقفلي الأغاني وانتبهي لمذاكرتك

-يا ماما إنتي عارفة مش باعرف أركز غير وأنا باسمع أم كلثوم وإن شاء الله السنة دي هانجح وأكون من الأوائل زي كل سنة

-يارب يوفقك يا بنتي

خرجت أمي ونظرت للنافذة فوجدت عمر أضاء نور غرفته فأسرعت تجاه النافذة وأنا أغني بصوت خفيض مع أم كلثوم وأقول:

-ياقاسي بص في عينيه وشوف إيه انكتب فيها دي نظرة شوق وحنيه ودي دمعة باداريها...ياترى هيحس بيه في يوم من الأيام؟؟!

كان عمر جارنا في العمارة يكبرني بخمسة أعوام وتخرج من الجامعة ورفض العمل مع والده الثري وفضل العمل في بنك ثم استقال منه وأسس شركة دعاية وإعلان خاصة به رغم معارضة أهله. كنت أعرف كل المعلومات عنه من خلال صداقة والدته سيدة المجتمع الراقية طنط ناني مع والدتي لأنهما كانتا زميلتان في الجامعة وكلتاهما تزوجت في شقة والدها ورفضت طنط ناني مغادرة عمارة الدقي رغم امتعاض زوجها وعمر وأخته لميس التي سافرت مع زوجها لكندا. وأخيرا قرر زوجها شراء أرض في التجمع وبناء فيلا هناك شارفت على الانتهاء وترعبني فكرة مغادرتهم وأني لن أرى عمر مرة أخرى.

رغم أن مستوانا الاجتماعي والاقتصادي أقل منهم لكن دائما كانت طنط ناني شديدة التواضع بعكس لميس المغرورة كالطاووس فهي جميلة وثرية ومحط أنظار الجميع وإعجابهم فكانت دائمة التعالي على الجميع، أما عمر فهو شخص عادي يتعامل مع الجميع بتلقائية كما أنه دائم الابتسام والمرح وهل أوقعني في غرامه إلا تلك الابتسامة الساحرة؟ لم يكن وسيما إنما كانت به جاذبية لم أستطع مقاومتها لا أدري هل سرها في بشرته البرونزية أم في عيونه السوداء أم في شعره الأسود المجعد أم في طول قامته وجسده الرياضي؟ لا أعرف ولكن كل ما أعلمه أني مُتيمة بحبه.

كنت أعرف كل مواعيده فكنت أحيانا أتعمد أن ألقاه على السلم لألقي عليه التحية وأشبع من نظرات عينيه وأحيانا كنا نتبادل حديثا سريعا عن دراستي فكان يكفيني ذلك وأقول لعله يرى في عيناي حبي ولهفتي.

كانت أمي معتادة في كل المناسبات أن ترسل لوالدته الأطباق التي تحبها فاليوم كان يوم عاشوراء وأصرت الدتي قبل نزولي للجامعة أن أمر على والدته لأعطيها طبق عاشوراء أمي المتميز فوافقت وأنا أعلم أنه غير متواجد بالبيت في هذا الوقت. قرعت الجرس وبعد دقائق فتح لي الباب وأثار النوم بادية على وجهه فارتبكت وقلت :

-صباح الخير أنا أسفة على إزعاجك ياترى طنط موجودة؟

فقال بخمول:

-مش عارف خشي شوفيها

تركني ودخل وألقى جسده على أول كرسي قابله وأمسك رأسه وأغمض عينيه، دخلت بحذر وتركت الباب مفتوحا  ووضعت الطبق على أقرب منضدة ثم أردت أن أغادر لكن قلبي لم يطاوعني فسألته:

-مالك؟

فقال بألم:

-دماغي هتنفجر من الصداع

-خد لك قرص مسكن مع فنجان قهوة وهتبقى كويس سلام

-أميرة أن تعبان جدا وماما باين خرجت ممكن تعملي لي القهوة أنت؟

-أصل..

-أنت خايفة مني؟ خلاص مش مهم

-لأ هاعملها وأنزل على طول

دخلت المطبخ الذي أعرفه جيدا لكثرة دخولي له مع والدته وأعددت له فنجانا من القهوة وخرجت فوجدته اغتسل وبدل ملابسه فوضعت القهوة أمامه وأردت الانصراف فقال:

-مستعجلة ليه؟

فقلت بارتباك:

-عندي محاضرات مهمة عاوز مني حاجة تانية؟

فقال برقة:

-خليكي معايا نتكلم شوية

فقلت بتوتر:

-ماينفعش إحنا لوحدنا ولو حد شافني هنا هتبقى حكاية

فقام وأغلق الباب وقال وهو يقترب مني:

-كده محدش هيشوفنا تعالي

جذبني إليه وأراد أن يحتضنني ولكني دفعته بقوة وأنا أقول بذهول:

-عمر انت اتجننت؟

-فأمسك بي بقوة وقال:

-مش ده اللي انتي عاوزاه؟ أنا شايف في عينيكي اعجاب وشايفك في شباكك مستنياني كل يوم وبتراقبيني دايما يبقى إيه لازمة التقل إنتي عاوزاني وأنا عاوزك محدش له عندنا حاجة

شهقت من صدمتي وقلت وأنا أجذب يدي منه:

-أنا مش عاوزاك أنت فاهمني غلط

-بالعكس أنا فاهمك صح جدا خلينا نتمتع بالوقت الحلو ده

صفعته بكل قوتي وانتهزت ذهوله وأفلت يدي وجريت نحو الباب وخرجت ودموعي تنهمر ألما وحزنا على حب كاد أن يضيعني ، فكرت أن أعود لبيتي ولكن بم سأبرر عودتي؟ فذهبت للجامعة وجلست في الكافيتريا قليلا حتى ألملم شتات نفسي ،وقررت حينها أن أنساه فهو لا يستحق حبي فهو ليس الرجل الذي طالما حلمت به فهولا يعرف حُرمة البيت ولا الجيرة ويرى الحب مجرد رغبة وقتية،  لقد رسمت صورته كما أراد قلبي أن يراها وذلك أعماني عن حقيقته الدنيئة، كم ندمت على سنوات أضعتها في حبه وفي حلمي بالسعادة معه.

منعت نفسي عنه تماما فأغلقت نافذتي ونقلت مكتبي بعيدا عنها وامتنعت تماما عن النزول في مواعيده ، ورفضت كل محاولات أمي اصطحابي معها لزيارة والدته كما اعتدنا، حتى جاءت أمه لتودعنا لأنهم سينتقلون للتجمع فأدركت أن القدر كتب لقصتي نهايتها وكأنه يساعدني على النسيان ورغم جراح قلبي من غدره إلا أني شعرت بالوحدة والفراغ بعد رحيله.

مرت السنوات وتوقف قلبي عن الخفقان وكأنه تجمد بعد رحيل عمر ورفض أن يخفق لسواه، وأقنعت نفسي أن الحب وهم  نُضيع أعمارنا في البحث عنه وعندما نقترب نجده سراب خادع. انقطعت عنا أخبار أسرة عمر بعد انتقالهم من الدقي فيما عدا اتصالات متباعدة بين أمه وأمي ولكنها انقطعت بوفاة أمه رحمها الله حزنت عليها كثيرا تلك المرأة جميلة الشكل والروح المتواضعة التي تعرف قيمة الجيرة والعشرة والصداقة التي لم تتكبر يوما على مخلوق بل وكانت تساعد كل محتاج.

تخرجت من كليتي بتفوق واختارني أحد أساتذتي لأعمل معه في شركته للدعاية والإعلان فوافقت فرحة ،وفي أول يوم في العمل كان علي أن أقابل شريكه في الشركة فدخلت المكتب ورحب بي الأستاذ عادل أستاذي في الجامعة والتفت إلى شريكه ففوجئت بعمر بجواره يقف مبتسما ويقول مرحبا:

-أهلا أميرة عاش من شافك الدنيا دي صغيرة أوي

فقال دكتور عادل:

-أنت تعرفها يا عمر؟

-معرفة قديمة جدا

فقلت بجدية موضحة:

-الأستاذ عمر كان جارنا زمان ووالدته الله يرحمها كان صديقة والدتي

فقال دكتور عادل:

-ده هيسهل مهمتي كتير

فقلت:

-وده هيخليني أعتذر عن الشغل

-ليه؟

سكت للحظات وقلت:

- المعرفة القديمة بيننا يمكن تخلي الأستاذ عمر ما يحكمش على شغلي بشكل موضوعي

فقال عمر بتحدي:

-الشغل شغل مافيهوش معرفة ولا صحوبية فاهماني؟ ولا انتي مش أد الشغل في شركة كبيرة زينا؟

-لأ طبعا أدها وهاثبت وجودي

فقال عادل:

-خلاص اتفقنا هاخلي هدى السكرتيرة تعرفك بالفريق اللي هتشتغلي معاهم وتخلص لك إجراءات التعيين مبروك

-الله يبارك فيك.

فكرت كثيرا في التراجع عن قبول العمل ولكن ما شجعني أنها شركة كبيرة وعملي بها سيمنحني تجربة ثرية وسأتعلم الكثير كما سيُكسبني خبرة كبيرة، كما أن عملي لن يكون مع عمر مباشرة فنادرا ما سأراه، ولست ضعيفة لأهرب من المواجهة بل أنا صاحبة الموقف الأقوى وكما أجبرت قلبي على النسيان سابقا سأجبره على التعود على وجوده دون أن يخفق له، ترى هل سيُطيعني؟؟

بدأت العمل وتحقق ظني فمرت فترات كبيرة لم أره فيها حيث كنت مجرد موظفة جديدة وأحتاج لكثير من التدريب، وعندما أسندوا لي عملا كان مجرد مشاركة في حملة صغيرة لكنها تركت أثرا جيدا. لم يحاول عمر الحديث معي بشكل شخصي إنما تجاهلني تماما وكأني غير موجودة وعندما كنا نلتقي لم يحاول الإشارة لما حدث بيننا في الماضي، فأراحني ذلك كثيرا ،لكن ذلك الثائر علي القابع بين ضلوعي مازال يحن إليه ويخفق بشدة لرؤيته فكان ذلك الحنين يؤلمني ويُخيفني كثيرا، فأنا أخشى أن أضعف أمامه أو أتعلق به مرة أخرى.

كنت أعمل  تحت التدريب مع فريق عمل من شباب وبنات تسود بيننا روح التنافس أكثر من التعاون والعمل كفريق واحد ولولا خبرة مديرنا الأستاذ شريف لكنا فشلنا من أول لحظة، لكنه كان يعلمنا أن نجعل من تنافسنا تنافسا إيجابيا لا يترك في نفوسنا أية ضغينة. تعلمت الكثير معهم واكتسبت خبرة كبيرة ونلت إعجاب مديري فرشحني للمشاركة مرة أخرى في حملة دعائية صغيرة وتركت أيضا أثرا جيدا، فأسند إلي مديري مهمة المشاركة في حملة دعائية كبيرة ولأن دكتور عادل كان مسافرا للخارج فكان علي أن أتعامل مع عمر مباشرة ورغم خفقان قلبي كلما رأيته أو تحدثت معه إلا أني أجدت وضع قناعا جامدا على وجهي لا يُظهر ما يجيش به قلبي، كما كان عمر شخصا عمليا جدا ويتحدث فيما يتعلق بالعمل فقط.

 انتهت الحملة وحققت نجاحا كبيرا وكان دكتور عادل قد عاد فقررت الشركة مكافأة كل من شارك فيها ومن بينهم أنا فسعدت كثيرا لكن نظرات عمر الغامضة التي لم أستطع إيجاد تفسيرا لها كانت تُربكني كثيرا فقررت أن أتجنبه ولا أتيح له الفرصة للتلاعب بقلبي مجددا فلا أنا قادرة على احتمال جراح جديدة ولا المزيد من الأمال التي لا تترك لي سوى الألام.

في كل عام كانت الشركة تختار الموظف المثالي فكانت تختار اثنين واحد من الموظفين القدامى والأخر من الجدد، وفي هذا العام كنت أنا الموظفة المثالية من الجدد فكنت في قمة سعادتي وخاصة عندما قال لي دكتور عادل:

-كنت عند حسن ظني وعايزك دايما مجتهدة ومتميزة

بينما قال لي عمر مبتسما:

-لك عندي مكافأة خاصة

-شكرا

يومها كان لدي الكثير من العمل مما جعلني أتأخر في مكتبي بعد موعد الانصراف وعندما غادرت مكتبي قابلت عمر عند المصعد فابتسم وقال:

-الناس بعد التكريم بترتاح وانتي بتزودي جهدك؟

فقلت وأنا أتجنب النظر إلى عينيه:

-عندي شغل ما ينفعش يتأجل والتكريم ده حملني مسئولية أكبر ولازم أثبت إني أدها

-أنت واحدة غريبة جدا وكل يوم بتفاجئيني

-انت بس اللي متعود على نمط واحد من البنات ومش متخيل إن فيه غيره عن إذنك

-استني مش عاوزة تعرفي مكافأتي؟ أنا عازمك على العشا بره

-شكرا ما أقدرش أقبل واضح إنك لما رحت التجمع نسيت عاداتنا اللي اتربينا عليها زمان، ولا صحيح أنت أصلا عمرك ما التزمت بيها

-أنت قلبك أسود ولسه شايلة مني؟

-لأ بس اتعلمت الدرس صح ومن يومها عرفت إني ما أثقش في حد بسهولة

-تعرفي إني كمان اتعلمت الدرس كويس

-درس إيه؟

-أنا عاوز أشرب القهوة من إيد والدتك، تعرفي إن عمري ماشربت قهوة لذيذة زي قهوتها؟

-أهلا وسهلا اتفضل في أي وقت

-ينفع دلوقتي

ارتبكت وقلت:

-تشرف

اتصلت بوالدتي وأخبرتها برغبة عمر فرحبت به كثيرا فهي لا تعرف عنه شيئا. وصلنا البيت وجلس مع أمي في الصالون وصنعت له القهوة وظلا معا يسترجعا الذكريات وأنا أجلس معهما صامتة أتأمل ملامح عمر وفوجئت عندما قال:

-طنط أنا ليه طلب عند حضرتك

-من عينيه يا حبيبي

-أنا عاوز أتجوز أميرة

أصابنا أنا وأمي الذهول للحظات وساد السكون بيننا وقطعته أمي عندما قالت:

-أنا ماعنديش مانع أنت الغالي ابن الغالية لكن الرأي الأول والأخير لأميرة هاسيبكم تتكلموا وأنا قاعدة في الصالة جنبكم أسمع نشرة الأخبار

تركتنا أمي وأنا في شدة اضطرابي وخفقان قلبي كطبول الحرب ووجنتاي اكتستا باللون الأحمر وفقدت القدرة على النظر في عينيه،فقطع الصمت بقوله:

-ماسمعتش رأيك؟

استجمعت نفسي وقلت:

-ليه أنا؟

-لأنك الوحيدة اللي رفضتيني رغم حبها الظاهر في عينيها وكل تصرفاتها، رفضت الشاب الوسيم الغني اللي كل البنات بتجري وراه، رفضت تقضي وياه وقت لطيف ويبقوا أصحاب، يمكن وقتها غضبت منك وفكرت أنتقم لكن بعدها لما هديت وفكرت بعقلي لقيتك جديرة بالاحترام. سافرت واشتغلت وقابلت كتير لكن في كل مرة كنت باقارنهم بأميرة البنت البسيطة الرقيقة ومشاعرها البريئة ونظرات عينيها اللي فاضحة مشاعرها وكنت اللي بتكسبي فكرت أدور عليكي وفي الوقت ده لقيتك بتشتغلي معانا فقلت أكيد القدر بعتك ليه لأنه عاوز يجمعنا تاني، خفت أصارحك بمشاعري ليكون فيه حد تاني في حياتك فقررت أتعامل معاكي من بعيد وأشوف لسه نظرات عينيكي بتقول إنك بتحبيني ولا اتغيرت. بصراحة اتفاجئت بأميرة تانية خالص واحدة عملية وشاطرة ومجتهدة في شغلها  وده خلى اعجابي بيكي زاد لكن كنت محتار لأن نظرة عينيكي اتغيرت وقررت إني أخد خطوة توضح لي حقيقة مشاعرك وتبين لك إني جاد جدا المرة دي.

سكت للحظات وقلت:

-يعني إنت اللي عجبك البنت اللي بتحبك وإنها محترمة ورفضت صحوبيتك  ولما قابلتها مرة تانية عجبك اجتهادها، إنت عاجباك أميرة بمقاييس العقل وبس

-لأ مش وبس لو أخدتي بالك إني قلت كنت دايما في بالي وباقارن كل البنات بيكي وإنك بس اللي بتكسبي ده معناه إن بالي وقلبي كانوا مشغولين بيكي، أنا عمري ماصدقت إن فيه حب كنت باشوفه كلام أغاني وأفلام لكن معاكي عرفت يعني إيه حب وآمنت بوجوده

-ياااااه أخيرا أنا كنت قربت أفقد الأمل وأكفر بالحب لكن كان دايما قلبي يقولي هيرجع وعقلي يقولي بلاش أوهام، حاولت أنساك واتعذبت كتير في بُعدك لكن أول ما شفتك عرفت إني لا نسيتك ولا عمري هاقدر أنساك مهما عملت لكن كل اللي قدرت اعمله إني أحط قناع الجمود على عيوني عشان أخبي مشاعري وما تستغلنيش ولا تجرحني مرة تانية وكنت دايما بادعي ربنا وأقول لو فيه خير ليه قربه مني ولو فيه شر ابعده عني واتفاجئت النهاردة بطلبك

-أعتبر دي موافقة؟

-بس اوعدني إنك عمرك ما هتجرحني أو تغدر بيه

-ومين يقدر يغدر بنفسه ولا يجرح قلبه؟

انطلق عندها صوت أم كلثوم من التليفزيون حيث أدارت أمي القناة وبقيت تستمع في متعة لكوكب الشرق وهي تقول:

هافضل أحبك من غير ما أقولك إيه اللي حير أفكاري لحد قلبك مايوم يدلك على هوايا المتداري

ولما يرحمني قلبك ويبان لعيني هواك وتنادي ع اللي انشغل بك وروحي تسمع نداااك

أرضى أشكيلك من نار حبي وأبقى أحكيلك ع اللي في قلبي وأقولك ع اللي سهرني وأقولك

ع اللي بكاني وأقول يا قلبي ليه تخبي وليه يا نفسي مانعاني؟؟!!!

تمت

6-11-2019

#نجلاء_لطفي