الجمعة، 30 نوفمبر 2018

يوم العيد

يوم العيد


#نجلاء_لطفي
اليوم هو يوم عيد الأضحى والناس تذبح الأضاحي تقربا لله وتوزعها على الفقراء لعلهم ينالون رضا الله، وإن بحثوا عن فقير فلن يجدوا أفقر مني، فأنا بلا مأوى أتقاسم الرصيف مع الكلاب الضاله والقطط المتوحشه ، وبلا عمل بسبب سنوات عمري التي تجاوزت السبعين وألام عمودي الفقري التي لم تعد تمكنني من العمل. أحلم بوجبه ساخنه وقطعة لحم فأنا لم أتذوق طعام أدمي منذ نحو ثلاث سنوات عندما طردني أخي من شقة أبي رحمه الله وباعها بموجب توكيل من أبي ولا أعلم مدى صحته. من يومها وأنا أتقاسم طعامي الذي أستخرجه من  القمامه مع الكلاب الضاله،وأحيانا يمن علي بعض الناس ببواقي طعامهم فأكل جزء وأترك الباقي لأصدقائي الكلاب، لقد كانوا أوفى لي من أخي إبن أبي وأمي ولم يفكروا يوما من طردي من الرصيف بل بالعكس كانوا يدافعون عني ضد هجمات الكلاب المسعوره أو مدمني الليل . 
 اليوم أكيد سيكون يوما مختلفا لابد أن أحد الأتقياء سيرأف بحالي ويمنحني طبق به وجبة محترمه وقطعة لحم أو على الأقل نقود أشتري بها طعام. مر اليوم وأنا جالس على الرصيف أمام الجزار الذي تجمع حوله من سيذبحون أضحياتهم ، لم يفكر أحدا منهم أن يمنحني شيئا، بل يمرون من أمامي وكأنهم لايروني. مر اليوم وأنا لم أذق طعم الطعام بينما سعدت الكلاب بوجبات دسمه من العظام ،حتى أن صديقي فوكس جاء لي بقطعة عظم لنتقاسمها فقلت له مبتسما :- يبدو أنني سأضطر أنا أكل ما تأكلونه لاحقا ولكن دعنا نبحث في القمامه أولا.
نهضت من مكاني وفي نفس اللحظة توقفت سيارة فارهه بها شاب وفتاه من الأثرياء فنظرا لفوكس وقالت الفتاه:
- أوه مسكين هذا الكلب كم هو شاحب وتكاد عظامه تخترق جلده من الضعف ...فقال الشاب:
- لابد أن نأخذه معنا لنطعمه ونعالجه فالله سيسألنا عنه...
فقلت لهما:- لاتخافا عليه فالله يرزقه من حيث لا يحتسب بينما أنا أكاد أتضور جوعا وسيسألكم الله عني أولا
نظرا إلي بمنتهى القرف وقال الشاب:
- كفاك تسولا وأبحث عن عمل ألا تخجل من نفسك؟؟
 وقالت الفتاه بغضب:-
 هل تقارن نفسك وحالك بالكلب؟؟ إنه مسكين لايستطيع التعبير عن نفسه وآلامه..وإلتفتت للشاب وقالت:- ضعه في شنطة السياره لقد قررت رعايته
 فقلت مسرعا:
- كم أنت حنونه وقلبك رحيم سيجزيك الله خيرا وقد يدخلك الجنه إن رعيتني معه فنحن صديقان نقتسم الطعام والرصيف ولا يمكننا أن نفترق
 فنظرت إلي شزرا ولم تتكلم وحمل الشاب الكلب فوكس وتركني أعاني الوحده ...نظر إلي فوكس نظرات حزينه وكأنه يودعني فقلت له:
-كم أنت محظوظ يا فوكس يبدو أن العيد للكلاب فقط
 تمت 

الأحد، 25 نوفمبر 2018

ثلاث نساء

ثلاث نساء


#نجلاء_لطفي



وقفت أمال على محطة الأتوبيس بعد أذان العشاء تنتظر قدومه لتعود لبيتها محمله ببقايا طعام منحته لها مدام نورهان- التي تعمل عندها كخادمه- وملابس أولادالمدام القديمه ، وما تبقى من راتبها – الذي تقترض نصفه قبل نهاية الشهرلسد احتياجات أولادها- ومكافأه بسيطه مع نهاية خدمتهابسبب سفر مدام نورهان لزوجها لتقيم معه هي وأولادها. فكرت أمال كثيرا ماذا ستفعل ورمضان بعد غد وما معها من المال بالكاد سيسدد ديونها للبقال وفاتورة الكهرباء، كيف ستطعم أولادها باقي الشهر؟ ماذا ستفعل وهي لم تكن تعرف أحدا سوى مدام نورهان وأمها فقد تربت في بيت الأم منذ صغرها وعندما كبرت كانت توزع الأسبوع بين الإثنتين، وبعد وفاة الأم صارت تعمل عند مدام نورهان فقط ولم تعمل في أي بيوت أخرى حتى أنها من عشرتها معهما كانت تعتبرهما أهلها،لكن عليها الأن أن تدبر أمرها وإلا ماتت من الجوع هي والصغار الثلاثه. جاء الأتوبيس المكتظ بالبشر وكان عليها أن تجد مكانا لجسدها بين تلك الحشود،ففي الزحام تضيع الخصوصيات والأخلاقيات وتتلاحم كتل اللحم الفقيره حتى يصل كل لوجهته. لم تستطع أمال تحمل كل ذلك الزحام الخانق رغم إعتيادها عليه، لكنها اليوم كانت تشعر بإختناق رهيب نزلت من الأتوبيس فوق كوبري عباس وتمشت بضع خطوات لعلها تستنشق هواء الليل المنعش ، ثم وقفت تتأمل ذلك النهر العتيد ، نهر النيل الخالد الذي كان عتيا في شبابه فشق الصخور وحول صحراء مصر القاحله لوادي خصب يسكنه الملايين. نظرت إلى السماء وقالت:
-يارب فكها من عندك إنت عارف ماليش غيرك
بعد نحو دقيقتين وهي سارحه تتأمل مياه النيل المتدفقه سمعت صوت من خلفها يناديها فإلتفتت بتلقائيه فوجدت رجلان يركبان سياره فخمه ويطلبان منها أن تقضي معهما الليله مقابل خمسمائة جنيه، وقفت للحظات متردده فهي وأبناءها في أشد الحاجه لذلك المال ولن يعرف أحد أنها باعت جسدها لتطعم أولادها ، ثم رن في قلبها صوت أمها وهي تقول لها مرارا:
-لو كل الناس مش شايفاكي ربنا وحده شايفك، قبل ما تخافي من أمك وأبوكي والناس خافي من ربنا
إرتجفت وعادت لصوابها ومشت سريعا عكس إتجاههما وهي تلعن عصام زوجها الذي سافر منذ ثلاث سنوات بعد أن باع شبكتها ووعدها أن يعوضها وسيعود محملا بالمال ليسعدها هي وأولادهما لكنه لم يعد إنما غاب وإنقطعت أخباره وتركها وحدها غارقه في تلك المسئوليات التي أهلكتها، لكنها ستصمد لتصل بأبناءها لبر الأمان. دخلت البيت وهي منهكه من القهر والإضطراب وكثرة التفكير ولكنها رسمت على وجهها إبتسامه وهي تمنح أولادها الثلاثة الطعام الذي فرحوا به كثيرا ، بينما جلست هي تفرز الملابس لتجري عليها التعديلات اللازمه لتلائم كل واحد فيهم. بعد أن تناولوا الطعام جلسوا يتسامرون وصنعت أمال لنفسها كوبا من الشاي وفتحت باب غرفتها المطله على سطح البيت الذي يقيمون فيه ووقفت مستنده على  الجدار تتأمل الناس والزحام لشراء إحتياجات الشهر الكريم  والإبتهاج بشهر رمضان والشوارع المزينه بالفوانيس والأوراق الملونه وتذكرت قول أمها ( العبد في التفكير والرب في التدبير) ثم رفعت رأسها للسماء وقالت:
-بكره ربنا يدبرها إن شاء الله

جلست هناء على مكتبها وهي ترجو الله أن ينجيها من تلك السيده الجبارة التي إشترت الشركه مؤخرا وتريد تصفية نصف العماله فيها لذا فهي تتربص بكل الموظفين و تترصد أخطائهم لتكون سببا وجيها في التخلص منهم. لم تترك أحدا إلا وقد أصابته بسهام لسانها وجام غضبها لكنها إختصت هناء بالجانب الأكبر لأنها لم تنافقها ولم ترجُها وتتوسل إليها أن تبقيها في العمل كغيرها بل ولأنها تصلي في أوقات العمل وهو ماترفضه مدام ليلى – رغم أنها مسلمه إسما- لأنها ترى أن الدين لا يجب أن يؤثر على العمل ويجب ألا تؤدي صلواتها في العمل.
كانت هناء في أشد الحاجه للعمل لسداد أقساط مدارس أولادها فراتب زوجها كمحاسب في شركه كبرى لم يعد يكفي مع الغلاء المستمر للأسعار وكانت قد بقيت عاطله لمدة عام عندما تمت تصفية الشركة السابقه التي كانت تعمل بها، وسعدت كثيرا عندما وجدت ذلك العمل لأن إنقطاعها عن العمل جعلهم في حاله ماليه سيئه خاصة مع كثرة الأقساط والمصاريف فكانت تعاني مع زوجها في تدبير مصروفات الشهر حتى يمر بدون سلف، لكن يبدو أن مدام ليلى ستهدم سعادتها بغرورها وكرهها لها وإضطهادها لها.رن جرس الموبايل فأجابت بصوت خافت:
-إزيك يا نورهان
-أهلا يا حبيبتي أنا مش هاعطلك أنا بس بافكرك بالقسط الأخير بتاع التكييف قبل ما أسافر
-إبعتي أمال تاخده من البيت
-أنا مشيتها خلاص
-ليه دي غلبانه وعندها عيال هتعمل إيه؟
-غصب عني أنا خلاص مسافره
-طيب هاعدي عليك القسط وأنا راجعه من الشغل
شعرت بالحزن من أجل أمال فمن أين لها بنفقات أبناءها؟ وكيف ستدبر أمرها مع دخول رمضان؟ إذا كنا نحن نعيش في مستوى معقول ونحمل هم دخول رمضان بمصروفاته فمابالنا بتلك المسكينه التي ليس لها زوج ولا راتب ولا معاش يسترها؟؟ فكرت هناء أن تستعين بها لمساعدتها في بعض أعمال المنزل وترشحها لصديقاتها ممن يحتجن خادمة باليوم وذلك أفضل من أن تبقى بلا عمل، كذلك ستعطيها جزء من مخزون الطعام لديها لتدبر به حالها مع بداية الشهر الكريم. أفاقت من أفكارها على صوت الهاتف الداخلي فصاحبة الشركه تطلبها في مكتبها بإلحاح ، ذهبت وهي تدعو الله أن يكفيها شرها، لن تنافقها ولن ترجوها حتى لو أصرت على فصلها من العمل فالرزق ليس بيدها إنما بيد الله سبحانه فسترجوه هو وحده وسترضى بكل ما يقسمه لها سواء بقيت في العمل أو تركته فهو وحده من سيدبر الأمروهي على يقين أنه لن يفعل لها سوى الخير كله. وقبل أن تدخل ناجت ربها وقالت:
-يارب ليس لي سواك فدبر لي أمري وإرضني به

جلست مدام ليلى على مكتبها في منتهى العصبيه تنقر عليه بأصابعها فقد إستفزتها تلك المغروره هناء، من تظن نفسها  ومن أين تأتي بكل تلك الثقه؟ فمنذ أن إشترت ليلى الشركه والكل ينافقها ويتوسل إليها لتبقيه في العمل ماعدا هناء لم تفعل، حاولت أن تجد لها خطأ واحد في العمل فلم تجد، كل ما أخذته عليها تركها للعمل بدون إذن لتؤدي صلواتها مرتين في اليوم فإستغلت ليلى تلك الفرصه لتعنفها وتقول لها أ الشركه ليست مكانا للعباده إنما مكانا للعمل فردت هناء بمنتهى الثقه والهدوء وقالت:
- أنا ماقصرتش في شغلي وأعتقد إن من حقي راحه أشرب فيها شاي أو أكل أو أصلي أنا حره مادام شغلي مش متعطل
تلك المغروره لم تخف ولم تعتذر ولم ترجُها كغيرها، ظلت طوال اليوم تغلي غضبا وتفكر فيم ستفعله بها ، إنها تكرهها كما تكره جميع العرب والمسلمين- الذين تنتمي إليهم بالإسم فقط- كما تكره أباها لأنه جعلها منهم ولأنه تركها هي وأمها الإنجليزيه منذ فتره طويله وعاد لمصر وتزوج إحدى قريباته ونسيهما وإنقطعت كل صلته بهما فصارت أمها تكره العرب والمسلمين وعلمتها أن تكرههم أيضا فهم كسالى غير منظمين يعيشون في فوضى وقذاره ودائما خانعين يخشون من يملك رزقهم. عاشت مع أمها في إنجلترا وإكتسبت طباع الإنجليز حتى إتصل بها والدها منذ فتره أخبرها أنه مريض وسيموت ويرجوها أن تسامحه على هجره لها لكنها رفضت وبعد عام فوجئت بمحام يتصل بها ويطلب منها النزول لمصر لتتسلم إرثها من والدها وهو عباره عن شركة مقاولات أما الأرض الزراعيه والبيت فنركهم لأبنه أحمد الذي إلتقته عند المحامي ويشبه والده كثيرا فكرهته لأنه يذكرها بالرجل الذي تخلى عنها في صغرها وجعلها تخشى الإرتباط بأي رجل حتى لا يتركها أيضا، وهو أيضا لم يحاول التقرب منها إنما إكتفى بتصفية الميراث ومضى كأنها ليست أخته ولا يربطهم رابط الدم. إستلمت ميراثها وعاشت في مصر بعد وفاة والدتها فوجدت أن والدها بطبعه الشرقي الفوضوي جعل الشركه تكتظ بعماله لا يحتاجها ودخل في العديد من المشروعات بدون تخطيط كاف فخسرها، لقد ترك لها شركه على وشك الإفلاس فقررت أن تقبل التحدي وأن تحولها لشركه ناجحه وكان عليها أن تنتقي الكفاءات فقط ليكملوا معها الطريق، كما إستعانت ببعض أصدقاء لها يعملون في القاهره لتفهم منهم طبيعة السوق وطرق العمل. خلال شهرين عرفت أسلوب عمل كل من في الشركه وإستطاعت تقييم أدائهم وقررت تقريبا من سيبقى ومن سيرحل، لكنها مازالت متردده بشأن هناء فرغم كفاءتها إلا أنها تكرهها بسبب تدينها وثقتها المفرطه بنفسها ولسبب لا تعلمه ربما لأنها كسرت الصوره النمطيه لديها عن المسلمين أنهم فوضويين ولا يتقنون أعمالهم؟ وأن المتدينين منهم إما مهملين في أعمالهم أو منافقين لرؤسائهم أو يتخذون التدين كستار لفسادهم؟ أو لأنها كانت في أعماقها تتمنى أن لو بقي أبوها معها وعلمها دينها وجعلها تنشأ كهناء؟ لا تعلم فهي تشعر بإضطراب كبير يجتاحها لأول مره في حياتها تتغلب عواطفها على الشخصيه الإنجليزيه العمليه بداخلها، لذا قررت أن تستدعيها وسيكون ذلك النقاش هو ما سيحدد مصيرها وسيجعل ليلى تحسم أمرها هل ستبقيها أم ستطردها.





دخلت هناء مكتب مدام ليلى بعد أن إستأذنت فرمقتها ليلي بنظره حاده ولم تأذن لها بالجلوس وقالت:
-عارفه طبعا إني باصفي ناس كتير من الشركه ومش هاخلي غير الكفاءات بس
-عارفه
-وبصراحه أنا محتاره أخليكي لأنك كفء ولا أمشيكي لأنك متدينه وكل شويه هتسيبي الشغل بحجة الصلاه والعباده؟
-أنا باصلي في الشغل مرتين في اليوم كل مره مابتزيدش عن 10 دقايق وحضرتك بتدي للكل إستراحه لمدة نص ساعه أنا ما باخدهاش وباوفر وقتها للصلاه يعني كده بعد الصلاه أنا لسه باقي لي 10 دقايق كمان باشرب فيهم شاي وأنا باعمل شغلي يعني صلاتي مش بتعطلني عن شغلي.
-التدين ده بينك وبين ربنا ممكن تخليه لما تروحي بيتك
-الصلاه لها وقت ما أقدرش أعديه
-ولو قلت لك إن صلاتك هتكون سبب فصلك من الشغل؟
-يبقى الأرزاق على الله
صرخت ليلى بغضب:
-هم كده المسلمين شخصيات سلبيه كل حاجه يرموها على ربنا ويقولوا هو هيدبرها وهم مش عايزين يدبروا أمورهم عشان كده هيفضلوا العمر كله متخلفين، لأ رزقك بإيدي وأنا اللي أقدر أقطعه او ازوده
-لأ رزقي بإيد ربنا لو إنتي قطعتيه من عندك هيبعت لي رزق تاني في مكان تاني، زي ما رزقك بالشركه دي من غير ما تبذلي أي جهد قادر يرزقني بشغل تاني برضه
-يعني مش خايفه أمشيكي؟
-لأ لأن ربنا ما بيتخلاش عن المجتهدين المخلصين في شغلهم اللي بيتظلموا بسبب تدينهم وبسبب كره الناس للدين ، إن كان سلوك البعض وحش فده مش ذنب الدين ده ذنب الناس.
سكتت ليلى للحظات وقالت بهدوء:
-تدينك ده هو اللي مديكي الثقه دي كلها ؟ والقوه والثبات ده؟ مش عارفه أكره التدين ده ولا أحسدك عليه؟
-حضرتك مستغربه عشان ماجربتيهوش لكن لو فهمتي حقيقة التدين وجربتي تعيشيه فعلا هتلاقيه حاجه جميله جدا مالكيش دعوه بسلوك بعض المتدينين الغلط كل واحد منا هيتحاسب عن نفسه وبس عن سلوكه وبس.
-بس أنا شايفه الناس مش مستفيده من دينها يبقى العيب في الدين
-وليه ما يكونش العيب في الناس اللي ما بتطبقش الدين صح؟
سكتت ليلى للحظات ثم قالت:
-أنا عمري ما فكرت في الدين ولا فكرت ألجأ له يمكن لأن والدي ماكنش متدين ولأن أمي كرهتني في الإسلام
-لو مافكرتيش زمان تقدري تفكري دلوقتي
- معقول؟ بس أنا فوق الأربعين سنه والوقت فاتني عشان أتعلم ديني خلاص وعملت حاجات غلط كتير
-مافيش وقت بيفوت كل حاجه ممكن تتعوض بس المهم النيه، هو هيكون مشوار صعب بس مكافأة نهاية الطريق تستاهل
-تفتكري هاقدر؟
-لو عايزه هتقدري وربنا هيعينك وكمان أنا معاكي، فرصه إحنا داخلين على رمضان وده شهر كله بركه وفيه روحانيات عاليه إستغليه.
نظرت لها ليلى للحظات ثم فتحت الدرج وأخرجت منه مبلغا ماليا وقالت:
-خدي دول إديهم لحد محتاج يمكن ربنا يغفر لي جزء من ذنوبي، أنا عارفه إن فيه في الإسلام زكاه وصدقات وربنا بيحبها بس أنا مش عارفه بتتحسب إزاي وأنا مديونه بكام فخدي دول مؤقتا لأني ما أعرفش حد هنا
-فعلا دي جزء من الإسلام لكن فيه فروض لازم نبدأ بيها زي الصلاه والصيام هتكون صعبه في البدايه لكن مع الوقت هتتعودي عليها وهتحبيها
إبتسمت ليلى وقالت:
-هتفضلي معايا وتساعديني؟
-طبعا  وده على فكره مالوش علاقه بالشغل حتى لو مشتيني من الشغل هافضل معاكي عشان نبقى صحبه صالحه ناخد بإيد بعض للجنه
خرجت هناء  من عند ليلى وهي تكاد تطير فرحا فقد حقق لها الله أكثر مما تريد أبقاها في مكانها وجعلها سببا في هداية ليلى وسببا في ستر أمال وأولادها ،هم وغيرهم ممن ستمنحهم مال ليلى، إتصلت بأمال وطلبت منها أن تأتيها في المساء، وعندما جاءت رتبت معها مواعيد لتأتي لها لتساعدها في تنظيف البيت وقالت لها أنها ستزكيها عند أصدقاءها وقبل أن تمشي أعطتها 500جنيه من مال مدام ليلى وقالت لها:
-ده رزق من عند ربنا جالك بس عايزاكي تدعي لصاحبته
-ربنا يسترها دنيا وأخره زي ماسترتني أنا وعيالي
خرجت أمال وهي سعيده وإشترت إحتياجات بيتها وأدخلت السعاده على نفوس أولادها وعندما إختلت بنفسها ترشف كوب الشاي على سطح المنزل رفعت نظرها للسماء وقالت:
-الحمدلله اللي سبته عشانك عوضتني بداله مال حلال يارب إغنيني أنا وأولادي دايما بالحلال

وسجدت هناء باكيه وهي تصلي وقالت:
-اللهم لك الحمد كما ينبغي لجلال وجهك وعظيم سلطانك يارب إستخدمني ولا تستبدلني
وعندما عادت ليلى لشقتها الفاخره المطله على النيل وقفت في شرفتها ورفعت رأسها للسماء وقالت:
-عصيتك كتير وذنوبي كتير جدا لكن النهارده رجعت لك وواقفه على بابك ياترى هتقبلني؟ وهتغفرلي؟ ياترى لسه فيه أمل؟ أنا إتعلمت من هناء إني أثق في رحمتك وأطمع في كرمك يارب ساعدني.
تمت
#قصص
#اجتماعية
#روايات
#نساء

الخميس، 15 نوفمبر 2018

صدفة

صدفة


#نجلاء_لطفي


توقفت دقات قلبي عن الخفقان لما رأيته، لم أصدق أن عيناي إكتحلت حقا برؤيته بعد كل تلك السنوات؟؟ ترى أهو حقا أم أن قلبي من شدة إشتياقه تخيل صورته ؟؟ لا حقا إنه هو، ملامحه لم تتغير ربما إكتسبت بعض الحزن والقسوه بفعل السنوات، لكن مازالت له نفس النظره التي طالما أسرتني .غير معقول بعد كل تلك السنوات ألتقيه صدفه في مطعم جلست عليه من شدة تعبي بعد تسوقي بأحد المولات، ترى هل القدر يريد أن يشعل نيران قلبي التي لم تخمد يوما رغم مرور أكثر من عشر سنوات؟؟أم أن للقدر أغراض أخرى يخفيها عنا؟؟
لم أستطع رفع بصري عنه لأتأمل ملامحه التي إشتقت إليها كثيرا بعد أن فرق بيننا أخي ورفض زواجنا لأنه أقل مني إجتماعيا وماديا ولما صممت على الزواج  منه هددني  أخي بإستخدام نفوذه لتلفيق أي تهمة له والزج به في السجن، شعرت بالعب من أجله وخوفا على مستقبله تركته وأن أتمزق ألما، وتركت قلبي معه، ذلك فقط ما جعلني أتراجع وأضحي بحبي وسعادتي،فمستقبله أهم مني ومن حبي.  عبثت السنوات بشبابه كثيرا فظهرت بعض شعيرات بيضاء في مقدمة رأسه كما ظهرت بعض التجاعيد على وجهه رغم أنه لم يتجاوز الأربعين بعد، حتى جسده الممشوق إكتسب الكثير من الوزن وأصبح له كرش يسبقه، فإبتسمت لأني تذكرت كم كان يسخر من المتزجين أصحاب الكروش وكنا نضحك معا ونقول لن نصبح مثلهم أبدا..
أتراه مازال يحب منير وفيروز وماجده الرومي؟؟ أمازال يتذكر قصيدة كلمات  التي إخترناها لنرقص عليها ليلة زفافنا الذي لم يحدث؟؟ أتراه مازال يذكر كم غنيت له أغنية فيروز( باكتب إسمك يا حبيبي) كما أتذكرها كل يوم؟؟؟ أتراه مازال يحبني كما أحبه حتى الأن رغم قبولي الزواج من إبن عمي شريف وفقا لرغبة العائلة ولكني لم أسمح له بأن يسكن قلبي ويشارك طارق فيه؟؟
أفقت من شرودي وتأملاتي على صوت صراخ يصدر من طفل يجلس بجوار طارق ويبدو أنه إبنه وفوجئت بأن طارق يضربه بقسوه أمام الجميع ويعنفه بكلمات ربما لايستوعبها لأنه لم يتجاوز الرابعه من عمره، وأم الولد زوجة طارق تحاول أن تسكته وتخلص الولد من يده بلا جدوى بل نالها نصيب من تقريعه لها وكل من في المطعم مستاؤون من تلك الحده والقسوة، والمرأة يقتلها الخجل وتكاد الدموع تتدفق من عينيها أنهارا. لم أصدق نفسي هل هذا الكائن المتوحش هو طارق الهادىء الراقي في كلماته الذي أحببته لرقته وحنانه؟ هل هو طارق الذي قضيت سنوات عمري نادمه على فراقه؟؟هل لو كنت مكانها كان سيعاملني بتلك الطريقه؟؟ بالتأكيد لا فكان دائما يقول لي ستكونين مليكتي المتوجه، ترى ماذا أبدل ذلك الكائن الهادىء رقيق المشاعر لذلك الوحش الكاسر؟؟ 
 لم أحتمل قسوته أكثر من هذا إنما قررت أن أتدخل لأرحم الطفل المسكين وأمه لعله يتوقف أو يخجل من وجودي .قمت من مكاني وإقتربت من الولد الصغير وجذبته بعيدا عن يد طارق وهو ينظر إلي بذهول ظننته في البدايه عرفني لكني فوجئت بنظرات بارده بلا معنى في عينيه وتحولت لنظرات غاضبه، فأدركت أنه لم يعرفني بل حتى لم يتذكر ملامحي ، معقول لقد نسيني تماما؟ ألم يعد لي حتى مكان في ذاكرته؟ أفقت من صدمتي ولملمت شتات نفسي وقلت:
 -مايصحش إنك تضرب إبنك في مكان عام بالشكل ده عشان وقع الأكل على هدومه وكمان تهين مراتك قدام الناس كلها، الكلام ده يكون في البيت 
قال وبركان الغضب ينفجر في وجهي:
 -وإنت مالك؟؟ إبني وباربيه مالكيش دعوة؟ هم خلوكي محامي عنهم؟ خليكي في حالك ومالكيش دعوه بينا عارفه لو كنتي راجل كنت عرفتك إزاي ما تتدخليش في شئون غيرك
-يا سيدي مش باتدخل ولا أنا محامي بس دي مش طريقة تربية طفل إنت كده هتعقده وهتكره مراتك فيك
-أعقده ولا أولع فيه إنتي مالك؟ ومراتي أنا حر فيها أعمل فيها اللي أنا عايزه كانت اشتكت لك؟
-خلي عندك رحمه ده طفل صغير، من لا يرحم لا يُرحم وبعدين رفقا بالقوارير وحتى لو إنت عايز تزعق لمراتك وإبنك ما يبقاش على حساب الناس اللي قاعده إحنا قاعدين هنا عشان ناكل ونرتاح مش عشان نسمع عزفك المنفرد ده ولا قاموس الشتايم اللي إتحدف على سمعنا
-إمشي من قدامي الساعه دي بدل ما أصور قتيل النهارده وأنسى إنك واحده ست، ثم قال لزوجته وإبنه بعنف:- قوموا جاتكم القرف فرجتم علينا اللي يسوى واللي مايسواش أدي أخرة اللي يخرج معاكم تاني، يقطع الجواز على الخلفه
مشى ومازال سيل الشتائم ينهمر على رأسيهما فنظرت إلى زوجته المسكينه وإبنه المذعور وإنصرفت حزينه لكني شعرت أني مدينة بالشكر والإعتذار لأخي الذي منعني من إرتكاب جريمه شنعاء في حق نفسي،كما شعرت بالتقدير والإمتنان لزوجي الذي لم يهينني ولو مره واحده فيما بيننا أو أمام الناس والذي يكن لي كل الحب والإحترام، رغم أني لم أحبه يوما.قد يكون الله أرسل لي طارق  في تلك اللحظه حتى أعرف قدر زوجي فقررت أن أسعده وأحبه كما لم أفعل من قبل فهو وحده من يستحق حبي، فالحب وحده ليس كافيا إن لم يكن مصحوبا بالإحترام.
تمت
#قصص
#اجتماعية
#حب
#رومانسية

السبت، 10 نوفمبر 2018

الغرام المستحيل

الغرام المستحيل


#نجلاء_لطفي


أحداث تلك القصه خياليه تماما وتصورت أنها تحدث في العصور الوسطى في بلد ما على ظهر الأرض، وليس لها أية علاقه بالواقع من قريب أو بعيد ، وليس لها علاقه بالسياسه الحديثه ولا بأي بلد حديث، هي مجرد خيال أشبه بالحواديت التي كنا نستمتع بها عندما كنا صغار وتأخذ عقلنا لعالم خيالي.

أعيش في قصر أبي في ملل تام فالروتين ذاته يتكرر يوميا يكسره أحيانا إقامة بعض الحفلات أو إستقبال الوفود الأجنبية بنفسي لأني حاليا ملكة البلاد رغم أني لم أتجاوز الثامنة عشر، لقد صرت الملكة بعد وفاة والدتي منذ عام فحرص والدي أن يتوجني كملكة حتى ينتقل الحكم إلي بعد وفاته خوفا علي من تأمر أقرباؤه الذين يطمعون في العرش من سنوات ودبروا العديد من المكائد للإطاحة بأبي بل وحتى حاولوا إغتياله لكن في كل مره كأن أبي ينجو من كيدهم بفضل الله ورحمته حتى يظل الملك الرحيم  العادل الذي يحب شعبه ويسعى دائما لتحقيق مصلحته. منصب الملكة كان قيدا يطوق عنقي فعلي أن التزم بسلوك معين وطريقة كلام محددة وملابس معينة، وأنا شابة صاخبة أعشق الحياة و الضحك واللهو والمغامرات وأحب كل مسرات الدنيا  فكيف أمتنع عنها وأعيش كأني آلة مبرمجة على أشياء محددة؟؟ كان علي أن أتكلم بحساب وأتحرك بحساب ودائمامحاطة بالحرس فلا أستطيع أن أختلي بصديقاتي لنحكي قصص الفتيات ومغامراتهن ولا أن نمزح معا، يبدو أني نسيت أنني ليس لدي صديقات بل كلهن إما منافقات للملكة أو راغبات في رضاها أو خائفات من بطشها، أو حاقدات عليها. مللت تلك الحياة الروتينية السخيفة، أما متعتي الوحيده فيها هي ركوب الخيل والصيد والمبارزة بالسيف فقد حرص أبي على تعليمي فنون الدفاع عن النفس كأي أمير. غدا سأخرج في رحلة صيد مع شباب من أبناء الأمراء الوزراء – حيث أن الصيد ممنوع للفتيات لأنهن يتصنعن أنهن رقيقات وأعصابهن لاتحتمل كل ذلك العنف- أما أنا فلست مثلهن فقد تعلمت الصيد والفروسية وفنون القتال وصرت متمكنة منها.أحب الصيد كثيرا فقد علمني الصبر والإتقان والتركيز، كما علمني كيف استمتع بمغازلة الشباب لي وأنا أعلم أنهم كاذبون،لكن مغازلتهم ترضي غروري، فكل واحد منهم يطمع أن يكون زوجي أو بمعنى أدق ملك المستقبل، لكن لا أحد منهم يحبني لذاتي. كم تمنيت لو لم أكن ملكة لاستمتع بالحياه وأتذوق الحب وعذابه كغيري من الفتيات، كم تمنيت أن أذوب عشقا  وأسهر الليل وأبكي على وسادتي وأنتظر عودة أحد ، وكم أحلم أن يحبني رجل واحد فقط لنفسي لا لأني الملكة فريدة، لكن يبدو أنها ستظل مجرد أمنيات.
في اليوم التالي خرجت في رحلة الصيد وأنا أرتدي ملابس الصيد كالشباب ويحيط بي الحراس من كل ناحيه مدججين بالسيوف، وكل الشباب يتملقونني ويغمرونني بحبهم الزائف المصطنع وأنا أتسلى بأن أوهمهم أنني أهتم بكل واحد منهم فقط دون غيره حتى يتعلق بالأمل الكاذب مثل مشاعره بينما ألهو أنا بهم. بدأنا صيد الغزلان وكل منا على فرسه ، وزين إلي شيطاني أن أربط حصاني إلى شجرة وأختفي عن أنظار الجميع لعدة دقائق لأثير فزعهم وأتسلى بمشاهدة الرعب في أعينهم، انتظرت إنشغال الحرس بإحضار الغزاله التي اصطدتها بمهاره وربطت فرسي بالشجرة وتسللت بعيدا وسط غابة من الأشجار المتشابكة ، ابتعدت كثيرا حتى غابوا عن نظري فصعدت فوق أغصان الشجرة الكبيرة ومددت عليها جسدي  وغفوت لمدة طويلة حتى قاربت الشمس على المغيب، شعرت بالخوف فنزلت مسرعة وحاولت أن أجد طريقي ففشلت فالظلام أوشك أن يملأ الكون ولم يكن هناك ضوء قوي ليرشدني. بدأت قواي تخور لأني لم أتناول طعاما منذ الصباح ولكني قاومت حتى أصل لمكان مفتوح يستطيعون رؤيتي فيه فلابد أن الجميع يبحث عني، وأخشى أن يكون النبأ وصل لأبي فيصيبه الفزع علي.شعرت بالدوار يزداد مع ركضي بحثا عن مخرج، حتى لم أستطع المقاومة أكثر من ذلك فسقطت مغشيا على.
لم أدرِ كم من الوقت مر علي وأنا فاقدة للوعي لكني كنت أحلم أحلام لذيذه عن فارس خطفني على حصانه وسار بي في الغابة وحملني بين ذراعيه ولا أتذكر باقي الحلم ، أفقت وأنا أشعر بصداع رهيب وفتحت عيني ببطء وأنا أتعجب أين أنا، تذكرت ماحدث بالأمس فقمت من مكاني فرأيت إمرأة عجوز تبتسم في وجهي وتقول:
-حمدا لله على سلامتك يا بني
-أنا لست فتى بل أنا فتاة
ورفعت الغطاء عن رأسي وأطلقت لشعري العنان ، فقالت متعجبة:
-فتاة؟ ولم ترتدين ملابس الرجال؟
-كنت اصطاد الغزلان
-وهل تصيد الفتيات الغزلان؟ عجبا لفتيات هذا الزمن
-أين أنا؟؟
-في بيتي
-ومن أحضرني إلى هنا؟؟
-ابني هذا
وأشارت لشاب قوي البنية ، شديد التجهم يقف في طرف الغرفة بعيدا عني، ثم أضافت:
-هو جندي في الجيش عندما رأك وهو عائد من عمله فاقدة للوعي حملك على حماره وجاء بك إلى هنا، لكنك لم تقولي لنا من أنت؟
نظرت إلى المرأة وإلى ذلك المتجهم الذي ينظر إلي في صمت مريب وفكرت أن أخفي عنهم حقيقتي لأرى كيف سيعاملونني، فقلت:
-أنا ابنة أحد كبار التجار بالعاصمة وعندما يعلم أنكم أنقذتوني و ستعيدوني إليه سيمنحكم مكافأة كبيرة
هنا تكلم المتجهم بعصبية وقال:
-نحن لا نحتاج لصدقاتكم نحن أغنياء بعزة أنفسنا، إنما أنقذتك لأنني رأيت أن هذا واجبي كجندي أولا وكرجل ثانيا، ولم أكن أعرف أنك فتاة ولا يفرق معي إن كنت ابنة ثري أو متسول، نحن لسنا في حاجة لأموالكم لنعمل الخير.
-لم الغضب أنا لم أقصد إهانتكما إنما قصدت أنك إن أعدتني لوالدي حالا سيشكر لك صنيعك
- لا أستطيع إعادتك اليوم ولا غدا فلدي عمل هام أقوم به ولكنني سأحصل على أجازتي بعد غد وعندها سأذهب بك إلى والدك
-وهل سأبقى في بيتكم هذا كل ذلك الوقت؟؟
نظر إلي وهو يستشيط غضبا وقال:
-إن لم يكن بيتنا يليق بك فغادريه وابحثي عن مكان يليق بك
خرج غاضبا وصفق الباب بشده أفزعتها فقالت أمه مبتسمة :
- لاتغضبي من فارس هو عصبي وحاد الطباع لكنه يحمل قلبا طيبا لا يعرف سوى الخير والمحبة لكل البشر
-هذا واضح ولا يحتاج لكلام
-لقد أعددت لك طعام بسيط لأننا فقراء لا تؤاخذينا فهو لايليق بك ولكن لا نملك سواه
-بالعكس رائحته جميلة وأنا جائعة فعلا
-بالهناء يا حبيبتي ولكن ما اسمك؟؟
-فريدة
-تعالي يا ابنتي وتناولي طعامك
كان طعام أتذوقه لأول مره في حياتي خالي من الخضروات والفاكهه عبارة عن كسرات خبز مغموسة في سائل أشبه بالمرق وعليه قليل من الأرز ،لكن طعمه كان لذيذ او هكذا صور الجوع لي فتناولت طبقي كله. بعد الطعام أعدت لي الشاي وجلست تغزل فلما سألتها ماذا تفعل قالت أن منطقتهم مشهورة بالصيد وهى تقوم بغزل الشباك للصيادين أحيانا وإصلاح المثقوب منها، كما أنها تغزل بعض الأبسطه على نولها ثم تخرج لتبيعهم في السوق لتشتري احتياجاتها من الطعام  وأن هذا حال معظم نساء القريه فتعجبت وقلت:
-أليس ابنك جندي؟ معنى ذلك أن راتبه يكفيكم
ضحكت وقالت:
-يبدو أنك تعيشين في بلد أخر أوعلى الأصح في عالم أخر فراتب الجندي لا يكفينا خبز فقط لأخر الشهر وعلي أن أعمل حتى نكفي طعامنا ، حتى فارس يخرج للصيد يوم أجازته على مركب أحد جيراننا لنأكل أو نبيع ما يصطاده وكل أهل القرية والقرى المجاورة على نفس الحال من الفقرفأي موظف صغير راتبه ضئيل جدا ولا يسد احتياجاته الأساسية فقط كبار الموظفين ورجال القصر والتجارهم من يتمتعون بالرواتب والثروات الضخمة ، أما الفقراء فلهم الله، حتى إن مرضوا لايملكون أجر الأطباء ولا ثمن الدواء، يا بُنيتي نحن نعيش على الهامش ولا أحد يشعربنا ولا يقدر معاناتنا أو حتى يحاول التخفيف عنا.
-ولم لا تحصلون على إعانات الفقراء التي يصرفها الملك؟ ولا تُعالجون في كل مستشفيات الملكة الخيرية؟
-الإعانات لا تصل إلينا هنا وكلما سألنا عليها يقول الموظفون أنها نفذت ،أما مستشفيات الملكة فليس فيها أطباء وإن وجدوا فلا يوجد دواء
صدمتني كلماتها التي أسمعها لأول مره فكل التقارير التي تصلنا تخبرنا أن الشعب يعيش حياة رغدة بمرتبات مرتفعة وخدمات صحية ممتازة  وحياة خالية من المشاكل ، لكن ما رأيته خلال اليومين مع أم فارس وجيرانها الذين سمعت منهم حكايات تفطر القلوب أكدت لي أن أي حاكم لابد أن يرى بنفسه حال شعبه ويستمع لهم ليعرف مشاكلهم ويحلها لهم وعليه أن يُحسن اختيار معاونيه.
 مضى اليومان وأنا أتجول مع أم فارس في القريه وجيرانها يرحبون بي وذهبت معها للشاطىء وأهداني صياد عجوز سمكة كبيرة وقال ( أهديها لصاحبة أجمل عيون رأيتها في حياتي)، ضحكت لكلماته فقالت لي أم فارس أنه أهداني رزق يومه فكدت أعيدها لكنها قالت أن ذلك يُعتبر إهانة له فقبلتها ممتنة وقامت أم فارس بطهيها ، كان مذاقها أطيب من أي سمكة طهاها لي الطباخ الملكي. عاد فارس للبيت وتناول الطعام ووعدني أن ينام عدة ساعات عند جارهم الأعزب- حتى لايبقى معي في بيته الصغير فهذا لايليق- وبعد شروق الشمس سنتجه للعاصمة. أشرقت الشمس فوجدت أم فارس أعدت لنا الإفطار وبعض المخبوزات التي نأكلها في طريقنا ، ودعتها وبينما أنا أهم بالخروج نادتني لغرفتها وقالت:
- لايليق بفتاه جميله مثلك أن تغادر بملابس الرجال تلك، هذا ردائي جعلته يناسبك حقا هو قديم ولا يليق بك لكني لا أملك أن أهديك سواه، وذلك الوشاح صنعته خصيصا لأجلك سيدفئك من البرد
شكرتها كثيرا وأبدلت ملابسي وتعمدت ترك ملابس الصيد لفارس دون أن أخبره حتى لايرفض. ودعتني أم فارس وضمتني لحضنها وهي تدعو إلي ،ذكرتني بحضن أمي وحنانها وإبتسامتها الجميلة الدافئة ، فتركت لها غطاء رأس لي لتذكرني وتدعو لي كلما ارتدته. فارس يشاهد الموقف ساخطا وقال بغضب:
-أليس لتلك المشاعر المتدفقة من نهاية؟؟
فقالت أمه ضاحكة :
-أتغار من حبي لها يا فارس؟؟ أوصيك بها خيرا يا بني عليك أن تحافظ على سلامتها حتى تصل لأبيها، ثم همست:
- لا تغضب عليها فهي أرق من أن تحتمل غضبك
لم يتكلم إنما أوما برأسه موافقا وخرجنا من الدار إلى الطريق فأحضر لي حمار الجيران لأركبه فرفضت متأففة فأنا لا أركب سوى الخيول، فلم يبال وركبه هو ومشيت بجواره وأنا أكاد أنفجر غضبا من ذلك القاسي في معاملة النساء، ذلك الجندي الذي لم يتعلم اللياقة، استبد بي التعب ولم أعد قادرة على المشي خطوة واحدة فوافقت على ركوب الحمار. مشينا مسافة طويلة فطلبت منه أن نستريح قليلا في ظل شجرة كبيرة تنمو على شاطىء النهر وتتدلى غصونها فيه. جلسنا وأخرجت بعض الفطائر التي صنعتها أمه لأجلنا وتناولتها بنهم فمد يده وتناول بعض منها دون أن ينظر إلي أو يحدثني، ما بال هذا المغرور ألا يعرف من أنا؟؟ سألقنه درسا لن ينساه. استكملنا سيرنا بذلك الحمار الكسيح الذي يكل بعد بضعة خطوات، حتى حل الظلام علينا فكان لابد أن نأوي لمكان نرتاح فيه حتى الصباح، وجدنا كوخا من القش وبعض الأخشاب في أحد الحقول فقررنا أن نقضي الليلة فيه، وعندما دخلت للكوخ فوجدته خاويا صرخت قائلة :
-مستحيل أنام هنا على الأرض
- لاتنامي بل ابقي واقفة في مكانك
استدار وخرج لينام على باب الكوخ وجعل ظهره لباب الكوخ ، بقيت واقفة في حيرة لبضع دقائق  وأناأشعر بغيظ شديد وأود أن اركله بقدمي ثم تراجعت وخفت أن يتركني بمفردي فوضعت وشاحي على الأرض ونمت من شدة التعب. استيقظت على ضوء الشمس الشديد يخترق القش ويداعب عيناي العسليتين، نهضت متكاسلة وأنا أنظر حولي حتى وجدت فارس يغتسل من ماء النهر على بعد خطوات مني ، أدرت وجهي خجلا لأنه كان بلا قميص يستر جسده، ناديت عليه من داخل الكوخ فارتدى قميصه وجاء إلي وقال:
-هيا لنواصل السيرحتى نصل بسرعه فلا طاقة لي على احتمالك أكثر من هذا
انتظر أنا جائعة-
-رحمتك يارب اصبري قليلا حتى نصل
-حرام عليك لا أستطيع الصبر سأموت جوعا وأنت لاتبالي هل قلبك حجر؟ ألست جائعا مثلي؟
ابتعد عني وهو غاضب وصار يضرب الأرض بقدميه غيظا، بحث في الحقول فوج دأن الأرض مزروعة  ذرة فأحضر بعض أعواد من الذرة  وأشعل من الخشب الملقى بجوار الكوخ نارا وشوى لها الذرة فأكلا أثناء سيرهما ،هي كانت مستمتعة بطعم الذرة و وتنظر إليه بلا مبالاة لتغيظه وهوغاضب ،لكنةنظراته لها محيرة فهي مزيج من الغضب والغموض وأحيانا الإعجاب. وصلا لضفة النهر وكان عليهما للإنتقال للضفه الأخرى- حيث قصور الأثرياء في العاصمة -ركوب مركب كبيرة تحمل الناس والبضائع والدواب ، كان صاحب المركب يستغل أنه الوحيد الذي يمتلك مثلها والناس تحتاج له فيفرض عليهم الأجرة التي يحددها هو دون مراعاة لحالة الناس ولفقرهم. الكل غاضب من استغلال صاحب المركب لكنهم دفعوا  مكرهين لأنهم يريدون الذهاب لسوق المدينه حيث يستطيعون بيع بضائعهم بسعر معقول لكنهم لم يرحموا صاحب المركب من سخريتهم اللاذعة أو دعواتهم عليه. بدأ التآلف بين الناس والكل يشكي فقره  وضيق الحال حتى بدأوا في إلقاء النكات على الحكام والمسئولين بل وعلى أنفسهم، لم يسلم أحد من سخريتهم حتى الملك وأنا، ثم توقف سيل السخرية عندما بدأ أحدهم يغنى  موالا عن الحبيب الغائب ومدى شوقه إليه وأن فقره يمنعه من الوصول إليه، أعجبني صوته وتعجبت من حال الفقراء فهم يتأقلمون مع فقرهم بشكل غريب ويحاولون إسعاد أنفسهم بطرق بسيطة إما بالغناء أو السخرية أو الحكايات فهم لا يملكون سواهم كوسيلة للتعبيرعما في صدورهم بديلا عن الصمت القاتل. كانت كل النساء يتسامرن ويحكين قصصهن البائسة سواء مع أزواجهن أو أبنائهن بل ويضحكن على أحوالهن أحيانا  وأنا صامتة أستمع إليهن وأتعجب من حياتهن وكيف يتقبلنها ويتغلبن على تلك العوائق، اقتربت فلاحه سمراء ذات ملامح توحي أنها تجاوزت الأربعين وقالت لي:
-الشاب الوسيم القوي الذي يقف بجوارك زوجك؟؟
نظرت إليه لأول مره أتأمل ملامحه ببشرته السمراء التي لونتها الشمس وجسده القوي الفارع الطول وعيناه العسليتان بما فيهما من غموض وقسوة وجبهته العريضة المتجعدة من شدة تجهمه، لم يكن وسيما لكن كان به نوع من الغموض والقوة يضفي عليه جاذبية، انتبهت على سؤال السيدة التي قالت:
-لماذا تذهبان للمدينه؟؟
سكت وإبتسمت فقالت:
- لابد أنكما ذاهبان لزيارة أولياء الله الصالحين، أو ربما يريد أن ينجب ولدا، لاتقلقي فزيارة أولياء الله الصالحين ستجعل البركة تحل عليكما وتملأ داركما بالأولاد والبنات ..ثم همست ضاحكة:
-وإن كنت أظن أن مثله ليس في حاجة لبركات الأولياء
وضعت يدها في جيب رداءها وأخرجت لي بعض التمرات ودعت لي بالذرية الصالحة، انتبه فارس لحديث السيدة فقال لي:
-ماذا تريد منك؟؟
- لاشىء أعطتني بعض التمرات ودعت لنا بالذرية فهي تظننا زوجين

زوجين؟؟ هل بإمكان فتاه مثلك أن تكون زوجة لجندي فقير مثلي؟ قالها فارس محدثا نفسه وهو يتأمل شعرها البني الثائر على كل القيود وعيونها التي يختلط فيها اللون العسلي باللون الأخضر حتى لاتعرف ماهو لونهما الأصلي ، وبشرتها البيضاء المشربة بحمرة، كل هذا بالإضافة لعائلتها وثرائها الفاحش،هل ستقبل تلك بمثلي؟؟ ربما تراني مجرد خادم لها لكن زوج مستحيل. كل ذلك وهي لاتعرف ماذا أضمر تجاهها أو أنوي معها ترى لو عرفت هل ستقبل بي أم ستكرهني لباقي عمرها؟؟ نظرت إليها وعندما تلاقت نظراتنا أشحت بوجهي عنها حتى لا تعرف بمكنون نفسي، ونظرت في اتجاه النهر الذي طالما شهد حكايات وحكايات ترى هل ستدون حكايتنا على ضفاف النهر أيضا؟ أم ستكون نهايتها الغرق في أعماقه؟

لماذا ينظر إلي هكذا؟ هل حقا يتخيل أني سأكون زوجته؟ أفيقي من غرورك هو إنسان مثلك بل هو رجل شهم ونبيل رغم فقره، لو كان دنيء النفس لكان بإمكانه أن يتمتع بجسدك وأنت غائبة عن الوعي، أو بعد إفاقتك  كان يمكنه إغتصابك في الغابة لكنه لم يفعل؟ كان يمكنه أن يستغل ثراء والدك ووجودك عنده ليبتزه ويحصل منه على المال لكنه لم يفعل، هو إذا رجل شهم وهذا ما يفتقده الكثيرون  ومنهم الأثرياء والنبلاء.نظرت إليه وتأملت ملامحه ولا أعرف لم جذبتني نظرة عينيه، ترى ماسرهما هل القسوة أم الغموض؟ لم أريد أن أغرق في بحر هاتين العينين وأسبر أغوارهما؟ لماذا أنا منجذبة إليهما هكذا؟هل سحرتني عينيه؟ وهل سأشفى من هذا السحر؟
أفقت على صوت ضوضاء الناس عند النزول فقال لي فارس:
-انتظري حتى ينزل الجميع بعدها ننزل نحن حتى لا يضايقك أحد
اقتربت مني الفلاحه وقالت:
-إن شاء الله ربنا يرزقكم بذرية كلها أولاد أقوياء مثله
وغمزت لي بعينها وابتسمت بمكر وانصرفت ، جذبني من يدي حتى ننزل فشعرت بإرتعاشه تسري في يدي لا أعلم سببها فليست تلك أول مره تلمسني يد رجل ولكن تلك أول مره أشعر بتلك الرعشة، يبدو أن تأثير سحره بدأ يسري في جسدي كله أيها الساحر الغامض إلى أين تأخذني؟؟
 عند نزولنا من المركب اصطدمت قدمي بأحد الأخشاب على الأرض وكدت أقع فأمسك بي فارس بقوة وحماني من السقوط فاستندت على ذراعيه القويتين حتى جلسنا في الظل كانت يدي مازالت ممسكة بذراعه فنظر في عيناي وهم أن يقول شيئا لكنه لاذ بصمته وتركني للحظات وذهب ليحضر الحمار. أثناء عودته مر علينا أحد رجال الأمن الذي نظر إلي طويلا ربما يشبه علي وسألنا عن سبب قدومنا للمدينة فقلت له قبل أن يتكلم فارس أنني أعمل في قصر الملك لدى إحدى الأميرات ، نظر إلي فارس مبهوتا وهم أن يتكلم ولكن أمر رجال الأمن بعض الشرطيين بإيصالنا للقصر الملكي بعربة تجرها الخيول وكان عليه أن يترك الحمار مع أحد العاملين بالمكان الذي أوصاه رجل الأمن أن يرده إلى فارس عند عودته. أثناء ركوبنا العربة قلت لفارس:
-أعلم أنك تراني كاذبة ولك كل الحق فأنا لم أكن ابنة أحد التجار ولا أعمل حتى لدى الأميرة إنما أنا الملكة فريدة ذاتها.
تعجب فارس من جرأتها وصراحتها وصمم أن يلتزم الصمت طول الطريق فأضفت:
-نعم أنا الملكة وكنت في رحلة صيد وأردت أن أختبأ من الحرس قليلا ثم أظهر ولكنني غفوت مكاني وعندما استيقظت كانوا انصرفوا وتهت بين الأشجار ولم أعرف أين طريقي حتى فقدت الوعي من التعب وعندما أفقت أخفيت حقيقتي لأني أردت أن أعرف كيف يتعامل الناس مع فريدة الإنسانة وهل سيحبونها وتلك كانت فرصتي الوحيدة.
نظر إلي صامتا ولم يتكلم لكن في عينيه نظرة ليست دهشة من معرفة الحقيقة، إنما هي نظرة حيره وقلق لا أعرف ما سرها.

أعلم من أول لحظه أنك الملكة فريدة وفكرت كثيرا أن أقتلك إنتقاما من الملك الظالم ولكن قلت في نفسي أن هذا لن يحقق غرضي، فكرت أن اختطفك وأساوم عليك ليحقق مطالبي ولكن تراجعت لأنه ربما يخدعني وبعد ذلك يقتلني دون أن يدري بي أحد، لكني في النهاية قررت أن أمثل دور الجندي الشهم لأتقرب إليك وأدخل القصر الملكي وعندها سأنفذ خطتي ولن يثنيني أحد عن تنفيذها. الأن وأنا على أعتاب تنفيذ تلك الخطة أشعر بخوف لم أشعر به من قبل، خوف ليس من الفشل بل من أن تكرهيني فيما بعد، أعرف أنك بمجرد أن تتركيني ستنسيني لكنني من أول نظرة لعينيك سقطت صريع هواك وهذا ليس بيدي، أنا الفتى القوي الذي لايبالي بأحد سوى أمه سقط صريع نظرة فتاة مدللة مثلك تراه مجرد خادم لها لا أكثر ولن تشعر به يوما، ذلك الهوى الذي سيعذبني ويفسد على حياتي وتفكيري ولكنه صار متعتي وشقائي في الحياه. عرفتك منذ ساعات قليلة لكني أشعر أني أعرفك منذ سنوات عديده، تلك النظره التي رشقت قلبي بأسهمها فلم أرغب في صدها بل استمتعت بها وهي تصيب قلبي لتُحييه بعد موت طويل، وأنا الأن أخشى لحظات الفراق التي اقتربت كثيرا. ترى هل ستسامحيني يوما على ما فكرت به قبل أن أراك؟ وهل ستغفرين لجندي بسيط وقوعه في غرام ملكته ومالكة قلبه؟ سامحيني أستطيع السيطرة على كل شئ لكن لا أستطيع منع قلبي عن حبك.
بمجرد دخولنا من باب القصر رحب بنا الجميع وأسرعوا في إبلاغ والدي الملك بقدومي، فقد ظنوا جميعا أن مكروها أصابني، ترك والدي كل شئ وجاء مسرعا لرؤيتي وبمجرد أن رأيته ارتميت في حضنه فهو أبي وأخي وصديقي وكل من لي في تلك الحياة، في لمسته أماني، في حضنه أحتمي من الكون كله، فهو وطني وبر أماني، في إبتسامته سعادتي، هو أبي وكفى فكل حروف اللغات لن تفي أبي حقه . بعد أن إطمأن أبي علي عرفته بفارس وقلت:
-فارس أحد جنود المملكة الذي أنقذ حياتي دون أن يعرف من أنا اهتم بي هو ووالدته حتى أفقت من إغماءتي ورفض أن يترك خدمته كجندي نهائيا من أجلي رغم وعدي له بمكافأة ،بعد أن أنهى خدمته تكبد مشقة السفر من أجلي ولم يعلم هويتي إلا قبل بوابات القصر .
نظر إليه الملك للحظات وهو يقف منتصبا كجندي ثم مد والدي له يده وقال مبتسما:
-لقد أنقذت حياتي عندما أنقذت فريدة أطلب ماتريد
صافحه فارس وهو مازال منتصبا كجندي وقال :
-حماية الملك والملكة فرض على كل جندي وعلى كل مواطن بالمملكة
فقلت لأبي هامسه:
- دعه يرتاح من عناء السفر وعندها نفكر كيف سنكافئه
أمر الملك فارس بالإنصراف لجناح الضيوف بالقصر الملكي واصطحبه الخدم وهو مذهول فلم يكن يتخيل أن يعامله أبي هكذا، طلبت من والدي أن نذهب لغرفتي لأني أريد الحديث معه بمفردنا فوافق. جلست بجواره فأعاد احتضاني وتقبيلي وقال:
-كنت أخشى أن يصيبك مكروه لكن قلبي كان يخبرني أنك ستعودين لي
-أنا أيضا كنت خائفة عليك لذا بمجرد أن حانت الفرصه عدت إليك، وعدت إليك بأخبار الناس في المملكة التي لا يخبرك بها أحد إنما رأيتها بعيني وحكوا لي معاناتهم وهم يظنون أني مجرد مواطنة مثلهم.
وبدأت في إخبار والدي بكل ما رأيته من أحوال الناس وفقرهم وما يعانونه بسبب الظلم والفساد من الحاشية والمسئولين  ويظنون أننا نعرف ذلك ونسكت عليه.سكت أبي للحظات وبدا الضيق على وجهه ثم قال:
-خذي قدرا من الراحه وفي الغد سنتكلم كثيرا
-لي رجاء عندك يا والدي، أن تجعل فارس أحد حراس القصر بذلك نكون قد كافئناه دون أن نجرح كرامته فهو جندي أمين  ويستحق ذلك التكريم.
-كل طلبات مليكتي الصغيرة أوامر واجبة التنفيذ، في المساء سأقيم حفلا للترحيب بعودتك فاستعدي.
انصرف والدي فاستدعيت الخدم وطلبت منهم إعداد ملابس لائقة لفارس، ذلك الفارس الذي اقتحم حياتي بلا استئذان ورغم تجهمه إلا أن في عينيه نظرة غامضة كأنها تريد أن تبوح بسرما ،كما أنه شجاع
وحنون على أمه ومطيع لها، لا أعرف ماذا يجذبني إليه أهي نظرة عينيه الحائرة؟أم خوفه علي؟ أم شهامته؟
أقيم الحفل الكبير وحضره كبار رجال المملكة ورجال الأعمال والأثرياء والأقارب بالطبع، وارتديت ثوب أبيض مطرز بخرزات ملونه  ووضعت تاجا ماسيا على شعري الذي رفعته فوق رأسي ، كل ذلك كان لأرى رد فعل فارس الذي بدا شخصا أخر في بدلة الحفل الأنيقة المخصصة للجنود في الاحتفالات وكانت سوداء ومزينه بأزارار ذهبية وقد أظهرت رجولته وقوة جسده وزادته وسامة، ابتسمت عندما تذكرت كلام الفلاحة على المركب عن فارس وهي تظنه زوجي. نظرت إلى فارس وابتسمت فاقترب مني وحياني كما يفعل باقي الجنود ، كدت أن أقول له لا تفعل ولكني تذكرت الجمع ودوري كملكة فتوجهت لألقي كلمة شكرت فيها فارس على إنقاذه حياتي دون أن يعرف هويتي فهو نموذج للجندي الملتزم ومنحته وسام الشرف من أجل هذا،ثم ألقى والدي كلمته وقال أنه عين فارس كحارس شخصي لي لتكون حمايتي هي مهمته الرئيسية، صفق الجميع وشكر فارس الملك. لمحت على ملامح فارس علامات عدم الرضا  وربما الحيرة فتعجبت ألا يحب أن يكون بجواري؟ هل أخطأت عندما طلبت من والدي أن يكون حارسا بالقرب مني؟ هل هو مرتبط بأخرى ويريد الذهاب لها؟ تساؤلات كثيره شغلتني عن الحضور حتى نبهني والدي ودعاني للترحيب بالجميع.إنشغلت بالحفل والضيوف لكني عيناي كانتا تتابعان فارس الواقف في ركن بعيد وحده يشاهد عالم لا يعرفه.

بعد إنتهاء الحفل بقي ساهرا في الحديقه يحدث نفسه قائلا:
-حارسها الشخصي؟ هل سأبقى بجوارها أتعذب بحبها و لا أقدر على البوح به؟ هي لا تراني سوى مجرد خادم لها وتظن أنها كافئتني بذلك ولا تعلم أنها تعذبني . كنت أحلم بالرحيل رغم ألمه ومحاولة النسيان لكن الأن سأبقى بجوارها أتجرع مرارة العذاب كل لحظة وأنا معها ولا تشعر بي أي عذاب أقسى من هذا؟؟ لا سأشكرها على ثقتها وأتحجج بأمي وكبرها وأرحل. فأنا لا أقوى على البقاء بجوارها كخادم  ولا أقدر على الصمت على الظلم والفساد الذي سأشاهده وربما أكون شريكا فيه.
شاهدته من شرفتي يتحرك بعصبية في الحديقة فنزلت من غرفتي وتوجهت إليه، شاهدها وهي تقترب وقلبه يخفق بشده ويود لو أن يجري إليها ويضمها لصدره، لكنه تماسك وتحكم في ملامح وجهه حتى لا تفضحه، رأيت نظرات الألم والحيرة على وجهه فقلت:
-فارس ماذا بك ؟ منذ بداية الحفل وأنت متجهم ألست سعيدا أنك ستكون حارسي الخاص؟
-هذا شرف لأي جندي يا مولاتي الملكة  لكني أخشى أنني لا أستحق تلك الثقة الكبيرة؟
-لم؟ أخبرني الحقيقة
-جلالتك تعرفين أن والدتي مسنة وهي في أشد الحاجة إلي
-أحضرها تعيش معك هنا أم أن هناك أمر أخر تخفيه عني؟ تكلم بصراحة ربما تكون حبيبة تود العوده إليها؟ ومن أجلها تضحي بالمنصب؟
-أبدا ليس لي حبيبة..ثم رفع عينيه إليها ليختطف منها نظرة تروي ظمأ قلبه ، ثم تذكر مكانته فأخفضهما سريعا فقلت:
-فارس لقد ائتمنتك على نفسي فلا تتخلى عني
انهارت كل مقاومته وود لو أن كانا في عالم مختلف ليس فيه طبقات عندها كان سيركع تحت قدميها ويقبل يديها ويعترف لها بحبه ورغبته في البقاء بجوارها العمر كله.ثم أفاق من أوهامه وقال دون أن ينظر إليها:
- هذا شرف كبير لا أستحقه وأعدك  أن أكون عند حسن ظنك مولاتي وأن افديك بنفسي.
انصرفت وتركته الأفكار تتصارع في داخله بين حبه الشديد لها  ورغبته في تطهير البلاد من فساد الحكام لينعم الشعب بقليل من حقوقه ويحيا حياة آدمية، هل يكون حارسها وولاؤه لها وللملك أم يكون ولاؤه للشعب أم يضعها بين ضلوعه ليحميها من كل شر بل ويحميها حتى من نفسه؟؟ ظلت الأفكار تتصارع بداخله وتمزقه أشلاء ولم يستطع إيجاد حل.
في اليوم التالي بدأ عمله كحارس شخصي من حراس الملكة وكانت له مع باقي الحراس غرف في أطراف القصر للإقامة، صارت لحظات عمله الأكثر سعادة لقلبه لقربه من محبوبته، والأكثر ألما لأنه لايستطيع أن يعترف لها بحبه  وزاد ألمه عندما رفضت أمه الحضور للعاصمة لتعيش بقربه فكان يذهب لها مره كل شهر عدة أيام يقضيها بقربها فبعده عن أمه في كبرها يمزقه فهو يود أن يكون بجوارها ليخدمها ويرعاها وفي نفس الوقت لا يقدر على فراق حبوبته ومالكة قلبه.
خلال فترة بسيطة عرف عن قرب مالم يعرفه من قبل عن الملكة التي كانت ترعى دور الأيتام وتزورها بنفسها ، وتستمع لشكاوى المشرفين على الدور وتهتم بحلها،كذلك اهتمت بأحوال النساء وخاصة من لا معيل لهم وخصصت لهن جمعية توفر لهم قروض لعمل مشروعات صغيرة تدر عليهن دخلا محترما كما تقوم بتسويق منتجاتهن، كما صارت تولي اهتمامها للعناية الطبية والمستشفيات فزارت العديد منها في كافة أنحاء المملكة ،خاصة في المناطق الفقيرة، وحاسبت الكثير من المسئولين عن تقصيرهم وقررت بناء العديد من المستشفيات في المناطق النائية وخاصة في بلدة الصيادين حيث زارتها وذهبت بنفسها لزيارة أم فارس التي استقبلتها كملكة فقالت فريدة:
-يا سيدتي أنت صاحبة فضل علي فتحتي لي بيتك وعاملتيني كابنتك  وشملتني برعايتك وأنت لاتعرفين من أكون
-لكني اليوم عرفت فيجب أن أعاملك كما تستحقين يا مولاتي
-لا بل عامليني كابنتك فمنذ وفاة أمي لم أحظ بحنان إلا منك فقط ومازلت أحتفظ بالوشاح الذي صنعتيه من أجلي وبملابسك
احتضنتها أم فارس وقالت:
-بارك الله فيك يا ابنتي وحفظك من كل شر ووقاك شر كل من أراد بك سوءا
نظر إليها فارس وشعر أن الدعوة هذه موجهه ضده ولكن هل مازال يضمر لها سوءا بعد كل ما رأى من تواضعها وعملها من أجل مصلحة الشعب؟؟ هل يضمر الإنسان سوءا لشخص يفضله عن نفسه؟؟ هل يضمر الإنسان سوءا لأقرب الناس إلى قلبه؟؟ لا إنها أغلى عليه من نفسه ولا يضمر لها إلا كل الحب،حتى لو كان حب بلا أمل. أفاق من أفكاره على صوت والدته تقول لفريدة :
-لم أعد أريد من الدنيا شئ سوى أن أرى فارس متزوجا ولديه أطفال
فنظرت لي فريدة وقالت:
-لم لا تحقق رغبة والدتك يافارس؟
-يا مولاتي لا أفكر في الزواج حاليا
-بسبب الإمكانيات المادية ؟؟
- لا يا مولاتي لدي أسباب أخرى
قلتها وأنا أختطف نظره سريعة من عينيها  وكنت أود أن أصرخ وأقول: وهل تركت مساحه في قلبي لأي إمرأة أخرى؟؟لقد احتل حبك قلبي وما أجمل هذا الإحتلال، فلأول مره لايقاوم جندي مثلي المحتل بل يريده ألا يرحل أبدا فأنا أحبك ولا أرغب في سواك ولكن هل تتزوج الملكة بمجرد حارس؟؟ مستحيل.

ترى أحقا لا يفكر في الزواج؟ أم أن فيه قلبه سر يخفيه؟ وماسر تلك النظرات التي أراها في عيونه والتي يخفيها عندما أنظر إليه؟ يبدو أن فارس لديه ما يخفيه ولكن ما لايخفى علي أن في قلبه شئ تجاهي، وأنا لا أعلم لم أشعر بالأمان وأنا بجواره، وأحاول أن أتحدث معه وأستمتع بنبرات صوته التي تفيض رجولة وقوة، هل تعلق به قلبي أم هو مجرد تعود؟ أفيقي يا فريدة أنت الملكة وهو مجرد جندي حارس لك لا تنجرفي وراء مشاعرك لأن ذلك لا يليق بملكة؟؟ وهل للملكة سيطرة على خفقات قلبها؟ نعم فلست كباقي البشر هناك حدود لمشاعرك، لكني إنسانة وأتمنى أن أحظى بالحب وأن أحب أيضا أليس من حق الملكة أن تحب؟؟ تساؤل ظل يؤرقني كثيرا ولكني تعمدت تناسيه والانشغال بشئون المملكه فصرت أخصص يوما في الشهر للنساء لأستمع لشكاويهن وأحلها لهن وأرفع نتائج جولاتي في المملكة للملك  وأصف له أحوال الرعية بنفسي فلم يعد يثق بكلام أحد سواي وبالطبع أغضب ذلك الكثير من المسئولين الذين ظهر تقاعسهم عن عملهم مما جعل الملك يقصيهم عنها ، كذلك أثار نشاطي حقد الأمراء الذين كانوا لا يرون في سوى فتاة مدللة لا خوف منها ولابد أن يزوجها الملك لأحدهم ليكون هو الملك بعد أبي. لم أكن أبالي بتلك الأحقاد والكراهية إنما كل ما كان يهمني أن يعيش الشعب حياه آدمية في ظل حكم والدي.
في يوم صيفي شديد الحرارة شعرت بالملل من روتين حياتي وقررت عند الغروب أن أخرج في نزهه بقاربي في البحيرة وطلبت من فارس أن يستعد وحده للخروج معي فأنا لا أريد حرسا يقيد حريتي إنما أريد فارس وحده معي، لكني فوجئت برفض فارس لأن ذلك فيه خطر على ولكني أصررت وقلت له:
-هل ترفض للملكة أمرا؟؟
-لا يامولاتي ولكني أؤدي واجبي وهو حماية حياتك
-ألن تحمي حياتي إن تعرضت لخطر؟؟
-أفديك بنفسي يا مولاتي
-وأنا واثقة من ذلك إذا لا مجال للخوف هيا بنا
نظر إلي نظرة حائرة لم أستطع تفسيرها أهي خوف أم هناك شئ أخر؟ نزلنا للقارب الصغير وبدأ فارس بالتجديف بيديه القويتين وصوت المجداف يشق مياة البحيرة في هدوء وضوء الشمس البرتقالي بدأ يميل للحمرة وأخذ قرص الشمس في المغيب وراء الأفق، هذا المشهد البديع يثير في قلبي السعادة ولكنه اليوم يصيبني بالإنقباض لا أعلم لم. نظرت تجاه فارس فرأيته ينظر إلي تلك النظره التي تحيرني فقلت:
-مابك يا فارس؟
-لا أعلم يا مولاتي أشعر بالخطر دعينا نعود
-هل تخاف علي حقا يا فارس أم تؤدي مهام وظيفتك؟
سكت ولم يجب إنما اتجه بالقارب للشاطىء وهو يقول :
-هذا الهدوء الشديد مريب وخلو الشاطىء من الحرس مريب أكثر
-لكني لست خائفة مادمت معي
-هل تثقين بي لتلك الدرجة؟
-نعم فأنت أنقذت حياتي بمنتهى الشهامة من قبل دون أن تعرف من أنا وأعدتني لوالدي بدون مقابل فلم لا أثق بك؟
-لكني لا أستحق ثقتك يا مولاتي لأني كنت أعرف من أنت وفكرت يومها في قتلك ولكني تراجعت وقلت ربما تكونين وسيلة لأصل بها للملك وأقتلكما معا
صمت للحظات  مذهولة وظهر الفزع على وجهي وأنا غير مصدقة لما يقول، تراجعت للخلف قليلا خوفا منه يبدو أنني في كابوس لكنه أكمل دون أن ينظر إلي وقال:
-كنت انضممت لجماعه ترى أنك ووالدك وكبار البلد سبب في الفساد والفقر الذي نعانيه لذا قررنا قتلكما وتخليص البلد منكما ويوم الصيد كنت أراقبك من بعيد ورأيت تسللك واختباءك من الجنود وانتظرت انصرافهم فوجدتك تائهة في الغابة ولسبب ما لم أستطع قتلك وعندما رأيتك فقدت وعيك حملتك على حصان سرقته لأهرب به بعد قتلك وعدت بك إلى بيتي وفكرت من الأفضل أن أستغلك للوصول للملك نفسه، لكن عندما دخلت القصر واقتربت من الملك ولمست عدله وعطفه على الشعب ورغبته في الإصلاح ومعاقبة كل فاسد وعندما رأيت مدى اهتمامك بالفقراء  والضعفاء ورعايتك لهم لمت نفسي كثيرا وأبلغت عن تلك الجماعة المُضللة وتم القبض عليهم وها أنا  أعترف لك بخطأي وأطلب عفوك ومصيري بين يديك افعلي بي ما تشائين.
سكت للحظات وأنا مصدومه أهذا فارس الذي شغل فكري وحرك مشاعري؟ أهذا من ظننته شهما وبطلا؟ أهذا من أوليته ثقتي وأئتمنته على روحي؟ كم أنا غبية ووالدي على حق فأنا مازلت صغيرة والأيام كفيلة بأن تعلمني. انتبهت على صوت فارس يصرخ ويجذبني تجاهه وهو يقول:
-احذري يا مولاتي
فقد فوجئنا بمجموعة من الملثمين لم نعلم من أين جاءوا ويحملون السيوف لمهاجمتنا ومن الجهه الأخرى سمعنا صوت مركب يأتي من البحيره عليه شخصان حاولا اختطافي و لم يستطع فارس رغم قوته وشجاعته التصدي لهم بمفرده فتحركت تجاه سيف أُصيب صاحبه ووقفت في ظهر فارس أحتمي به وفي نفس الوقت أقاتل بشراسة فقد تدربت كمحاربة على يد أمهر قادة الجيش. اشتعل القتال بيننا وابتعدت عن فارس قليلا فجاء أحدهم من خلفي وحاول مع أخر خطفي فرأهم فارس فأسرع نحوي وأفلتني من يد أحدهم وتلقى عني طعنه في صدره سقط على أثرها فطمع الأخران في فقفزت بسرعه بعيدا عنهما ونزعت سهما من جعبتي –حيث علمني أحد المحاربين ألا أتحرك بلا قوس وسهم كما علمني الرمايه بهما حتى أجدتهما- وخلال ثواني كنت قد رميتهما بسهمين فأصبتهما وحاول الذي يقود المركب الفرار به فأصبته بسهم في صدره . كان حراس القصر قد سمعوا الضجيج الصادر من السيوف فلحقوا بنا جميعا وتم القبض على المعتدين المصابين  وتم نقل فارس للقصر وهو غائب عن الوعي تماما ، استدعينا الطبيب الذي قال:
-إن اصابته خطيره ولكن لو مر عليه يومان سيظل على قيد الحياه ولا يجب نقله أو تحريكه وسأمر عليه بنفسي كل ثلاث ساعات
جاء والدي مسرعا للاطمئنان عليه فرويت له ماحدث لكني لم أخبره عن اعتراف فارس ولا أعلم لماذا لم أفعل، طلب من الجميع الاهتمام به حتى يتم شفاؤه. خرج الجميع وبقيت وحدي بجوار فارس أبكي ولا أعلم سر بكائي أهو خوفا عليه أم ألما من غدره أم لأني خُدعت فيه. غلبني النعاس حتى أفقت على صوت الطبيب وهو يقول:
-مولاتي عفوا على ازعاجك لكني أرى في يدك جروح يجب تطهيرها كما يجب أن تبدلي ملابسك حتى لا تصابي بالبرد
وقام بتطهير جروحي ولكن جروح قلبي التي مازالت تنزف لا أحد يستطيع مداواتها. ذهبت لغرفتي فاغتسلت وبدلت ملابسي ونزلت للإطمئنان على فارس الذي كان غائبا عن الوعي كما هو. استدعاني والدي وقال آمرا:
-لقد أبقيت فارس بالقصر لأن نقله خطر على حياته لقد قام بعمل بطولي حين دافع عنك وأنقذ حياتك لثاني مره لكن ليس معنى ذلك أن تبقي بجواره وتعرضي سمعتك لهمس الخدم
-يا أبي لقد تلقى الطعنة عني
-هذا واجبه وواجب كل جندي ولكني سأكافئه عندما يشفى ، الأن اذهبي لغرفتك لتنالي قدرا من الراحة
قالها أبي بحدة لم أعهدها فيه من قبل فلم أستطع مخالفته، ذهبت لغرفتي وبكيت كثيرا ربما لأن والدي حرمني أن أكون بجوار فارس في تلك اللحظات التي يحتاجني فيها، أو لأنني مازلت ملهوفة عليه رغم خداعه لي، أو ربما لأنه فعل ذلك ليكفرعن ذنبه فقط وليس حبا في كما أظن، لا أعلم لكني كنت بحاجة للبكاء. نمت وخلال أحلامي رأيت فارس يغرق في البحر وأنا على قارب فمددت يداي لأنقذه وأجذبه بكل قوتي وقبل أن يصعد لقاربي جاء حوت كبير وامتطاه فارس وأخذه بعيدا عني . قمت مفزوعه وارتديت ملابسي بسرعه ونزلت للاطمئنان على فارس وكان الوقت مبكرا فمازال القصر هادئا، دخلت غرفته فوجدته يتصبب عرقا وينادي علي ظننته في وعيه لكني وجدته مازال غائبا عن الوعي فخرجت مسرعة وطلبت الطبيب الذي جاء مسرعا وقام بالإسعافات اللازمه وطمأنني على استقرار حالته وأنه سيتماثل للشفاء قريبا.
مرت علي أيام غيابه عن الوعي كأنها سنوات بلا نهاية، لم أغادر فيها القصر لحظة بحجة خوفي من أن يتكرر الهجوم علي وفي الحقيقة كنت أخشى الخروج بدون فارس كما كنت أخشى أن يحدث له شئ وأنا لست بجواره. أفاق فارس أخيرا فانقطعت عن زيارته تماما  ، لا اعلم حينها هل كنت أعاقبه على خداعه أم أعاقب نفسي على ثقتي به،رغم ذاك الحنين الذي يدفعبني للذهاب لرؤيته  ولومرة واحده إلا أني قاومت قلبي وحنيني بشدة تغلبت عليهما ولم أذهب. كان والدي يستعد لمكافئته وتعيينه قائدا للحرس لكني طلبت منه أن يعينه أحد قواد حرس الحدود الجنوبية وعندما سألني عن السبب فقلت له:
-له والدة مسنة تحتاجه بجوارها وبهذا نكون كافئناه أكثر
وافق والدي وبمجرد شفاء فارس كان عليه أن ينفذ النقل ، قبل أن يسافر طلب مقابلتي وقال:
-مولاتي هل غفرت لي ذلتي؟
-ما أظهرته من شجاعه في الدفاع عنك يجعلني أغفر لك فكلنا نصيب ونخطىء لكن تعلم ألا تستمع لطرف واحد فالحقيقة لها عدة وجوه.
-شكرا لكرمك يا مولاتي فأنت لم تفضحيني عند مولاي الملك
-لكنك لم تعد محل ثقتي كما كنت لذا أبعدتك عن... القصر
-وهذا أقسى عقاب أواجهه في حياتي فالموت عندي أهون لكني سأظل جنديا مخلصا لك يا مولاتي
- مع السلامة وأتمنى أن تحقق نجاحا في عملك .
تركته ومشيت وأنا أتمزق لأني لن أراه مجددا، يبدو أن الدنيا تمن علينا بالسعادة للحظات ثم تحرمنا منها سنوات.

كان عقابا قاسيا حقا ألا أراها كل يوم حتى أخر يوم من حياتي فتلك هي عقوبة الموت على قيد الحياة، فكيف لقلبي أن يحيا بدون رؤيتها؟ وكيف لروحي أن ترتوي بلا نظرة من عينيها؟ لقد قتلتني ببعدي عنها ، فأنا أستحق لأني قد خدعتها  لكني لم أكن أقدر على إيذائها أبدا. ليتها تعلم أني أحبها أكثر من نفسي، وأن الموت أفضل من بعدي عنها وفقدي لثقتها وإحترامها. سأبذل كل جهدي لأثبت لها إخلاصي فكل أملي في الحياة أن استعيد ثقتها في مرة أخرى سأكون درعا وسيفا لحماية الوطن لأثبت ولائي وإخلاصي.

شعرت في بُعده بالوحده وتملكني الحزن والكأبه عدة أيام حتى جاء والدي لغرفتي التي لم أكن أغادرها إلا نادرا، وقال لي:
-حتى متى ستتخلين عن واجباتك كملكة وتنغمسين في خوفك ؟ هل تناسيت دورك؟ حياتنا يا بُنيتي ليست ملكا لنا إنما هي ملكا لشعبنا والملكية ليست ترفا بل هي تكليفا وواجبات علينا القيام بها رغم كل شئ، هيا انفضي غبار الخوف والحزن واخرجي للناس وقومي بواجبك.
احتضنني وقبلني في وجنتي وخرج، هل يشعر بما في قلبي؟ هل يدرك سر حزني؟ كيف أخرج وفي كل مكان في القصر ذكرى له؟ سأراه في كل ركن في القصر ، لكن والدي مُحق فماباليد حيلة فعلي واجبات علي القيام بها ولعل انغماسي فيها يُنسيني. أغرقت نفسي في مسئولياتي كملكة حتى أنسى ولكن ذكراه كانت تهاجمني كلما خلوت بنفسي وكان قلبي يتأرجح بين التعلق به وبين النقمة عليه لغدره بي وخداعه لي، وروحي تكتوى بنار الحنين وتتجمد نفسي من قسوة الوحده وبرودتها، فرغم كل من حولي فروحي وحيده لا تجد من تأنس إليه وتتآلف معه.
كان ما يرد إلي روحي أحيانا أن أسمع أخبارا عن بطولات فارس وتقدمه في عمله بشكل مذهل وطلب رؤساؤه ترقيته كل ذلك خلال مده وجيزه لا تتجاوز العامان، هي وجيزة بحسابات الناس لكنها مرت على قلبي دهورا طويله وأنا أحرم على نفسي رؤيته فقد انقطعت عن زيارة المنطقة الجنوبية بأسرها حتى لا أراه ولو مصادفة.
 كانت مملكتنا يجاورها من الجنوب دوله بيننا وبينها مشاكل على الحدود بسبب رغبة ملكها في الإستيلاء على جزء من أرض مملكتنا ولكن كان الخلاف محل تفاوض حتى مات ملكها وتولى ابنه الحكم فشن هجوما عنيفا على الجنوب واشتعل القتال بين قوات حرس الحدود وبين الجيش المهاجم ورغم أنه الأقوى والأكثر عددا إلا أن قواتنا تصدت لهم وأوقفت تقدمهم للداخل حتى وصول النجدة إليهم. في اليوم التالي وصلتنا الأنباء أن قائد قوات حرس الحدود ونائبه قٌتلا في الهجوم وأن فارس هو من يقود جنودنا للدفاع عن الأرض ببسالة لا مثيل لها، فاستدعى والدي فرق لمساندتهم من كافة الولايات وبالفعل تحقق النصر لنا وتم هزيمة جيش العدو وردهم عن حدودنا ، وأصبح فارس البطل المغوار الذي تتحدث عن بسالته المملكة كلها.
استدعى الملك فارس لتكريمه وتكريم قادة الجيش على النصر وكان علي أن أحضر ذلك التكريم، كان قلبي يخفق بشده لفكرة رؤيته فكم اشتاق إليه واكتوى بنيران الفراق، وكم حثني على رؤيته ولو مرة واحده ولم أستجب له، فما أقسى خداع الأحبة على النفس. جاء موعد التكريم ووقفت بجوار الملك بكل شموخ وعظمة أحاول بقدر الإمكان ألا تلتقي عيناي بعينيه ولكن عيناي تمردتا علي وراحتا تبحثان عنه في كل مكان حتى اكتحلت برؤيته، ورغم النصر والمجد فإن في عينيه حزن شديد، ترى ما سره؟؟
قام الملك بتكريم الكل بمنحه وسام ومصافحته وعندما جاء دور فارس ضجت القاعة بالتصفيق للبطل وعندما اقترب لمصافحة الملك قال له الملك:
- كعادتك بطل كما عهدناك يافارس
-روحي ونفسي فداءا للوطن يا مولاي
توجه فارس ناحيتي لمصافحتي وقلبي يخفق بشده وأنا أحاول أن أتحكم برجفة يدي ، فرجعت خطوه للوراء حتى لا أصافحه إنما اكتفيت بإيماءه من رأسي وابتسامه مصطنعه وقلت لوالدي:
-مولاي الملك أرى أن أفضل مكافأة للبطل ترقيته وتعيينه كقائد لحرس حدود المنطقة الغربية فقد وردت أخبار أن الملك المهزوم تحالف مع ملك الدولة المجاوره ويسعون لشن هجوم علينا من جديد من جهة الغرب وليس لهم إلا بطل كالقائد فارس فما رأي مولاي؟
-أوافقك الرأي  فلن يردعهم سوى فارس، أيها الناس لقد أصدرت أنا والملكة قرارا بترقية فارس للرتبه الأعلى وتعيينه قائدا لحرس الحدود بالمنطقة الغربية
تهلل الجميع ونظر إلي فارس بأسى فقد أدرك أني مازات غاضبة منه وأن ترقيته جزء من عقابي له وقال:
-أشكر لك كرمك مولاتي وأتمنى أن أكون دائما جديرا بثقتك الغالية
مست كلماته قلبي فقد أدرك أني أريد إبعاده عن العاصمة وأني مازلت غاضبة منه، لكنه لا يدرك أني أخشى من قربه على نفسي، فأنا أخشى من ضعف قلبي أمام نظرات عينيه ومسامحتي له، وأخشى أن يحن قلبي إليه، فحبي له مستحيل ونسياني له مستحيل وبين المستحيلين أتمزق إربا.
سافر فارس للجهه الغربيه وأخذ معه روحي، لكن ما أسعدني أنه خلال فتره وجيزه استطاع صد الهجوم ومنع العدو من اقتحام الحدود ودرب العديد من أهل البلاد لحماية أرضهم، كما قام بعمل التحصينات اللازمة بطول الحدود وزاد من عدد القوات هناك وحرص على أن يكون الجنود من أهل المنطقة ليزودوا عنها بأرواحهم، كما طالب أبي أن يمنحه صلاحيات أكبر لإعادة تعمير المنطقة لأنها صحراء قاحله وقلة عدد سكانها تُطمع الأعداء فيها وتُيسر لهم دخولها بدون مقاومة تُذكر، فعينه أبي حاكما للمنطقة الغربية فقام بحصر الأرض وحفر فيها الأبار وملكها للأهالي بمقابل بسيط بشرط زراعتها وأعفاهم من الضرائب خمس سنوات. بعد عدة أشهرتوافد عليها الكثير من العاطلين عن العمل لاستصلاح الأرض وزراعتها، واستقرت الأمور هناك . بعد نجاح فارس في المنطقه الغربيه طلبت من أبي تعيينه حاكما على المنطقة الجنوبية لأنه منها ويعرف مشاكلها جيدا وسُبل علاجها، تردد والدي قليلا لاهتمامي بفارس مرة أخرى ولكني قلت له إنه من الضروري كسب الشعب في صالحنا لأنه عند حدوث أي هجوم سيتصدى الناس له قبل الجيش، فوافق والدي أخيرا. قام فارس بإعادة تنظيم الجيش هناك وإعادة هيكلة التحصينات الدفاعية ، كما قام بتنظيم حياة الصيادين وأقام لهم مجمعات تشتري إنتاجهم وتبيعها للمناطق المجاورة، كما شجع الصناعات اليدوية وعبد الطرق لتسهيل تبادل السلع مع دول الجوار مما جعل تلك المنطقة تنتعش إقتصاديا. بعد أن حقق ذلك النجاح توفيت والدته فأرسل له الملك مندوبا يعزيه  وأرسلت له برقية قلت فيها:
( رحم الله المرأة الطيبة التي فتحت لي يوما بيتها وقلبها وكانت لي أم بعد أمي، المرأة الكريمة رغم فقرها، المرأة الحنون التي لم تنسني يوما بدعواتها ورسائلها، رحم الله المرأة التي منحت للمملكة بطلا مغوارا وقائدا حكيما مثلك أيها الحاكم فارس، خالص تعازي الملكة لشخصكم الكريم) بقدر ما حزن لفراق أمه إلا أن كلماتها كانت تعزيه لقلبه.
رغم الإستقرار الظاهري الذي شهدته المملكه إلا أني  كنت أشعر أن هناك من بالداخل يتعاون مع من بالخارج لهدم مُلك أبي، صارحت أبي بمخاوفي فقال إنه يعلم أن هناك من يتآمر عليه ليحل محله من الأمراء لكنه لم يعلم من هو تحديدا.شعرت من نبرات صوت والدي أنه غير مطمئن وأنه يعلم بمؤامرة تُحاك ضده من أقاربه ويخشى علي منها. مرت أيام ووالدي مضطرب ولا يُفشي لي سره حتى فوجئت به يستدعي فارس للقاؤه وعندما حضر عقد والدي إجتماعا مصغرا مع فارس بحضوري وقال:
- يا فارس أنت أنقذت الملكة مرتين وأثبت شجاعة وبسالة في الدفاع عن المملكة وحكمة في إدارة الأقاليم اللي حكمتها رغم صغر سنك، وبهذا استطعت إكتساب ثقتي وهذا شيء صعب جدا لذا أنا بصدد تكليفك بمهمة خطرة جدا فهل أنت على إستعداد للتضحية في سبيل المملكة؟؟
-بنفسي وروحي يا مولاي
-وهل أنت على إستعداد لحماية الملكة من كل الأخطار حتى بعد وفاتي؟
-أحميها حتى أخر قطره من دمي يا مولاي
-أتقسم على هذا؟
-أقسم بالله أن أحمي الملكة والمملكة من كل شر وأفديهما بنفسي وروحي
فقلت:
- لم كل هذا يا مولاي ماذا حدث؟
فقال أبي:
- ابن عمي الأمير وسيم حاكم المنطقة الشمالية تقدم يطلب الزواج منك وكنت على وشك الرفض عندما هددني بأن يشن علي حربا شعواء وأنصاره كثيرون  خاصة من الأمراء الحاقدين على تولية فريدة الملك وذلك سيشعل حربا أهلية في البلاد وقد يستعينون بحكام الدول المجاورة وعندها ستضيع المملكة وتضيع ابنتي، لذا قررت الموافقة
شهقت وقلت:
- لكن يا أبي هو يكرهنا كما أنه يقاربك في السن فكيف أتزوجه؟ والأهم كيف تأمنه علي وعلى المملكة وهو خائن؟
-لذلك استدعيت فارس لقد اشترطت على وسيم أنه سيكون ولي عهدي الأن، وبعد وفاتي يكون هو الملك وقد عينت فارس من اليوم نائبا للملك ولا يجوز عزله إلا بأمر مني أو من الملكة فقط ، سيكون دورك يا فارس حماية المملكة من شططه وغدره وحماية الملكة، لقد فديتها بنفسك أول مره واليوم أريدك أن تفديها بروحك هل تفهم ما أعني؟
-نعم يا مولاي وأتمنى أن أكون عند حسن ظن جلالتك.

كان حبي لفريدة مستحيلا واليومأصبح أكثر استحالة  فبعد أن اقتربت منها جدا وكادت أن تذوب المسافات بيننا فوجئت بأنها ستكون لرجل أخر وعلي أن أحميها.سأكون بجوارها وفي كل لحظة أتعذب بكونها صارت مُحرمة علي، لا يحق لي النظر إليها أو التفكير فيها، حتى لم يعد لي الحق  أن أحلم بها، أي عذاب هذا؟؟ كان عذاب بعدها عني أهون من ذاك القرب القاتل للقلب والروح، اليوم علي أن أدفن حبي لها داخل قلبي وأظل حارسها الأمين فقط.

كنت أعلم أن حبي له مستحيلا لكن لم أتخيل للحظة أن أكون لغيره، وليت غيره كان أفضل منه بل هو أسوأ بمراحل إنه عمي وسيم كما كنت أناديه دائما بحكم قرابته لأبي، ذلك الفظ الغليظ القلب، الذي يحقد على والدي لتوليه الحكم دونا عنه ثم كراهيته التامة لي لأني صرت الملكة فقد كان ينتظر موت والدي ليتولى هو الحكم، فاليوم علي أن أكون زوجته فكيف أئتمنه على نفسي؟ وكيف أسلمه جسدي ؟ وكيف أقسم على الإخلاص له؟ لماذا تقسو علينا الأقدار هكذا؟ أما أن لهذا القلب أن يتذوق طعم السعادة؟؟ أفيقي يا فريدة فهذا واجبك كملكة تضحي بنفسها من أجل حماية وطنها وأمنه.
حاولت أن أتماسك أمام والدي وألا أبدو حزينة لكنه كان يقرأ أفكاري ويعلم مابقلبي قبل أن أبوح به لكن ما باليد حيله، فهذا قدرنا أن أتزوج بمن لا أحب ومن لايريده والدي.
إحتفلت المملكة كلها بزفافي وأمرت بصرف إعانة لكل الفقراء في المملكة لأدخل السعادة على قلوبهم رغم أن قلبي لايعرفها، كان كل الناس سعداء وكانت هناك ثلاث قلوب محطمة قلبي وقلب والدي وربما قلب فارس الذي تهرب من حضور زفافي بمهمة يؤديها في الجنوب.انتهت مراسم الزفاف وشعرت بالرعب من ذلك القاسي ماذا سيفعل معي؟ كنت أرتجف كلما تخيلته زوجا لي فالموت أهون من أن أسلم نفسي له.
دخل غرفتي ونظر إلي باشمئزاز وقال:
-لم أتزوجك حبا فيك ولكن رغبة في العرش لن تكوني زوجة لي إلا أمام الناس فقط أما زوجتي أم أولادي فهي وحدها زوجتي التي أحب وعندما أتخلص منك ومن والدك ستكون هي الملكة وولدي هو ولي العهد وسينساكما الجميع .
ضحك ضحكته السمجة ثم نظر إلي باشمئزاز وتركني ودخل الغرفة الملحقة بغرفتي لينام فيها وبعد دقائق سمعت صوت شخيره. حمدت الله أنه نجاني منه ، كان يظن أنه بكلماته تلك يهينيني ولا يعلم كم أسعدني ببعده عني،يبدو أن القدر لايعاندني كثيرا. رغم سعادتي ببعده عني إلا أني شعرت بالرعب مما يفكر به، إنه يجاهر بغدره وبما ينزي فعله لابد أنه دبر الأمر جيدا وله من يسانده في الداخل والخارج. لم أخبر والدي بما حدث إنما انتظرت عودة فارس لأخبره لكن زوجي لم يدع لي فرصة لأكون بمفردي مع فارس إنما كان يحضر معي ومع والدي كل الإجتماعات ويتدخل في كل القرارات. عاد فارس بعد زواجي بعدة أيام فأرسلت له خادمتي برسالة شفوية قلت فيها:( احذر فإنهم ينوون قتل الملك والتخلص من الملكة) فقال لها :
-أبلغي الملكة ألا تخاف لأني بجوارها وسأمنع عنها وعن الملك أي أذى.
كان وسيم حاكما للمنطقه الشماليه وكان متحالفا مع جيراننا من جهة الشمال لكن عندما مات ملكهم تولى أخوه الحكم وهو كان كارها لوسيم بسبب زوجته الأولى ابنة عم ذلك الملك التي تزوجها وسيم رغم حب  الملك  لها، فكان أول قرار له بعد تولي الحكم أن يجتاح  الجزء الشمالي من مملكتنا إنتقاما من وسيم. ثار زوجي ثورة عارمة وأخذ الموضوع بشكل شخصي وخرج على رأس جيش لينتقم لكرامته دون تجهيزات عسكرية أو خطه محكمة أو استعداد كافي رافضا الاستجابة لأوامر والدي ولمشورة كبار قادة الجيش، إنما اندفع كثور هائج يطيح بكل من يقف في طريقه. دخل المعركة باندفاع وغضب وبدون حكمة أو تعقل فخسرها سريعا وأُصيب إصابة بالغة هو وكثير من أنصاره ودخلت قوات العدو لحدودنا الشمالية، فأرسل والدي فارس على رأس جيش بعد وضع خطة محكمة فأبدى بسالة  أمام قوات العدو التي تفوق قواتنا عددا لكنه استطاع التغلب عليها بخدعة عسكرية ودهاء من القائد الذي ادعى الانسحاب والتراجع وعند اندفاع كل قواتهم إنهالت سهامنا عليهم كالمطر فحصدت معظم الأرواح ومن تبقى حصدته سيوف الجنود. تحقق النصر لجيشنا وقبل عودة الملك لبلاده مهزوما عقد فارس معه معاهدة سلام - بصفته نائبا للملك- تنص على احترام الطرفين للحدود بينهما وعدم اعتداء طرف على الأخر وفتح الحدود للتبادل التجاري والتحالف معا ضد أي إعتداء على أي من المملكتين. بتلك المعاهده أمن فارس حدودنا الشماليه وكسب ود الملك الذي لم يعد لبلاده مهزوما حاقدا علينا وربما يعاود هجومه مرة أخرى، وحقق نفعا ماديا للمملكة. بعد أن تحقق النصر مات وسيم متأثرا بجراحه ، لم أشعر لا بالحزن ولا بالسعادة إنما شعرت بالراحة للتخلص من تلك الزيجة التي كانت صخرة ضخمة تجثم على صدري.
أقيمت جنازة ضخمة لوسيم وحضرها الملك وكبار رجال الدوله وكان علي أن التزم بالحداد لوفاة زوجي المزعوم الذي لم يكن لي يوما زوجا. لم أستطع الخروج لممارسة نشاطي كملكة لأني مازلت في فترة الحداد فكانت أيامي طويله ممله كئيبه فذلك الزوج المزعوم كان شخصا مزعجا في حياته وبعد موته. .ظل فارس في الشمال يعيد تنظيم المنطقة ويمهد الطرق لتنفيذ الإتفاقية التجارية مع المملكة المجاورة، كنت أنتظر عودته بفارغ الصبر ففجأة كل العوائق زالت من بيننا وكل المسافات تم إختصارها في عدة أشهر فهل سيتحرك أم سيظل ملتحفا بالصمت والنظرات الحائرة؟هل يحبني حقا أم أني واهمة ؟هل سيكون فارسا مغوارا في حبي ويحطم كل الحواجز ويخطفني على فرسه أم سيظل مكتفيا بدور الحارس؟؟
عاد فارس وأقيم حفل تكريم بسيط لبطل المملكة الفارس المغوار ورغم لهفتي لرؤياه لم أستطع الحضور لأني في فترة الحداد، ولم يطلب هو لقائي ولا حتى لعزائي. كدت أجن من تجمده وقلة شجاعته فهو فارس مغوار في الحرب ، ومتخاذل في الحب، فكرت كثيرا في شن هجوم مباغت على قلبه واقتحام حصونه لكني تراجعت فإن لم يقم هو بتلك الخطوة فلن أتنازل عن كرامتي من أجله. انشغلت عن فارس بمرض شديد أصاب والدي وبذل الأطباء جهدهم بلا جدوى فحزنت كثيرا فما أن تمنحني الدنيا شئ فسرعان ما تأخذ مني أخر فقد منحتني السعادة لعودة فارس وقربه مني والأن تصيبني بالحزن لمرض والدي. طلبني والدي أنا وفارس وحدنا وكانت تلك المرة الأولى التي أرى فيها فارس منذ وفاة زوجي وخفق قلبي بشدة حينما تلاقت أعيننا.بدا على والدي الضعف بسبب المرض فقال بوهن:
-يافارس لقد أقسمت على حماية الملكة والمملكة ولم تتوان لحظة عن تنفيذ ذلك القسم والأن سأطلب منك شئ أخر
-فداك نفسي يا مولاي
-أن تتزوج فريدة فأنا إن مُت سيتكالب عليها الضباع وأنا لاأئتمن عليها غيرك وكذلك اختبرتك في أكثر من موقف فوجدتك حكيما ومحبوبا من الناس لذا يمكنني أن أئتمنك على المملكة
-لكن يا مولاي أين أنا من الملكة؟إن كنت تخشى أن أتركها فأقسم لك أن أكون حارسها الأمين حتى الموت
-تزوجها يا فارس فلن أجد مثلك في وفائك وإخلاصك وخوفك عليها لو تركتها بدون رجل حقيقي يحميها سأظل قلقا عليها فأرحني يا فارس قبل موتي
-أمرك مطاع يا مولاي
-هذا ليس بأمر يا فارس بل هو رجاء من أب يخشى على إبنته
-أنا رهن أمرك يا مولاي
-إذا فأعلن في المملكه كلها أن الزواج سيتم خلال ثلاثة أيام وأتمنى ألا أموت قبل أن أطمأن على فريدة معك ثم همس في أذنه وقال:
- أنا أعلم أنك ستصونها فلقد رأيت نظرات الحب في عينيك من أول مره رأيتك فيها.
انصرف فارس وهو ينظر إلي تلك النظرةالحائرة فقلت لأبي:
-لم فارس يا أبي؟
-لأنه فارس حقا ورجل مخلص وصادق في وعوده ومحبوب من الشعب والأهم أني أراه سيصونك
سكت ولم أشعر بالفرح ،كنت أتمنى أن تكون تلك رغبة فارس وليس أمرا ملكيا،كنت أتمنى أن يبوح لي بحبه ولوعته ويطلب ودي ويرجوني أن أكون زوجته، لا أن يرغمه والدي على الزواج بي خوفا علي وعلى المملكة. حتى يوم أن يتحقق حلم السعاده وأتزوج بمن أحب يكون منقوصا.
أخيرا تحقق المستحيل وستصبح فريدة زوجتي، لم أتخيل يوما أن كل العوائق ستزول من طريقنا وتصبح فريدة لي، سأعترف لها بحبي وأني لم أغدر بها لأني وقعت أسير غرامها من أول لحظة، سأخبرها أن عينيها فتنتني وأن رقتها سلبتني عقلي وأن ابتسامتها الساحرة كانت الشمس التي تنير دربي، سأخبرها كم تعذبت في بعدها وكم كان غضبها علي قاتلا، سأخبرها وأخبرها ولكن هل تحبني أم هي مكرهة كما كانت مع زوجها الأول؟ هل تراني فارس خادمها أم أنها تشعر بما في قلبي؟ هل ستسلمني جسدها رغما عنها كما فعلت مع زوجها الأول؟ لا لن أرغمها على شىء سأترك لها الوقت حتى تحبني وتكون لي برغبتها.
تم الزواج بلا إحتفال إلا أن فارس أصر على أن يكون يوما مميزا في المملكة فأمر كل حكام الولايات بصنع موائد طعام لإطعام الفقراء في كل المملكة بأفخر أصناف الطعام، واقتصر الاحتفال في القصر على كبار رجال الدوله. انتهى الحفل سريعا ودخلنا غرفتي فقال فارس دون أن ينظر في عيني:
-أنا أعلم أنك تزوجتيني لتلبية رغبة الملك وقد يكون ذلك بدون رغبة منك لذا لن أجبرك على شئ بل سنكون مجرد زوجين أمام الناس فقط
قال كلماته الصادمة واستدار ليذهب للغرفة الأخرى فقلت له:-
-يبدو أن قدري أن كل من يتزوجني يرغبني كزوجة أمام الناس ويزهدني كزوجة بمفردنا
التفت إلي وقال:
-ماذا تقصدين؟
-هذه كانت أول كلمات وسيم أيضا يبدو أني كإمرأة لا أروق للرجال
-من قال لك هذا بل ربما تكونين أجمل من أن يلمسك بشر
-لكنني بشر ولي مشاعر واحتياجات البشر فأحتاج من يحبني ويسعدني و...يفديني بنفسه لامن ينفذ مجرد الأوامر بلا مشاعر
-ومن قال لك أنني بلا مشاعر؟ أو أنني مجرد منفذ للأوامر؟
-أرى ذلك في عينيك وفي طريقة تعاملك معي
-ألا ترين أني عشقتك من أول لحظة؟ ألاترين أني رفضت أن أمسك بسوء أو أن يمسك غيري بشر؟ ألا ترين أني تعذبت في بعدي عنك؟ ألا ترين أني أذوب عشقا أمام نظرة عينيك؟ ألا ترين الفارس المغوار يتحول أمام تلك الإبتسامة الرقيقة لطفل صغير بلا حول ولا قوه؟ ألا ترين أني كنت أتمزق ألما حين تزوجتي بأخر وكنت أود أن أقتله وأخطفك منه؟ إن كنت لاترين كل هذا فإنني أعترف لك به الأن، أنا أحبك أكثر من نفسي ولا حياة لي بدونك
-فارس
-يا ملكة قلب فارس وكل كيانه هل تحبينني؟
-لا
-حقا؟؟
-نعم فأنا لا أحبك بل أنا عاشقة متيمة في حبك وكنت أعلم أن حبي مستحيل لكنه ظل سر سعادتي وبهجتي فنظراتك لي كانت تسعدني وتشقيني في آن واحد، تسعدني لأنها تحمل رسائل العشق لقلبي وتشقيني لأني أعلم أنني لن أكون لك، وعندما تحقق الحلم كنت مجبورا على الزواج مني
-هذا أجمل اجبار في حياتي وأحلى أمر ملكي، أحبك يا فريدة ماتخيلت يوما أني سأنطقها وسخرج من صدري
-وماتخيلت يوما أني سأسمعها منك، لقد من علينا القدر أخيرا بالسعادة فدعنا نستمتع بها ولكن عدني بشئ واحد أن تظل تحبني
-سأكون لك العمر كله الزوج والحبيب والصديق والحارس
-أن لا أريدك حارسا على نفسي بل أريدك حبيبي  وملكي المتوج على عرش قلبي
تمت
#قصص
#حب
#روايات
#رومانسية
#حواديت
#خيال