ثلاث نساء
#نجلاء_لطفي
وقفت أمال على محطة الأتوبيس بعد أذان العشاء
تنتظر قدومه لتعود لبيتها محمله ببقايا طعام منحته لها مدام نورهان- التي تعمل
عندها كخادمه- وملابس أولادالمدام القديمه ، وما تبقى من راتبها – الذي تقترض نصفه
قبل نهاية الشهرلسد احتياجات أولادها- ومكافأه بسيطه مع نهاية خدمتهابسبب سفر مدام
نورهان لزوجها لتقيم معه هي وأولادها. فكرت أمال كثيرا ماذا ستفعل ورمضان بعد غد
وما معها من المال بالكاد سيسدد ديونها للبقال وفاتورة الكهرباء، كيف ستطعم
أولادها باقي الشهر؟ ماذا ستفعل وهي لم تكن تعرف أحدا سوى مدام نورهان وأمها فقد
تربت في بيت الأم منذ صغرها وعندما كبرت كانت توزع الأسبوع بين الإثنتين، وبعد
وفاة الأم صارت تعمل عند مدام نورهان فقط ولم تعمل في أي بيوت أخرى حتى أنها من
عشرتها معهما كانت تعتبرهما أهلها،لكن عليها الأن أن تدبر أمرها وإلا ماتت من
الجوع هي والصغار الثلاثه. جاء الأتوبيس المكتظ بالبشر وكان عليها أن تجد مكانا
لجسدها بين تلك الحشود،ففي الزحام تضيع الخصوصيات والأخلاقيات وتتلاحم كتل اللحم
الفقيره حتى يصل كل لوجهته. لم تستطع أمال تحمل كل ذلك الزحام الخانق رغم إعتيادها
عليه، لكنها اليوم كانت تشعر بإختناق رهيب نزلت من الأتوبيس فوق كوبري عباس وتمشت
بضع خطوات لعلها تستنشق هواء الليل المنعش ، ثم وقفت تتأمل ذلك النهر العتيد ، نهر
النيل الخالد الذي كان عتيا في شبابه فشق الصخور وحول صحراء مصر القاحله لوادي خصب
يسكنه الملايين. نظرت إلى السماء وقالت:
-يارب فكها من عندك إنت عارف ماليش غيرك
بعد نحو دقيقتين وهي سارحه تتأمل مياه النيل
المتدفقه سمعت صوت من خلفها يناديها فإلتفتت بتلقائيه فوجدت رجلان يركبان سياره
فخمه ويطلبان منها أن تقضي معهما الليله مقابل خمسمائة جنيه، وقفت للحظات متردده
فهي وأبناءها في أشد الحاجه لذلك المال ولن يعرف أحد أنها باعت جسدها لتطعم
أولادها ، ثم رن في قلبها صوت أمها وهي تقول لها مرارا:
-لو كل الناس مش شايفاكي ربنا وحده شايفك،
قبل ما تخافي من أمك وأبوكي والناس خافي من ربنا
إرتجفت وعادت لصوابها ومشت سريعا عكس
إتجاههما وهي تلعن عصام زوجها الذي سافر منذ ثلاث سنوات بعد أن باع شبكتها ووعدها
أن يعوضها وسيعود محملا بالمال ليسعدها هي وأولادهما لكنه لم يعد إنما غاب وإنقطعت
أخباره وتركها وحدها غارقه في تلك المسئوليات التي أهلكتها، لكنها ستصمد لتصل
بأبناءها لبر الأمان. دخلت البيت وهي منهكه من القهر والإضطراب وكثرة التفكير
ولكنها رسمت على وجهها إبتسامه وهي تمنح أولادها الثلاثة الطعام الذي فرحوا به
كثيرا ، بينما جلست هي تفرز الملابس لتجري عليها التعديلات اللازمه لتلائم كل واحد
فيهم. بعد أن تناولوا الطعام جلسوا يتسامرون وصنعت أمال لنفسها كوبا من الشاي
وفتحت باب غرفتها المطله على سطح البيت الذي يقيمون فيه ووقفت مستنده على الجدار تتأمل الناس والزحام لشراء إحتياجات
الشهر الكريم والإبتهاج بشهر رمضان
والشوارع المزينه بالفوانيس والأوراق الملونه وتذكرت قول أمها ( العبد في التفكير
والرب في التدبير) ثم رفعت رأسها للسماء وقالت:
-بكره ربنا يدبرها إن شاء الله
جلست هناء على مكتبها وهي ترجو الله أن
ينجيها من تلك السيده الجبارة التي إشترت الشركه مؤخرا وتريد تصفية نصف العماله
فيها لذا فهي تتربص بكل الموظفين و تترصد أخطائهم لتكون سببا وجيها في التخلص
منهم. لم تترك أحدا إلا وقد أصابته بسهام لسانها وجام غضبها لكنها إختصت هناء
بالجانب الأكبر لأنها لم تنافقها ولم ترجُها وتتوسل إليها أن تبقيها في العمل
كغيرها بل ولأنها تصلي في أوقات العمل وهو ماترفضه مدام ليلى – رغم أنها مسلمه
إسما- لأنها ترى أن الدين لا يجب أن يؤثر على العمل ويجب ألا تؤدي صلواتها في
العمل.
كانت هناء في أشد الحاجه للعمل لسداد أقساط
مدارس أولادها فراتب زوجها كمحاسب في شركه كبرى لم يعد يكفي مع الغلاء المستمر
للأسعار وكانت قد بقيت عاطله لمدة عام عندما تمت تصفية الشركة السابقه التي كانت
تعمل بها، وسعدت كثيرا عندما وجدت ذلك العمل لأن إنقطاعها عن العمل جعلهم في حاله
ماليه سيئه خاصة مع كثرة الأقساط والمصاريف فكانت تعاني مع زوجها في تدبير مصروفات
الشهر حتى يمر بدون سلف، لكن يبدو أن مدام ليلى ستهدم سعادتها بغرورها وكرهها لها
وإضطهادها لها.رن جرس الموبايل فأجابت بصوت خافت:
-إزيك يا نورهان
-أهلا يا حبيبتي أنا مش هاعطلك أنا بس بافكرك
بالقسط الأخير بتاع التكييف قبل ما أسافر
-إبعتي أمال تاخده من البيت
-أنا مشيتها خلاص
-ليه دي غلبانه وعندها عيال هتعمل إيه؟
-غصب عني أنا خلاص مسافره
-طيب هاعدي عليك القسط وأنا راجعه من الشغل
شعرت بالحزن من أجل أمال فمن أين لها بنفقات
أبناءها؟ وكيف ستدبر أمرها مع دخول رمضان؟ إذا كنا نحن نعيش في مستوى معقول ونحمل
هم دخول رمضان بمصروفاته فمابالنا بتلك المسكينه التي ليس لها زوج ولا راتب ولا
معاش يسترها؟؟ فكرت هناء أن تستعين بها لمساعدتها في بعض أعمال المنزل وترشحها
لصديقاتها ممن يحتجن خادمة باليوم وذلك أفضل من أن تبقى بلا عمل، كذلك ستعطيها جزء
من مخزون الطعام لديها لتدبر به حالها مع بداية الشهر الكريم. أفاقت من أفكارها على
صوت الهاتف الداخلي فصاحبة الشركه تطلبها في مكتبها بإلحاح ، ذهبت وهي تدعو الله
أن يكفيها شرها، لن تنافقها ولن ترجوها حتى لو أصرت على فصلها من العمل فالرزق ليس
بيدها إنما بيد الله سبحانه فسترجوه هو وحده وسترضى بكل ما يقسمه لها سواء بقيت في
العمل أو تركته فهو وحده من سيدبر الأمروهي على يقين أنه لن يفعل لها سوى الخير
كله. وقبل أن تدخل ناجت ربها وقالت:
-يارب ليس لي سواك فدبر لي أمري وإرضني به
جلست مدام ليلى على مكتبها في منتهى العصبيه
تنقر عليه بأصابعها فقد إستفزتها تلك المغروره هناء، من تظن نفسها ومن أين تأتي بكل تلك الثقه؟ فمنذ أن إشترت
ليلى الشركه والكل ينافقها ويتوسل إليها لتبقيه في العمل ماعدا هناء لم تفعل،
حاولت أن تجد لها خطأ واحد في العمل فلم تجد، كل ما أخذته عليها تركها للعمل بدون
إذن لتؤدي صلواتها مرتين في اليوم فإستغلت ليلى تلك الفرصه لتعنفها وتقول لها أ
الشركه ليست مكانا للعباده إنما مكانا للعمل فردت هناء بمنتهى الثقه والهدوء
وقالت:
- أنا ماقصرتش في شغلي وأعتقد إن من حقي راحه
أشرب فيها شاي أو أكل أو أصلي أنا حره مادام شغلي مش متعطل
تلك المغروره لم تخف ولم تعتذر ولم ترجُها
كغيرها، ظلت طوال اليوم تغلي غضبا وتفكر فيم ستفعله بها ، إنها تكرهها كما تكره
جميع العرب والمسلمين- الذين تنتمي إليهم بالإسم فقط- كما تكره أباها لأنه جعلها
منهم ولأنه تركها هي وأمها الإنجليزيه منذ فتره طويله وعاد لمصر وتزوج إحدى قريباته
ونسيهما وإنقطعت كل صلته بهما فصارت أمها تكره العرب والمسلمين وعلمتها أن تكرههم
أيضا فهم كسالى غير منظمين يعيشون في فوضى وقذاره ودائما خانعين يخشون من يملك
رزقهم. عاشت مع أمها في إنجلترا وإكتسبت طباع الإنجليز حتى إتصل بها والدها منذ
فتره أخبرها أنه مريض وسيموت ويرجوها أن تسامحه على هجره لها لكنها رفضت وبعد عام
فوجئت بمحام يتصل بها ويطلب منها النزول لمصر لتتسلم إرثها من والدها وهو عباره عن
شركة مقاولات أما الأرض الزراعيه والبيت فنركهم لأبنه أحمد الذي إلتقته عند
المحامي ويشبه والده كثيرا فكرهته لأنه يذكرها بالرجل الذي تخلى عنها في صغرها
وجعلها تخشى الإرتباط بأي رجل حتى لا يتركها أيضا، وهو أيضا لم يحاول التقرب منها
إنما إكتفى بتصفية الميراث ومضى كأنها ليست أخته ولا يربطهم رابط الدم. إستلمت
ميراثها وعاشت في مصر بعد وفاة والدتها فوجدت أن والدها بطبعه الشرقي الفوضوي جعل
الشركه تكتظ بعماله لا يحتاجها ودخل في العديد من المشروعات بدون تخطيط كاف فخسرها،
لقد ترك لها شركه على وشك الإفلاس فقررت أن تقبل التحدي وأن تحولها لشركه ناجحه
وكان عليها أن تنتقي الكفاءات فقط ليكملوا معها الطريق، كما إستعانت ببعض أصدقاء
لها يعملون في القاهره لتفهم منهم طبيعة السوق وطرق العمل. خلال شهرين عرفت أسلوب
عمل كل من في الشركه وإستطاعت تقييم أدائهم وقررت تقريبا من سيبقى ومن سيرحل،
لكنها مازالت متردده بشأن هناء فرغم كفاءتها إلا أنها تكرهها بسبب تدينها وثقتها
المفرطه بنفسها ولسبب لا تعلمه ربما لأنها كسرت الصوره النمطيه لديها عن المسلمين
أنهم فوضويين ولا يتقنون أعمالهم؟ وأن المتدينين منهم إما مهملين في أعمالهم أو
منافقين لرؤسائهم أو يتخذون التدين كستار لفسادهم؟ أو لأنها كانت في أعماقها تتمنى
أن لو بقي أبوها معها وعلمها دينها وجعلها تنشأ كهناء؟ لا تعلم فهي تشعر بإضطراب
كبير يجتاحها لأول مره في حياتها تتغلب عواطفها على الشخصيه الإنجليزيه العمليه
بداخلها، لذا قررت أن تستدعيها وسيكون ذلك النقاش هو ما سيحدد مصيرها وسيجعل ليلى
تحسم أمرها هل ستبقيها أم ستطردها.
دخلت هناء مكتب مدام ليلى بعد أن إستأذنت
فرمقتها ليلي بنظره حاده ولم تأذن لها بالجلوس وقالت:
-عارفه طبعا إني باصفي ناس كتير من الشركه
ومش هاخلي غير الكفاءات بس
-عارفه
-وبصراحه أنا محتاره أخليكي لأنك كفء ولا
أمشيكي لأنك متدينه وكل شويه هتسيبي الشغل بحجة الصلاه والعباده؟
-أنا باصلي في الشغل مرتين في اليوم كل مره
مابتزيدش عن 10 دقايق وحضرتك بتدي للكل إستراحه لمدة نص ساعه أنا ما باخدهاش
وباوفر وقتها للصلاه يعني كده بعد الصلاه أنا لسه باقي لي 10 دقايق كمان باشرب
فيهم شاي وأنا باعمل شغلي يعني صلاتي مش بتعطلني عن شغلي.
-التدين ده بينك وبين ربنا ممكن تخليه لما
تروحي بيتك
-الصلاه لها وقت ما أقدرش أعديه
-ولو قلت لك إن صلاتك هتكون سبب فصلك من
الشغل؟
-يبقى الأرزاق على الله
صرخت ليلى بغضب:
-هم كده المسلمين شخصيات سلبيه كل حاجه يرموها
على ربنا ويقولوا هو هيدبرها وهم مش عايزين يدبروا أمورهم عشان كده هيفضلوا العمر
كله متخلفين، لأ رزقك بإيدي وأنا اللي أقدر أقطعه او ازوده
-لأ رزقي بإيد ربنا لو إنتي قطعتيه من عندك
هيبعت لي رزق تاني في مكان تاني، زي ما رزقك بالشركه دي من غير ما تبذلي أي جهد
قادر يرزقني بشغل تاني برضه
-يعني مش خايفه أمشيكي؟
-لأ لأن ربنا ما بيتخلاش عن المجتهدين
المخلصين في شغلهم اللي بيتظلموا بسبب تدينهم وبسبب كره الناس للدين ، إن كان سلوك
البعض وحش فده مش ذنب الدين ده ذنب الناس.
سكتت ليلى للحظات وقالت بهدوء:
-تدينك ده هو اللي مديكي الثقه دي كلها ؟
والقوه والثبات ده؟ مش عارفه أكره التدين ده ولا أحسدك عليه؟
-حضرتك مستغربه عشان ماجربتيهوش لكن لو فهمتي
حقيقة التدين وجربتي تعيشيه فعلا هتلاقيه حاجه جميله جدا مالكيش دعوه بسلوك بعض
المتدينين الغلط كل واحد منا هيتحاسب عن نفسه وبس عن سلوكه وبس.
-بس أنا شايفه الناس مش مستفيده من دينها
يبقى العيب في الدين
-وليه ما يكونش العيب في الناس اللي ما
بتطبقش الدين صح؟
سكتت ليلى للحظات ثم قالت:
-أنا عمري ما فكرت في الدين ولا فكرت ألجأ له
يمكن لأن والدي ماكنش متدين ولأن أمي كرهتني في الإسلام
-لو مافكرتيش زمان تقدري تفكري دلوقتي
- معقول؟ بس أنا فوق الأربعين سنه والوقت
فاتني عشان أتعلم ديني خلاص وعملت حاجات غلط كتير
-مافيش وقت بيفوت كل حاجه ممكن تتعوض بس
المهم النيه، هو هيكون مشوار صعب بس مكافأة نهاية الطريق تستاهل
-تفتكري هاقدر؟
-لو عايزه هتقدري وربنا هيعينك وكمان أنا
معاكي، فرصه إحنا داخلين على رمضان وده شهر كله بركه وفيه روحانيات عاليه إستغليه.
نظرت لها ليلى للحظات ثم فتحت الدرج وأخرجت
منه مبلغا ماليا وقالت:
-خدي دول إديهم لحد محتاج يمكن ربنا يغفر لي
جزء من ذنوبي، أنا عارفه إن فيه في الإسلام زكاه وصدقات وربنا بيحبها بس أنا مش
عارفه بتتحسب إزاي وأنا مديونه بكام فخدي دول مؤقتا لأني ما أعرفش حد هنا
-فعلا دي جزء من الإسلام لكن فيه فروض لازم
نبدأ بيها زي الصلاه والصيام هتكون صعبه في البدايه لكن مع الوقت هتتعودي عليها
وهتحبيها
إبتسمت ليلى وقالت:
-هتفضلي معايا وتساعديني؟
-طبعا وده على فكره مالوش علاقه بالشغل حتى لو مشتيني
من الشغل هافضل معاكي عشان نبقى صحبه صالحه ناخد بإيد بعض للجنه
خرجت هناء من عند ليلى وهي تكاد تطير فرحا فقد حقق لها
الله أكثر مما تريد أبقاها في مكانها وجعلها سببا في هداية ليلى وسببا في ستر أمال
وأولادها ،هم وغيرهم ممن ستمنحهم مال ليلى، إتصلت بأمال وطلبت منها أن تأتيها في
المساء، وعندما جاءت رتبت معها مواعيد لتأتي لها لتساعدها في تنظيف البيت وقالت
لها أنها ستزكيها عند أصدقاءها وقبل أن تمشي أعطتها 500جنيه من مال مدام ليلى
وقالت لها:
-ده رزق من عند ربنا جالك بس عايزاكي تدعي
لصاحبته
-ربنا يسترها دنيا وأخره زي ماسترتني أنا
وعيالي
خرجت أمال وهي سعيده وإشترت إحتياجات بيتها
وأدخلت السعاده على نفوس أولادها وعندما إختلت بنفسها ترشف كوب الشاي على سطح
المنزل رفعت نظرها للسماء وقالت:
-الحمدلله اللي سبته عشانك عوضتني بداله مال
حلال يارب إغنيني أنا وأولادي دايما بالحلال
وسجدت هناء باكيه وهي تصلي وقالت:
وعندما عادت ليلى لشقتها الفاخره المطله على
النيل وقفت في شرفتها ورفعت رأسها للسماء وقالت:
-عصيتك كتير وذنوبي كتير جدا لكن النهارده
رجعت لك وواقفه على بابك ياترى هتقبلني؟ وهتغفرلي؟ ياترى لسه فيه أمل؟ أنا إتعلمت
من هناء إني أثق في رحمتك وأطمع في كرمك يارب ساعدني.
تمت
#قصص
#اجتماعية
#روايات
#نساء

ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق