الخميس، 1 نوفمبر 2018

الجدران العالية

الجدران العالية


#نجلاء_لطفي

هذه القصه مستوحاه من قصه حقيقيه ولا أعرف كيف إنتهت لكني تخيلت النهايه التي أعجبتني. كم من لحظات سعاده نضيعها من بين أيدينا بمنتهى الغباء، وعندما تضيع نظل نادمين لباقي العمر، عيشوا السعاده ولو للحظات فلا تعلمون ماذا يخبىء القدر.

مرت 40 يوما وأنا مازلت غير مصدقه أن حسين زوجي قد توفى ولن يعود مرة أخرى فلم يكن لي أحد سواه ، لقد مات فجأه  فلم يمرض ولم يشكو بل مات وهو نائما و تركني أنا وأولادي وحدنا تائهين ولا أعلم كيف سأتدبر أمري ،كان هو كل شيء لنا ، لم أكن أحمل هما لشئ  فهو من يتحمل عبء كل شئ من مصروفات لمشتروات لإحتياجات الأولاد الدراسيه، كان يحمل هم كل شئ وأنا فقط أتحمل مسئولية البيت. هاهو تركنا فجأة بلا مقدمات، حقا لم تكن بيننا قصة حب إنما كان زواجا تقليديا جدا لكن كان بيننا عِشره وإحترام متبادل فكان يستجيب لكل مطالبنا ولا يحرمنا من شيء، رغم جفاف مشاعره تجاهي وتجاه أولاده -فلم أره يوما يلعب مع الأولاد أو يضحك معهم كما يفعل عمهم أحمد- لكننا كنا نعرف أن إهتماماته كلها موزعه بين إدارته لتجارته وتجارة إخواته من جهه وبين بيته وأولاده من جه أخرى. لم يكن من الرجال الذين يقضون أوقات فراغهم في اللهو أو المجون إنما كان جادا في حياتهفلم تكن له مغامرات نسائيه لا قبل الزواج ولا بعده ، حتى أنا لم يخترني كزوجة له - لقلة خبرته في عالم النساء كما قالت لي أمه- إنما إختارني والده رحمه الله لأني كنت بنت صديقه وكان يعرف أخلاقي جيدا وقال لي والده:-
- أنا إخترتك لأنك تعرفي يعني إيه عيله ومش هتبعديه عن إخواته ولا أمه..أنا ماخلفتش غير 3 صبيان ومن النهاردة بقى عندي بنت
لم يعترض حسين على إختيار والده ولم يكن لديه لهفه أو مشاعر حب، إنما كان لديه إهتمام وإحترام وتلبيه لكل إحتياجاتنا ومضت حياتي معه روتينيه بلا مشاعر ولا أي تجديد أو تغيير حتى عندما أنجبنا أبنائنا الثلاثه لم أر على وجهه سعاده أو غضب‘ إنما كانت ملامحه دائما محايده وهناك تعبير واحد على وجهه لا يتغير ولا يظهر مشاعره، ورغم ذلك كان يقوم بكل ماهو مطلوب منه، لم اعرف يوما مشاعره تجاهي أكان يحبني أم لا ولم أعرف يوما إن كان سعيدا معي أم لا لكنه لم يشعرني يوما بضيقه أو نفوره مني . كنت في بداية حياتي غير سعيده حيث أني كنت – ككل إمرأة- أحلم بالحب والمشاعرولكن مع مرور الوقت تأقلمت مع طبيعته وجديته وخاصة أنه كان يحسن معاملتي ويحترمني فتناسيت كل إحتياجاتي العاطفيه وإكتفيت فقط بأمومتي وبدوري كزوجه ،حتى فوجئت بأنني أصبحت اليوم  أرمله في الثلاثين من عمري ومعي 3 أطفال ولا أعرف ماذا سأفعل معهم فأنا لا أعرف أي شيء عن أموال زوجي وممتلكاته ولا أعرف كيف سأنفق على أولادي؟ هل سيتركني إخوته أدير إرث أبنائي بمفردي؟وهل أستطيع؟ هل أستطيع تحمل عبئهم بمفردي وأنا لم أعرف يوما كم ننفق وكم نحتاج شهريا؟؟ أفقت من شرودي على صوت حماتي تقول لي هامسه:
-لما الناس تمشي تعالي شقتي عايزاكي في كلمتين
-حاضر
ترى ماذا تريد مني؟؟ كانت حماتي –بعد موت زوجها- هي الشخصية الأقوى في الأسرة فالكل يسمع لها ويطيع ولا أحد يستطيع مخالفة أوامرها حتى أن زوجه إبنها الأوسط سامح أخذته وسافرت لتهرب من نفوذها وسيطرتها ولم يبق لها سواي  فأحمد الصغير لم يتزوج بعد لأنها ترفض زواجه بمن يحب بحجة أنها لاتناسبه . قلت لنفسي يبدو أنها ستنتقد كلمه قلتها أو تصرف من تصرفاتي كعادتها وسأعتذر لها كعادتي وأعدها بعدم تكرار ما فعلت، إنصرفت النساء وذهبت لحماتي فقالت:
- حسين الله يرحمه سابك إنتي والولاد أمانه في رقبتي وأنا من يومها بأفكر هتعملوا إيه وتعيشوا إزاي، طبعا حسين سايبلكم اللي يكفيكم وزيادة لكن هتعرفي تشتغلي مكانه وتحافظي على فلوس ولادك خاصة وانتي ما كملتيش تعليمك؟ ولا عمرك إشتغلتي ولا إتعاملتي مع الناس؟ كمان إنتي لسه شابه ومرغوبه يمكن بعدين تفكري تتجوزي وده حقك لكن ساعتها هاخد منك الولاد ومش هتطولي مني مليم واحد
-فقاطعتها وقلت:
-متخافيش يا حاجه أنا هاعيش عشان ولادي
-بس برضه محتاجين تعيشوا في حما راجل يحافظ على فلوسكم ويربي معاكي العيال وأنا فكرت ومالقيتش أحسن من أحمد عمهم وهو أحن واحد عليهم وأكتر حد هيراعي مصالحهم.
فوجئت بما قالت، أحمد ؟؟يالها من إمرأة جبارة نسيت حزنها على إبنها الذي مات فجأة وكل همها أن تبقي زوجته وأولاده وورثهم تحت سيطرتها.أي إمرأة هذه من تملك تلك القوة النفسية لتفكر بعقلانيه وتتغلب على موت إبنها وحزنها عليه بسرعه هكذا؟إمرأه غيرها ستظل منهاره وترفض أن يحل أي رجل محل إبنها حتى لو كان إبنها الأخر،لكنها فكرت بعقلانيه وقررت أن عمهم أولى بميراث أخيه من مال وزوجه وأبناء، أفقت على صوتها وهي تقول لي:
-مالك مش عاجبك كلامي؟؟ده في مصلحتك ومصلحة الولاد قبل أي حاجه إنهم يتربوا في بيتهم وعز أبوهم وعمهم يراعيهم ويكون لهم أب وبكده كمان نتجنب كلام الناس
-أبدا يا حاجه أنا بس مستغرباه وعمره ما خطر على بالي إني أتجوز بعد حسين الله يرحمه، كلامك كان مفاجأه ليه وياترى أحمد موافق؟؟
-أحمد هيوافق طبعا هو يقدر يرفض لي طلب، أنا اللي أقوله يتنفذ على طول ومصلحة ولاد حسين عندي أهم من أي حاجه تانيه،إعملي حسابك بعد العدة ماتخلص الجواز هيتم
قالتها بقوه وحسم وقطعت السبيل أمام أية كلمات أخرى أو رأي مخالف لرأيها. ذهبت لشقتي وأنا متعجبه ولكني لا أملك الرفض فبإمكانها طردي وحرماني من أولادي وهو ما لا أقدر على إحتماله لحظه واحده فأنا أعيش حياتي كلها من أجلهم، وإن طردتني إلي أين أذهب بعد وفاة والداي وإحتلال أخي بيتهما وإنشغال أخواتي كل واحده بحياتها؟ كيف سأنفق على أولادي وحدي وأنا بدون شهادات أو خبره في أي عمل؟ لاسبيل أمامي سوى الموافقه. لم يكن أحمد سيئا بالعكس كان شخصا مرحا ولطيف جدا وودود وأولادي يعشقونه فهو من يجلب لهم الحلوى واللعب ويلعب معهم بل ويخرج معهم ويمرح معهم كأنه أحدهم  –وهو مالم يفعله حسين يوما- لكن كنت أشعر تجاهه بالود كأخ لي وخاصة أننا في نفس العمر في حين كان حسين يكبرني ب10 سنوات فكيف ستتحول مشاعر الأخوه لمشاعر زوجيه؟ هل سأستطيع التغلب على ذكرى حسين ؟ وماذا عن حبيبته؟ هل يستطيع البعد عنها؟ماذا سيفعل معها؟وهل ستقبل بأن تكون زوجه ثانيه؟ قرار أمه سيزلزل كل كيانه وربما يجعله يكرهها ويكرهني معها.
 أخبرت أم حسين إبنها بقرارها النهائي فلم يستجب لها إنما تناقش معها عدة مرات وتعهد لها برعاية أولادي حتى أخر عمره فقالت له إن تزوج بأخرى وأنجب سينشغل عنهم وربما يقسو عليهم، حاول إقناعها كثيرا ولكنها أبت إلا تنفيذ رأيها  فتشاجر وهددها بترك البيت ، لكن لم يستطع شيء أن يثنيها عن قرارها فهي مصره على رأيها حتى في النهايه ترك البيت وذهب للإقامه عند أحد أصحابه ولكن حتى هذا زادها إصرارا. كنت في خلال تلك الفترة في حالي أتجنب لقاء أحمد ولقائها لم أفكر في الإعتراض عليها فإن كانت تقسو على إبنها فماذا ستفعل معي وخاصة أني لم يعد لي أحديقف بجواري بعد وفاة والداي وإنشغال أخي بزوجته وأولاده ورزقه، وإنشغال إخواتي البنات مع أزواجهن.بعد شهر من الخصام وهجر البيت عاد أحمد مستسلما ولم يعرف أحد سببا لذلك ففرحت والدته بعودت كثيرا ولانت معه في الكلام حتى وافق على الزواج فحددت أول خميس بعد إنتهاء العدة موعدا لزواجنا وكان هذا الزواج حكايه يتداولها الجميع لكن حماتي لم تبالِ بأحد فكل ما يهمها أن تجد من يهتم بأولاد حسين قبل موتها.
تم عقد القران في شقة حماتي في وجود أخواتي وأزواجهن وعدد قليل من الأقارب والجيران، بالطبع كان أخي هو وكيلي،تم الزواج في هدوء و لم يكن هناك أي مظهر من مظاهر الفرح أو الإبتهاج  فالكل يعلم أنه مجرد زواج مدبر من أجل مصلحة الأولاد.بعد عقد القران وإنصراف الجميع أصرت حماتي على مبيت أولادي معها وكانت تلك المرة الأولى التي يغيبون فيها عني حاولت أن أعترض فأسكتتني بنظره صارمه. صعدت مع أحمد لشقتي وبمجرد دخولنا شعر بإرتباك غريب وساد الصمت بيننا للحظات حتى إستجمعت شجاعتي وقلت:
-أحمد عايزه أتكلم معاك بصراحه أنا عارفه إنك مجبر على الجوازه دي و إني بالنسبه لك مجرد أخت مش أكترو إنك بتحب واحده تانيه لكن ماكانش فيه حل تاني قدام إصرار الحاجه ،عشان كده لو عايز تفضل معانا إرضاءا لوالدتك وعشان تراعي ولادي ممكن تعمل ده وفي نفس الوقت تتجوز اللي بتحبها من غير والدتك ماتعرف وتبقى ماحرمتش نفسك من السعاده و قمت بواجبك ،أنا مايرضينيش إنك تعيش تعيس بسببي أنا وولادي.
نظر إلي للحظات ولم يجب ولكن الحزن كان باديا في عينيه فقلت:
-تحب تتعشى؟؟
-متشكر ماليش نفس نامي إنتي وأنا هانام على الكنبه في أوضة المكتب
قالها وهو يتحاشى النظر إلي فقلت له:
-ممكن تنام في أوضة الأولاد بدل النوم على الكنبه وبعد كده إبقى نام في المكتب وأنا هاحط لك فيها كنبه سرير
قضينا ليلتنا الأولى وكل واحد منا في غرفه، هو حزين على حاله وعلى القدر الذي تلاعب بقلبه ومصيره وأنا حزينه على حالي فقد تزوجت مرتين دون إرادتي وبلغت الثلاثين ولم أوعرف الحب ويبدو أني لن أعرفه، كل منا ظل يجتر ألامه وذكرياته ولا يعلم ماذا تخبئه له الأقدار.
مرت بنا الأيام على وتيرة واحده أنام بمفردي وينام على كنبة غرفة المكتب وأولادي في غرفتهم ويستيقظ معهم مبكرا ليصطحبهم للمدرسه ويذهب للمحلات لمباشرة التجاره ويعود بهم السائق في الظهيره ويعود أحمد في الخامسه ليذاكر معهم دروسهم، ثم يخرج مع أصدقاؤه أو ينشغل بمشاهدة التليفزيون أو بموبايله حتى ننام.كان يتجنب الكلام معي أو النظر إلي إلا في الضروره فقط لكن أمام أمه والناس كان يتعامل معي بمنتهى الود والإحترام. كل يوم جمعه كنا نخرج معه لقضاء يومنا في أي مكان يلعب ويمرح فيه مع الأولاد فكنت أنتظر يوم الأجازة بفارغ الصبر لأنه يتحول فيه لشخص أخر لايتجنبني بل يتحدث معي ويمازحني ويبتسم في وجهي ويستجيب لرغباتي مهما كانت، وكنت أحزن كثيرا عند إنتهاء اليوم لأنه بمجرد دخوله البيت يعود هذا الشخص العابس الصامت دائما، فكرت ربما لأن البيت يذكره بأخيه رغم أني أبدلت ترتيب الأثاث وغيرت الكثير فيه لكن يبدو أن ذكرى أخيه مازالت تطارده.
فُرضت على حياتي فرضا ،فقبلها كنت مجرد أخ لها وهي بمثابة الأخت لي لم أفكر فيها يوما كإمرأه، حتى بعد وفاة أخي المفاجأه كانت أرملة أخي التي يجب علي الحفاظ عليها وعلى أولادها. لم تكن في حياتي إمرأه سوى حبيبتي سلوى زميلتي في الجامعه التي شهدت ميلاد قصة حبنا ووعودنا بأن نكون معا حتى أخر العمر. كنت أحلم بيوم زواجنا وأعمل مع أخي وأدخر المال لأتزوج بمالي دون تدخل والدتي التي كانت ترغب في تزويجي من إبنة أختها وترفض سواها، وعندما إدخرت المال اللازم قررت أن أستأجر شقه خارج بيتنا حتى أتجنب تدخل والدتي وسيطرتها لكن وفاة أخي عطلت كل مشاريعي. فوجئت بأمي تطالبني بالزواج من إيناس زوجة أخي فقلت لأمي
- مستحيل دي أختي
-مش أختك وهتتجوزها عشان ماتفكرش تتجوز وتسيب العيال وييجي راجل غريب ياخد شقى أخوك وتعبه ومراته وعياله على الجاهز
-يا أمي إنتي عارفه إني باحب سلوى ولما رفضتي تساهمي في جوازنا بقيت أشتغل ليل نهار عشان أدبر فلوس الجواز ولما جهزت جايه تقوليلي إتجوز إيناس؟؟
-إنت فاكر سهل عليه إن حد يكون مكان حسين؟؟ أنا باتقطع وأنا باقول الكلام ده لكن مصلحة ولاده فوق كل إعتبار
-أوعدك هاراعيهم حتى لو إيناس إتجوزت راجل غريب هأقف لهم وأدافع عن مصلحة الولاد
-وهو إنت لما تتجوز اللي بتحبها هتفوق لحد غيرها؟ وإن جابتلك عيل هتنسى الدنيا ساعتها هتفتكر ولاد أخوك؟ دي يمكن تخليك تاخد حقهم، أنا كلمتي واحده يا تتجوز إيناس يا إما لا إنت إبني ولا أعرفك وهاطردك من المحلات وإبقى دور على شغل بره
-حرام عليكي هو حسين بس اللي كان إبنك وأنا لأ؟ليه القسوه دي؟إنتي مش أم وعندك قلب؟
-عشان أنا أم وعندي قلب بادور على مصلحة الكل، مالها إيناس حلوة وصغيره ومحترمه وطوع إيدينا؟
-يا ماما افهمي إيناس مالهاش أنا باحب سلوى ومش عايز غيرها إنتي ليه مش حاسه بيه؟
-يا ابني محدش هيحس بيك أدي ومحدش هيخاف على مصلحتك زيي وبكره تفهم ده
-إنتي طول عمرك بتفضلي حسين عني وبتحبيه أكتر مننا كلنا عموما أنا مش هاتجوز غير سلوى وهاسيبلك البيت وأمشي
تركت البيت وذهبت عند أحد أصدقائي العزاب وأقمت عنده ظنا مني أن ذلك سيجعل أمي تتراجع عن رأيها ولكن بلا فائده بل هددتني أنها ستطردني من المحلات وتتركني بلا مال. يالها من أم قلبها حديد لا يلين. تكلمت مع سلوى وحكيت لها كل شئ لكنها لم تواسيني كما كانت تفعل من قبل إنما كانت دائما متذمره
-هنعيش إزاي لو طردتك من المحلات؟
-هاشتغل طبعا
-وتفتكر مرتبك هيقضينا؟
-نعيش على أدنا لحد ماربنا يفرجها ولازم تستحملي شويه معايا في الأول وبعد كده وضعنا هيتغير
-وليه نعذب نفسنا ؟ الفقر لما بيدخل من الباب الحب بيهرب من الشباك
-حبي ليكي مش ممكن يهرب تحت أي ظرف
-بطل رومانسيه وعيش الواقع لما هييجي أول الشهر وإنت مش لاقي تدفع الإيجار هتلعن الحب الفلوس مهمه عشان نعيش مرتاحين
-يعني أقبل  طلب أمي واتجوز إيناس؟
-لأ طبعا أنا محتارة مش عارفه  أفكر ولا ألاقي حل
بعد عدة أيام فاجئتني بأنها تتعرض لضغط كبير من أهلها للزواج من عريس جاهز وثري ولم تعد تستطيع الرفض خاصة مع ظروفي المرتبكه فهي لاتقبل أن أتزوج بغيرها وتكون زوجه ثانيه ولا تقدرأن تعيش في فقر، لذا قررت ان توافق عليه وتمنت لي حياه طيبه. حياه طيبه؟ قتلتني وتتمنى حياه طيبه؟ وأي حياه سأحياها بعدها؟ بقيت عدة أيام قابع بغرفتي في بيت صديقي لا أكل ولا أشرب و أهرب من الواقع للنوم، حتى واجهني صديقي بحقيقتها أنها تركتني لتتزوج بعد أول أزمه تواجهنا وأن علي أن  أحمد الله أن حقيقتها ظهرت قبل الزواج لابعده. عدت لبيتنا مهزوما مكسورا أُلقي باللوم كله على جبروت أمي وتسلطها فلولاها لكنت أعيش سعيدا، لكن لن يفيد البكاء على اللبن المسكوب. قررت أن أستسلم لرغبة أمي فلم يعد هناك داع لإغضابها وكل النساء بعد سلوى متساوون، تزوجتها وفاجئتني بأنها تتفهم وضعي ولكن بعد فوات الأوان إعتزلتها كزوج ولكني بقيت أقوم بكل واجباتي  كأب للاولاد وكرب الأسره أما واجبي كزوج فكان يقف بيني وبينها طيف سلوى وذكري حسين اخي.
خلال تلك الأشهر كانت مشاعري تجاه أحمد تتغير من حالة الإخوة لحالة الإعجاب بشخصيته المرحه الحنونه، ورغم تجنبه لي إلا أنه كان يعاملني برقه وكثيرا ما كان يبدي إعجابه بطعامي أو يساعدني في إختيار الملابس عندما نذهب للتسوق مع الأولاد وأحيانا يفاجئني بشيء أعجبني  كهديه في عيد ميلادي أو كهديه للعيد وهو مالم يفعله حسين أبدا ولم يخطر حتى على باله رغم كل تلك السنوات التي قضيناها معا. كثيرا ما كان أحمد يحضر لي حلوى أحبها كما يفعل مع أولادي ،كانت تلك الأفعال البسيطه في شكلها ، الكبيره في معناها تجذبني إليه كثيرا وأشعرتني كم هو رقيق الحس ويختلف تماما عن حسين فهو يتعامل معي كأنثى لها مشاعر وأحاسيس لا كآله تؤدي دور محدد لها، كإنسانه يجب أن تنال كل التقدير لا كمجرد ست بيت وأم تؤدي دورها في صمت. إعتدت وجوده في حياتي بل أحببت وجوده فيها فقد منح حياتي معنى جديدا ومنحها مذاقا خاصا وأحيا في نفسي مشاعر كنت نسيتها ، لقد منحني ما حُرمت منه مع أخيه لكنه يأبى أن يترك لقلبه العنان فيبدو أن قلبه مازال معلقا بالأخرى رغم شعوري أنها إختفت من حياته لكن طيفها لم يختفي من قلبه.كانت بيننا جبال من الجليد تمنعه من الشعور بي والتواصل معي كم تمنيت لو أستطيع إذابة جبال الجليد تلك و كم أود أن أحطم ذاك الجدار العالي الذي بناه ليمنعني من الوصول لقلبه وتحطيم تلك الحصون التي يحتمي بها وأحول زواجنا  لحقيقه، فأحمد إنسان جدير بنيل إعجاب أية إمرأة فكيف بي وأنا أتعامل معه يوميا وألمس رقته ولا أعجب به؟ كنت أتمنى أن يتيح لمشاعره الفرصه لعله يتغير تجاهي ورغم أني زوجته فقد حرمني على نفسه  وحرمني وحرم نفسه من لحظات سعاده قد نحياها معا.
مرت علي ليال طويل وأنا أ لا أستطيع النوم في ذلك الفراش الخاوي البارد،كم أتمنى أن أبوح له بمشاعري وأود لو أرتمي بين ذراعيه وأفضي له بإحتياجي و حبي ورغبتي فيه لكن ماذا سيظن بي؟؟ فليس مباح في مجتمعنا لإمرأة أن تعبر عن مشاعرها  لأحد ولاحتى أن تبوح برغبتها لزوجها وإلا أصبحت في نظره ونظر المجتمع  منحله وفاجره بل عليها أن تنتظر حتى يرغبها هو، فكل الرجال يعشقون الجرأه في المرأه عندما لا تكون زوجه، أما الزوجه فيفضلونها تتلقى الحب في صمت وإجلال وتقدير أنها نالت تلك العاطفه، دون مبالاه من أحد بما تريد وتحتاج. كنت أخشى أن أبوح له برغبتي فيصدني لأنه مازال متعلقا بحبيبته ماذا لو قال لي إنه لا يريدني؟ فكرت أن أجعله يفهم دون كلام  فلجأت للحيل الأنثويه التي تجذب الرجال وتصهر الحديد فكنت أرتدي أمامه ملابس تظهر مفاتن جسدي وأطلق لشعري العنان وأتعطربعطور مثيره خاصة  أثناء تواجده بالبيت وأحرص على الإقتراب منه كثيرا بل وتعمد لمسه أحيانا، كما كنت أتعمد عندما أحدثه أن أطيل النظر في عينيه وأتكلم بدلال ،لاحظت نظراته لي التي يختلسها فأدركت أني نلت إعجابه لكنه مازال قلبه على حاله يقاوم بشده ويتشبث بذلك الجدار العالي بيننا .كنت أتحدث معه في أي شيء المهم أن أطيل وجودي بجواره، فكان يتهرب من عيناي مرتبكا وهو يتصبب عرقا، ويحتمي بغرفته ويغلق بابها . كم كان يثير غضبي ذاك الباب المغلق وكنت أود أن أكسر كل الأبواب المغلقه  التي بيني وبينه وأن أحطم كل الجدران التي تحول بيننا وأن أرتمي بين ذراعيه وأقول له أني أحبه كما لم أفعل من قبل، فأنا لم أعرف الحب قبل اليوم إلا معه وها هو الحب يعذبني ويشقيني ولا يسعدني.كم أحتاج إليه أكثر مما يحتاجه أولادي فأنا أحبه وأريد أن أستمتع معه بحبي وحياتي وهاهو يهرب مني و يحول بيننا ألف باب وجدار، ليته يشعر بما في قلبي ولكن يبدو أن قلبه مغلقا على حبه القديم أو أن ذكرى أخوه مازالت جدارا يفصل بيننا.
كنت زوج أمام الناس فقط فرغم هجر سلوى لي فمازال طيفها لا يفارق خيالي فلم تكن في حياتي إمرأة سواها وليس من السهل نسيانها، فرغم كل شيء مازالت ذكرياتها تطاردني في صحوي ومنامي، ولم أستطع بعد التخلص من حبها العالق بقلبي محتلا روحي ونفسي. حاولت أن أتشغل بالعمل وأن أتحمل مسئولية الأولاد والبيت فكنت أنشغل عنها حينا لكن حينما أخلو بنفسي تطاردني ذكرياتنا معا وكل لحظة حب عشناها سويا فكيف لي أن أنسى من تسكن قلبي؟ أما إيناس فلم تتبدل مشاعري تجاهها بمجرد كتابة ورقه تقول للجميع أنها زوجتي، فمازلت أتعامل معها على أنها زوجة أخي حسين وأم أولاده ولم أستطع تصورها أي شيء غير ذلك. أعاملها بمنتهى التقدير والإحترام الذي تستحقه أما قلبي فمغلق على حب غادر جرحه وأدماه لكنه لم يستطع التخلص منه. كنت في أيام الأجازات أحرص على الخروج مع إيناس والأولاد للنزهه وكل مره نختار مكانا مختلفا فنضحك ونمرح ونتناول طعامنا ثم نعود للبيت فيعود الصمت يخيم على حياتنا كأننا لم نكن نمزح معا منذ فتره قصيره. خلال تلك الفتره التي قضيتها مع إيناس إكتشفت فيها إنسانه لم أكن أعرفها مرحه ولطيفه بها جمال داخلي يفوق جمالها الخارجي، كانت تحرص دائما على فعل وقول مايرضيني فقط ، بدأت أعتاد وجودها في حياتي طريقة كلامها ، نبرات صوتها، طعامها، تعاملها الرقيق معي، ملامحها البسيطه التي تعبر عن قلب طيب ونفس راضيه، كلما فكرت في إعتيادي عليها تلاشت ذكريات سلوى من قلبي رويدا رويدا حتى إنزوت في ركن بعيد، لكني كنت أخاف من هذا القرب والإعتياد فمازالت هي زوجة أخي، فكنت أهرب سريعا لغرفتي وأغلق بابها جيدا لأختبأ من نظرات عينيها. لم تستسلم إيناس لهروبي إنما راحت تحطم الأبواب المغلقه والجدران العاليه بيننا مره برقتها ومره بأنوثه فتاكه ومره بدلال متعمد ، راحت تدك حصون قلبي بقوه ولم يعد لي قدره على مقاومتها أكثر من ذلك.

 يبدو أنه خائفا من قربي منه أو ربما مازال يحلم بحبيبته ولم يستطع نسيانها، كيف أستطيع نزع حبها من قلبه؟ كيف أحل محلها وأكون ملكه على عرش ذلك القلب العنيد؟ بعد تفكير طويل وتردد ووحده تنهش قلبي ،قررت أن أبوح له بحبي  فإما أن يعترف لي بحبه أو يصدني وأخسره للأبد وأفقد الأمل فيه وينتهي عذابي،لم أكن يوما بمثل هذه الجرأه لكن حبي له  كان جارفا لذا قررت أن أغامر بكل شىء لأصل إليه  .
في اليوم التالي بعد ذهاب كل منا لغرفته أرسلت له رساله  أعترف له فيها بأني لم أعرف الحب إلا معه وأنه وحده من يملك كل قلبي وعقلي وكياني، و أتمنى أن أكون زوجته فعلا وأعده أنني سأبذل كل جهدي لإسعاده، وأتمنى أن يمنحني ويمنح نفسه الفرصه لنعيش في سعاده. إنتظرت الرد  لكنه لم يجب إنما سمعت صوته يغلق باب الشقه بعد صلاة الفجر مباشرة،نهضت من سريري وبحثت عنه فلم أجده أدركت أنه قرر أن يتركني لأنه لا يحبني وأني أحاصره بمشاعري فلم يجد حلا سوى البعد عني والخروج من حياتي.إرتميت على سريري وبكيت كثيرا وأدركت أني خسرته للأبد ويبدو أن  قدري أن أعيش مع من لاأحب كزوجه وأن أُحرم ممن أحب كزوجه. لم يتصل طوال اليوم كما كان يفعل من قبل بل وأرسل السائق لإصطحاب الأولاد لأول يوم دراسي وهو مالم يفعله من قبل فتأكدت ظنوني وتمالكت نفسي حتى إنصرف الأولاد ثم غرقت في البكاء كما لم أفعل من قبل. ها أنا ذا أخسر كل شىء لحظات السعاده القليله معه، الحياه بقربه، كل شئ ضاع في لحظة جنون واحده.
وصلتني رسالتها وأنا غير مصدق لنفسي إنها تعترف لي بحبها وبرغبتها في أن تكون زوجه لي، إذا فهي ليست مجبره، لكن بعد دقيقه واحده جاءتني رساله أخرى من سلوى، نظرت للشاشه بذهول هل حقا أقرأ إسمها على الشاشه أم أنني يُخيل إلي؟؟بعد لحظات تأكدت فيها أن الرساله حقيقيه ،فتحتها بحذر فوجدتها تقول:
-حماده حبيبي كنت غلطانه لما سبتك وإتجوزت غيرك، ماقدرتش أحب غيرك ولا لقيت راجل زيك في حنيتك وطيبة قلبك ورقتك ورجولتك، عشان كده رجعتلك، عايزه أقابلك في نفس مكاننا القديم الساعه 10 صباحا..حبيبتك لأخر يوم في عمري
يا الله رحمتك إمرأتان تطلبان حبي في وقت واحد إحداهما باعتني وتركت حبي وجرت وراء المال وعندما عرفت قيمتي عادت نادمه، والأخرى لم تكن لي من البدايه إنما هي زوجة أخي لكنها تسللت لنفسي وتآلفت معها روحي بهدوء دون ضجيج فإعتدت عليها وبدأ قلبي يميل إليها وهي لا تطلب سوى ودي، فأيهما أختار؟ هل أعود لحبي القديم وأغفر وأسامح؟ أم أبدأ حياه جديده مع إيناس المتسلله لقلبي؟ بقيت ساهرا أفكر حتى سمعت أذان الفجر فخرجت للصلاه لأطلب من الله أن يهديني وينير بصيرتي.

بكيت كما  لم أبك من قبل حتى أني لم أشعر بما حوليو فوجئت بمن فتح باب غرفتي و ينادي بإسمي بمنتهى الرقه، إنه هو أحمد لقد عاد ،فوجئت به يجلس بجواري ويمسح دموعي بيده فقال:
-ليه الدموع؟
-إفتكرتك مش هترجع تاني
-حد يلاقي واحده تحبه كده وتعمل عشانه كل ده ويسيبها ؟؟
-أمال مشيت ليه؟؟
-إنتي عارفه إني كنت مرتبط بزميلتي ولما والدتي أصرت على جوازنا سبت البيت وقلت لحبيبتي نتجوز ومش محتاجين فلوس والدتي وشغلي وشغلك يكفينا لكنها رفضت وبعدت عني وبعد إسبوعين إتجوزت واحد غني، ساعتها قررت أحقق رغبة والدتي وأتجوزك وكنتي في البدايه مش أكتر من مرات المرحوم أخويا لكن مع عشرتنا ومعاملتك ليه وإهتمامك بإنك ترضيني بأي طريقه بدأت أهتم بيكي بشكل تاني وأحب وجودي معاكي كنت باسمي ده مجرد تعود،ولما لاقيتك بتحاولي تلفتي نظري عرفت إنك بتحبيني لكن ذكرى أخويا  فضلت جدارعالي واقف بيننا ومش قادر أخطيه، حاولت كتير أوهم نفسي إني مش متعلق بيكي وفشلت كنت باحب أسمع صوتك، أتكلم معاكي ،أبص في عينيكي، وساعتها عرفت إني متعلق بيكي لكن كنت خايف تكوني مجبوره على العيشه عشان ولادك وأنا اللي بأتخيل إنك مهتمه بيه، لحد ما بعتيلي الرساله فكرت أجيلك وأخدك في حضني  وأقولك أنا كمان محتاجلك زي ما أنتي محتاجه لي لكن في لحظتها حبيبتي القديمه بعتتلي رساله وطالبه تقابلني ضروري إتلخبطت مشاعري، حاجه بتشدني ليكي لكن قلبي بيقولي روحلها وعقلي بيقول إبعد عنها دي باعتك،  ومابقيتش عارف أعمل إيه نزلت عشان أفكر لوحدي ، روحت أصلي الفجر ودعيت ربنا ينور بصيرتي وفضلت قاعد على القهوه لحد ماجه ميعادها ورحت قابلتها لقيتها إتطلقت من جوزها وموافقه نتجوز وتبقى زوجه تانيه حتى لو عرفي وأروحلها يومين في الأسبوع، رفضت تبقى ملكه متوجه على قلبي وكنت هاسيب عشانها كل حاجه وأزعل أمي، ولما خسرت كل حاجه قبلت بأقل من اللي كان معروض عليها بكتيرساعتها لقيتني باقارن بينكم إنتي اللي يوم فرحك طلبتي مني أروح أعيش وأتجوز وما أظلمش نفسي وهي اللي رفضت حبي وتضحيتي وفضلت الفلوس عن الحب، حسيت إني قرفان منها و عاوز أجيلك بسرعه وأخدك في حضني وأطلب منك تسامحيني على كل الوقت اللي عشته وأنا فاكر إني كنت باحبها وإنها بتحبني أتاريها كانت بتحب فلوسي،أما الحب الحقيقي عرفته معاكي في إهتمامك بكل صغيره وكبيره تخصني في خوفك على زعلي،في إبتسامتك اللي بتفتح الطريق في وشي، وندمت على الوقت اللي قضيته بعيد عنك ياترى هتسامحيني ونبدأ من جديد؟؟ إرتميت بين ذراعيه وأنا أقول له :
-أسامحك على إيه إنت أجمل حاجه حصلت في حياتي،بحبك وهافضل أحبك لأخر لحظة في عمري
-خلينا ننسى كل اللي فات ونبدأ من جديد، إيه رأيك نسيب الولاد مع ماما ونقضي شهر عسل من جديد؟
-ياريت تعرف إني عمري ما سافرت بره القاهره؟
-أوعدك هنروح كل مكان يعجبك وهاخليكي تشوفي الدنيا كلها وأعملك كل اللي نفسك فيه
-أنا كان نفسي في حاجه واحده وربنا حققها لي  هي إنت بعد كده مش عايزه من الدنيا حاجه تانيه
تمت
#قصص
#حب
#روايات
#اجتماعية
#رومانسية

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق