الثلاثاء، 11 مارس 2025

العمل عن بُعد

 


العمل عن بُعد

لم تكن فكرة العمل عن بُعد منتشرة بشكل كبير قبل عام ٢٠٢٠ لكن مع جائحة كورونا وانتشارها في العالم وإغلاق معظم المؤسسات أبوابها، كان الحل الأمثل العمل عن بُعد.

حتى بعد انتهاء الجائحة والعودة للحياة الطبيعية استمرت العديد من الشركات في الاعتماد على فكرة العمل عن بُعد بل أن بعض الشركات الصغيرة الناشئة اعتمدت عليها بشكل كبير.

مميزات العمل عن بُعد:

بالنسبة للشركات فالميزة الأكبر توفير نفقات مقر ثابت وتوظيف موظفين من مختلف دول العالم وتقليل الرواتب أحيانًا، وعدم الالتزام بموعد محدد للعمل ،ففي بعض الأحيان يطلب المدير من الموظف أداء بعض المهام في غير أوقات العمل.

بالنسبه للموظفين:

توفير وقت وجهد ونفقات المواصلات ،والعمل بحرية أكثر سواء من البيت أو من أي مكان يختاره فقد يمارس عمله بين أسرته في أي مكان ،وكذلك يشعر براحة أكثر،ويمكنه العمل مع شركة في بلد آخر دون أن يسافر ويترك أسرته.

ولكن هناك عيوب أيضًا للعمل عن بُعد وأهمها:

أن الإنسان كائن اجتماعي ويحتاج للتواصل مع الآخرين والعمل عن بُعد يحرمه من ذلك ،البقاء في البيت لفترات طويلة قد يصيب الإنسان بالكآبة والملل ،لا يستطيع صاحب العمل متابعة موظفيه بشكل مباشر.

فكرة العمل عن بُعد مناسبة جدًا للأمهات اللاتي يراعين أطفالهن بحيث توفر عليهن وقت وجهد كبير، كما أنها مناسبة لبعض الأعمال التي يمكن أدائها من أي مكان، إلا أنها لا تناسب أعمال أخرى.

في رأيي مع التطور التكنولوجي الهائل والسريع يمكن الدمج بين فكرتي العمل عن بُعد ومن المقر بما يحقق النفع للشركة والموظف، كما يمكن استغلال فكرة العمل عن بُعد للموظفين المُستقلين (الفري لانسر).

نجلاء لطفي


الخميس، 20 فبراير 2025

قوة السوشيال ميديا

 


في عصر التطور التكنولوجي الهائل والسريع أصبحت وسائل التواصل الاجتماعي(السوشيال ميديا) ذات قوة وتأثير قوي بسبب سرعة انتشارها على مستوى العالم، ونقلها للحدث في لحظة وقوعه، وقدرتها على كشف زيف وخداع وسائل الإعلام.

وفي حرب غزة تجلت قوة السوشيال ميديا للجميع فكان نقل الأحداث في بث مباشر لكل أنحاء العالم، كذلك الصور والفيديوهات انتشرت بقوة في العالم كله وأوضحت حقيقة ما يجري على الأرض مما أزال الغشاوة التي أعمت بها وسائل الإعلام العيون، وفضحت كذب الكثير من مُدعي الإنسانية والعدالة و حقوق الإنسان.

كذلك استغل الفلسطينيون وسائل التواصل الاجتماعي بطريقة مثالية لتوضيح معاناتهم وإظهار الوجه الحقیقي للمُحتل ومن يناصرونه. كما أظهرت أكذوبة الغرب المؤمن بالحريات والعدالة والحقوق وكشفت مدى قُبح الحكومات الغربية التي تمد المحتل بكل المساعدات التي تساهم في تدمير غزة وإبادة أهلها.

لقد ساهمت السوشيال ميديا في إحياء القضية الفلسطينية وإعادتها للأذهان وصححت العديد من المفاهيم لدى الناس في كل أنحاء العالم وأوضحت بما لا يدع مجالًا للشك مدى وحشية وهمجية وطمع المحتل وعدم اكتراثه بالقوانين ولا الشرعية الدولية.

لقد أصبحت وسائل التواصل الاجتماعي قوة مؤثرة في العالم وفي تشكيل الأفكار وفضح الأكاذيب ونشر الحقائق وبذلك تنافس وسائل الإعلام التقليدية في دورها فهل ستحل محلها في يوم ما؟ وهل ستظل السوشيال ميديا وسيلة لنشر الحقائق وفضح الكذب أم أنها ستأخذ أيضًا عيوب وسائل الإعلام في التضليل وتشكيل عقول الجماهير؟

تساؤلات ستجيب عليها الأيام المُقبلة.

#نجلاء_لطفي.


الأربعاء، 19 فبراير 2025

روح بلا مرسى

 روح بلا مرسى

بقلم نجلاء لطفي



إهداء

إلى كل روح تائهة في الحياة ولا تجد لها مرسى ولا بر أمان.

1

ما أصعب الصيام في ذلك اليوم الحار، لكني اعتدت صيام يومي الاثنين والخميس إتباعًا للسُنة ورغبةً في نيل رضا الله، فمشقة الصيام أهون بكثير من عذاب النار. هكذا رباني والداي على تقوى الله ورغم وفاة والدي وأنا في العاشرة من عمري إلا أني مازلت أذكر صلواته وقراءته للقرآن ونصائحه التي كان يغمرني بها وكأنه يدرك أن دوره في حياتي قصير. بعد وفاته انتقلنا إلى بيت جدي لأمي وأقمنا مع جدتي في شقتها بينما يحتل كل واحد من أخوالي وخالاتي دورا خاصًا بهم.

 بعد وفاة جدتي طلب خالي الكبير منير من والدتي أن ننتقل إلى الدور الأخير الأقل اتساعًا بينما ينتقل هو و أولاده للدور الأرضي لأنه أكثر اتساعًا ولأن خالي مريض بالقلب ولم يعد يتحمل صعود السلم. وافقت أمي ولم تكن تملك حق الاعتراض حبًا في أخيها، ولأنها تعيش على مساعداتهم بالإضافة لمعاش أبي الضئيل. لقد تنازلت لأخويها عن حقها في محلات التجارة كما طلبا منها مقابل أن ينفقا علينا ولأنها لن تفقه أي شيء في الحسابات، فخافت من غضبهما فنفذت ما طلبا. فكان خالي منير الأكثر رأفة بنا فكان يعاملني كما يعامل ابنتيه مي وسما ويشتري لي معهما كل الأشياء التي أحتاجها، بينما كان خالي رشدي يكتفي بإعطاء أمي مبلغًا ضئيلًا كل شهر بتحريض من زوجته، كما أنه كان جاف المشاعر ومثله نشأ ابنه سامر وابنتيه سها ونهى.

لم تهتم أمي بجفاء أخويها فهي كانت تحب الجميع بلا قيود ولا شروط، بعكس خالتي نعمة التي كانت تحب خالي منير لطيبته هو وزوجته بينما تتصدى لزوجة خالي رشدي بقوة، وكذلك كانت ابنتها نهلة، أما هايدي ابنتها الصغرى فكانت شبيهة بأمي طيبة وتحب الجميع.

 نشأت بين تلك الأسرة الكبيرة وعلمتني أمي أننا جميعًا أخوة وعلي أن أحب الجميع، لكني كنت أدرك من يحبنا ممن لا يهتم بأمرنا إلا أني لم أتسبب في أي مشكلة مع أي منهم، فمادمت بلا أب فلن أجد من يقف بجواري ليحميني ويدافع عني فقد كنت أشعر دائمًا اليتم والانكسار.

تجنبت الجميع وغرقت في عالم القراءة والمعرفة، فقد نقلت أمي معنا مكتبة أبي فكنت أنهل منها وأتعلم في مختلف المجالات، فأصبح عقلي يفوق عمري. ساعدني حبي للقراءة على التفوق في دراستي واخترت الدراسة بكلية الفنون التطبيقية وتخصصت بقسم الملابس الجاهزة حيث كنت أعشق تصميم الملابس، واليوم أذاكر وأنا صائمة استعدادًا لامتحاني في الغد حتى أني أجلت الذهاب مع خالي منير وكل الأسرة إلى المستشفى حيث يجرى اليوم جراحة قلب مفتوح لأذاكر وسأمر عليه غدًا بعد الامتحان لأطمئن عليه.

بينما كنت مستغرقة في مذاكرتي شعرت ببعض الارهاق من تأثير الصيام فاستلقيت على السرير ولكني شعرت بجلبه في الخارج فخفت لأن الجميع قد غادروا مع خالي، فربما رآهم أحد اللصوص وقرر سرقة البيت وهو يظن أنه خاليًا. ارتجفت خوفًا وقررت أن أدعي النوم وأن أغطي جسدي ورأسي وخاصة مع سماعي لصوت اقتراب الخطوات، فدعوت الله أن ينجيني من كل شر. فجأة سمعت صوت باب حجرتي يُفتح ثم يُغلق وشعرت بجسد يقترب مني فأصابني الرعب حتى وجدته كشف عن وجهي فشهقت بفزع وعندما فتحت عيني وجدته سامر ابن خالي فقلت بخوف:

-ماذا تفعل في غرفتي؟ ولماذا لم تذهب معهم إلى المستشفى؟

فقال ونظراته الجائعة تتفحص جسدي وأنا بملابس البيت وشعر منسدلًا:

-جئت من أجلك مخصوص

فقلت بدهشة:

-من أجلي أنا؟

فقال وهو يقترب أكثر:

-حتى نكون بمفردنا وأتمتع وحدي بالجمال الذي أخفيته على الجميع

أدركت حالتي فجذبت الغطاء لأستر جسدي وشعري فقد كنت دائمًا محجبة بملابس واسعة بخلاف باقي بنات العائلة اللاتي يرتدين ما يحلو لهن داخل البيت دون مراعاة لوجود سامر بيننا،فجذب الغطاء بقوة وقال بحدة:

-لا يا حلوة أنا لم أتكبد كل هذا العناء حتى تخفي جمالك عني

فقلت وأنا أرتجف:

-ماذا تريد مني يا ابن خالي؟

فقال بغرور:

-سأجعلك تعرفين حجمك الحقيقي؟ ألم تخبري الجميع أني مجرد شخص تافه ولا قيمة له، وأنك لن تفكري في مثلي يوما لأنك تريدين رجلًا حقيقيًا؟ سأجعلك تعرفين من هو الرجل ومن أنت وأني رجل بحق.

اقترب مني وجذبني بعنف ليقبلني وأنا أقاومه بكل قوتي، لكنه كان الأقوى فصفعني بقوة ثم مزق ملابسي، وأنا أصرخ ولم أكف عن المقاومة وأدعو الله أن يُنقذني منه.بعد مقاومة شديدة مني ومواجهتها بالعنف منه خارت قوتي أمامه وفقدت قدرتي على المقاومة فخلع ملابسه واقترب مني فأغمضت عيني وقلت له بوهن من خلال دموعي:

-اتقِ الله أنا عِرضك وإن لم تكن خائفًا على عمتك، خاف على أختك فقد يبتليها الله بمن يفعل فيها ما تريد فعله معي ، وإن لم تكن تخشى على سُمعة أبيك فالله الذي تريد أن تنتهك حرماته أحق أن تخشاه وهو يراك وسيعاقبك أشد العقاب لما تريد فعله وخاصة وأني صائمة.

توقف وكأن كلماتي كانت بمثابة صفعة أفاقته، وارتدى ملابسه وانصرف وصفع الباب خلفه.

 لم أصدق أنا تركني بعد كل تصميمه على تحطيمي، سرعان ما استجمعت نفسي و نهضت مُسرعة وأغلقت الباب جيدًا خوفًا من عودته، واغتسلت وأنا أبكي بانهيار وبدلت ملابسي وأعدت ترتيب الحجرة حتى لا تكتشف أمي ما حدث فتصيبها صدمة تودي بحياتها.أمي كانت دائمًا ترى في سامر الإبن الذي لم يرزقها الله به وتحبه وتدعو له وتدافع عنه باستمرار فإن علمت بما فعله فلن يحتمل قلبها الصدمة فيجب علي أن أتكتم ما فعله بي أيضًا حتى لا تشمت بي فتيات العائلة أويتهمني والديه بمحاولة إغوائه بل قد تطردنا أمه من البيت حرصًا عليه. جلست على سريري أبكي بانهيار وأستغفر الله وأحمده على أن أنقذني من الفضيحة على يد سامر. أفقت من بكائي على صوت الهاتف فمسحت دموعي وأجبت أمي التي قالت بلهفة:

-حبيبتي مال صوتك لمَ البكاء؟

فقلت لأطمئنها:

-لا أبدًا لكني خائفة على خالي وأدعو الله أن ينجيه

فطمأنتني أنه خرج من العمليات وينتظرون إفاقته وأنها ستأتي على موعد إفطاري. حاولت أن أشغل نفسي بالمذاكرة لكني فشلت فظلت مشاهد العنف تتوالى على عقلي وتؤلمني، فنهضت واغتسلت وصليت وبكيت بين يدي الله ودعوته أن يسترني.

حاولت في اليوم التالي أن أركز في الامتحان لكني كنت مُشتتة فأجبت بالكاد بما يساعدني على النجاح، ثم ذهبت لزيارة خالي في المستشفى وأنا أرتجف من رؤية سامر. حمدت الله أنه لم يكن موجودًا هو ولا أسرته وذلك أثار تعجب الجميع وبعد عودتنا إلى البيت اكتشفنا غيابه لكن لا يعرف أحد مكانه وأمه تبكي وتنتحب. بعد منتصف الليل فوجئت برسالة على هاتفي ففتحتها فوجدتها من سامر الذي قال فيها:

(أسف على ما فعلته وما كنت أريد أن أفعله معك ، فلم أكن في وعيي ولأني غير قادر على مواجهتك بعد ما فعلت فقررت أبتعد عن البيت وقد أترك البلد كلها وأبدأ من جديد، أتمنى أن تسامحيني)

لم تؤثر في كلماته ولم أسامحه فهو لم ينتهك جسدي فقط ، بل انتهك حُرمة البيت، ولم يُراع صلة الدم بيننا، ولم يكن هو من يحميني كما يجب عليه، كما أنه دمرني ونزع مني ثقتي بنفسي وبالأخرين، لا لن أسامحه أبدًا، هكذا قررت.

انشغلت بباقي الامتحانات وقررت أن أبذل قصارى جهدي فيها حتى أعوض تقصيري في أول مادة، وعندما سألتني أمي عن الكدمات في جسدي أخبرتها أني شعرت بالدوار بسبب الحر والصيام فوقعت في الحمام فصدقتني. كان لاختفاء سامر تأثير جيد على نفسي فرؤيتي له كانت ستؤثر في سلبًا، لكني لم أتخلص من همسات البنات وتلامزهن وأن رفضي له هو سبب اختفاؤه وأنه كان ينوي أن يجعلني أخضع له بأية طريقة فلم أجبهم.

مرت بي الأيام وأنا أحاول تجاوز تلك الصدمة ولكن ألمها ظل باق وله تأثير كبير على نفسي لكني تجاهلته وادعيت النسيان،ونجحت وتفوقت في دراستي .كنت أرفض كل عريس بحجة أنه سيعطلني عن دراستي وأمي ترجوني أن أتزوج في حياتها حتى تفرح بي وأنا أماطل بحجة الدراسة لأني مازلت أخشى اقتراب أي رجل مني. فمازالت صورة سامر وهو ينتهكني بالقوة ترعبني وتجعلني أنفر من قرب أي رجل، حتى أني كنت كثيرًا ما انهض من نومي مفزوعة وأنا أرى سامر ينتهك جسدي.

بعد تخرجي بفترة بسيطة مرضت أمي لعدة أيام بقلبها ثم توفاها الله فكانت صدمة شديدة على قلبي فهي كانت كل من لي في تلك الحياة، الأم والسكن والأمان والصديقة، فكيف سأحيا بعدها، كان كل ركن في البيت يذكرني بها وتنهمر دموعي. حاولت التماسك وخرجت من البيت إلى العمل ولكن عند عودتي كنت دائمًا أبحث عنها وعن ابتسامتها الحنون وحضنها الدافىء الذي يحتويني ويضمد جروحي فلا أجدها فتغلبني دموعي. زاد من ألمي أن الكل انشغل عني بحياته ولم يعوضني أحد حنان أمي بحجة أني كبيرة و يجب أن أتجاوز أحزاني وكأن الكبار لا يتأثرون بغياب الأم.

 أرسل الله لي الفرج على شكل منحة لدراسة الماجستير في إحدى جامعات ميلانو، فأعددت أوراقي للسفر ولم يهتم بي أحد فالكل منشغل بحياته ، فقط أوصتني خالتي أن أنتبه لنفسي وأن أظل متمسكة بما علمته لي أمي من قيم وأخلاق. أخبرني خالي منير أن أرسل إليه إن احتجت شيئًا، أما خالي رشدي فلم يبالي بي أصلًا فقد انقطعت صلته به ماديا ومعنويا بوفاة أمي وكأني كنت عبئًا عليه وسعد بتخلصه مني.

سافرت وأنا أبحث عن السلوى والنسيان وقررت إن وجدت فرصة عمل مناسبة ألا أعود فلمن أعود فمن كنت أبقى لأجلها غادرت وتركتني وحيدة والكل لا يبالي.بدأت حياتي بعد أن حصلت على سكن جامعي مع فتاة عربية ، ونزلت إلى الجامعة للتعرف على ما يجب علي دراسته وتعرفت على أساتذتي ومناهج الدراسة ولكني مازلت أشعر بالارتباك لاختلاف البيئتين، إلا أني أصررت على التأقلم.

ركبت المترو وأنا بكامل انتباهي حتى لا تفوتني المحطة القريبة من السكن وأثناء نزولي من المحطة اصطدمت بشخص فاعتذرت بالإيطالية- التي تعلمت بعض كلماتها لأتعامل مع الناس- وانصرفت فوجدت من يناديني بالعربية:

-تقى

فالتفت بذهول فوجدته سامر فارتجف جسمي وابتعدت عنه بخوف فقال بدهشة:

-ماذا تفعلين هنا يا تقى؟

فقلت بتوتر:

-أدرس

فقال بتعجب:

-بمفردك؟

فقلت له :

-نعم بمفردي،استأذنك في الانصراف

فقال :

-أنتظري، في أي جامعة تدرسين؟ وأين تسكنين لأطمئن عليك؟

فقلت ساخرة:

-اطمئن يا ابن خالي سأكون بخير مادمت بعيدًا عني، وأنت أخر شخص في العالم أفكر في اللجوء إليه والاحتماء به، فهل يحمي الذئب الشاة؟

انصرفت وتركته وعلامات الذهول على وجهه، وأسرعت في خطواتي خوفًا من لحاقه بي وتهجمه علي. لم أشعر بالارتياح إلا بعد أن وصلت السكن وأغلقت الباب جيدًا. أخبرتني شريكتي في السكن أنهم يحتاجون لفتاة للعمل في السوبر ماركت الذي تعمل فيه بالتبادل معها فوافقت لأني أحتاج إلى تعلم اللغة الإيطالية كما يمارسها أهل البلد لا كما تعلمتها في دورة تعلم اللغات التي التحقت بها قبل السفر. كذلك أحتاج إلى مال معي ليغطي نفقاتي فالمنحة لا تغطي نفقات الطعام وقاربت مدخراتي على النفاذ.

وفقت بين دراستي وعملي وتأقلمت مع الجو العام ووجدت الإيطاليين شعب بشوش وقريب من المصرين فأراحني ذلك لكن ما كان يؤرقني هو ظهور سامر كل فترة. فمرة أراه في الجامعة ويخبرني أنه يستكمل دراسته التي أهملها في مصر. وأراه مرة أخرى في السوبر ماركت ويبدو متفاجئًا من عملي هناك ويعرض علي المال فأرفض بشدة. كان يحاول أن يبدو لطيفًا ويقوم بدور القريب الذي يرعى قريبته أو ربما يحاول تعويضي عما فعله بي، ولكنه لا يدرك أني في كل مرة كنت أراه فيها كانت تتجدد أحزاني وآلامي وتتراءى لي مشاهد عنفه معي الذي ظننت أني نسيتها.

2

حان موعد الكريسماس وكان الجميع في أجازة وأنا ليس لي مكان أذهب إليه، حتى رفيقتي في السكن استغلت الأجازة للسفر لبلدها لرؤية أهلها وأنا ليس لي أحد فقررت أن أستغل الأجازة في مذاكرة ما فاتني. فوجئت في أحد أيام العطلة بسامر يتصل بي على هاتفي وأنا لم أمنحه رقمي وطلب مني أن أقابله في المنتزه القريب فرفضت بشدة فألح علي ولما رفضت قال بجدية أنه سيصعد إلي إن لم أنزل إليه فارتجفت ورجوته ألا يفعل وأخبرته أني سأنزل إليه فورًا.

ذهبت إليه وأنا شاحبة وأرتجف خوفًا من أن يتهجم علي ولكني كنت أدعي الشجاعة فنظر إلي بحزن وقال:

-أمازلت خائفة مني يا تقى؟ لقد كنت شابًا صغير السن و طائشًا، لكن الغربة علمتني الكثير و غيرتني، وبصراحة رغم مرور السنين لم أستطع أن أسامح نفسي على ما فعلته معك وكنت مدركًا أنك لم تسامحيني لكن قلت بالتأكيد الزمن أنساك كل ما حدث لكن واضح أنك لم تنسِ ما فعلته ولا عندك أية ثقة في.

نظرت إليه بألم كل السنوات الماضية وأنا لا أصدقه فقال برجاء:

-اعتذر لك عن كل ما فعلته معك وعن الألم الذي سببته لك طوال السنين الماضية و أتمنى أن تنسي ما فات وتعتبريني ابن خالك وسندك في الغربة.

سكت ولم أجب فقال بحزن:

-واضح أن ثقتك معدومة في وأنه لا فائدة من الكلام وبالطبع معك حق لكن أريدك أن تعرفي أنك إن احتجت أي شيء أنا بجوارك ورقمي الذي حدثتك منه احفظيه لديك حتى لو لم ترغبي في الحديث معي.

انصرف وبقيت مكاني ومشاعري تتأرجح بين طبيعتي المسامحة وبين الخوف من خداعه والألم الذي تسبب لي فيه، فكنت حائرة لا أعرف ماذا أفعل. أفقت من شرودي على صوت إطلاق نار فجريت مسرعة تجاه الصوت بدون تفكير في الخطر. وقفت مصدومة للحظات عندما وجدت جسد سامر مفترش الأرض والدماء تسيل منه، ولكني أسرعت تجاهه فوجدته غائب الوعي. طلبت من هاتفي رقم الإسعاف وأنا أدعو الله أن ينجيه فمهما كان بغضي لما فعله فلا أتمنى له الموت.

جاءت سيارة الإسعاف فرافقته فيها حتى وصلنا إلى المستشفى ودخل غرفة العمليات. بقيت واقفة خارج غرفة العمليات ولا أعرف ماذا يمكنني أن أفعل ومن يجب أن أخبره، فأنا لا أعرف هنا أحدًا ولا أعرف إن كان متزوجًا أم لا. دعوت الله كثيرا حتى خرج من العمليات وأخبرني الطبيب أنه بخير ولكنه يحتاج إلى عناية فائقة حتى تستقر حالته وأني يمكنني الانصراف الآن وأن أعود في الغد.

حمدت الله على نجاته ونويت إن نجا من ذلك أن أسامحه فالخوف الذي رأيته معه لا يُقارن بخوفي من فقده فمهما كان بيننا صلة دم.

في اليوم التالي ذهبت إليه في المستشفى وكان ما يزال في العناية ولكنهم سمحوا لي برؤيته فدخلت ووقفت بجواره ولم أستطع منع دموعي من الانهمار. أفاق حينها ونظر إلي بوهن وقال:

- هل أنا ميت وأنت تبكينني؟

فقلت من خلال دموعي:

-الحمد لله أنك عدت إلى وعيك فقد كنت أخشى موتك

فقال بضعف:

-لا تخافي فأنا مازلت على قيد الحياة

مرت الأيام وأنا أزوره باستمرار في المستشفى وأحضر له ما يريده، حتى انتهت العطلة وكان تحسن إلى حد ما فأخبرته أني سأغيب بسبب دراستي وعملي فظهر الضيق على ملامحه فقال:

-طالما تكرهينني إلى ذلك الحد لماذا لم تتركيني أموت؟

فقلت بألم:

-أنا لا أكرهك لكن أكره تصرفاتك وخاصة ما فعلته معي في الماضي فقد أوجعني كثيرًا وترك في نفسي أثر لا يُمحى، لكن مهما كان ما حدث بيننا فإننا أقارب ومستحيل أن أتركك تموت وأنا أقدر أن أساعدك، فأنا لن أفعلها حتى مع الغريب.

فقال برجاء:

-هل يمكن أن يأتي يوم و تسامحيني؟

لم أجبه إنما تركته وانصرفت وعندما وصلت إلى سكني أرسلت له رسالة أخبره فيها أني سامحته.

بعد أن خرج من المستشفى كنت أرسل له احتياجاته مع حارس العقار الذي يسكن فيه وكان يتحدث معي في الهاتف ويشكرني أو يخبرني بما يريد في اليوم التالي ويصر أن يدفع لي ثمنه. توطدت العلاقة بيننا حتى أني لم أعد أخشاه بل بالعكس اعتدت وجوده في حياتي وكنت أحرص على لقائه أو الحديث معه بشكل مستمر.

عاد لممارسة حياته لكن لم تنقطع صلتنا وفوجئت به بعد نهاية العام الدراسي يطلب الزواج مني، فكانت صدمة كبيرة لي فلم أتوقع منه هذا ولم أعرف بم أجيب. حقًا اعتدت وجوده في حياتي ولمست التغييرات التي حدثت في شخصيته لكني كنت أتعامل معه كصديق أو قريب ولكني لا أعرف هل هذا كافٍ للزواج به؟ لما رأى صمتي سألني:

-أنت مازلت خائفة؟ أم أنك ترفضين الارتباط بي؟

فقلت بصراحة:

-متفاجئة من طلبك

فقال:

-أنا لا أتعجل ردك، خذي كل ما تحتاجين من وقت للتفكير، ومهما كان ردك فأنا سأتقبله

فقلت له:

-أنا مصممة على إكمال دراستي وعلى أن أعمل

فقال:

-موافق، فكري وفي انتظار ردك

لم أكن أعرف بم أجيبه فكان بداخلي اضطراب كبير فمازالت ذكريات الماضي تؤلمني، لكني في الوقت ذاته أشعر بتغييره الكبير وشخصيته الجديدة نالت اعجابي. لم يكن لي أحد لأستشيره ويفيدني برأيه ولم أكن أستطيع التصريح بما فعله معي في الماضي، كذلك كنت أشعر بالوحدة في هذا المجتمع ووجود سامر في حياتي هون علي الكثير كما أني صرت أستمتع بصحبته واهتمامه. استخرت الله ثم قررت الموافقة واشترطت عليه أن ننزل لمصر ليشهد أهلنا زواجنا ولأتأكد من جديته وأنه لا يتلاعب بي. رفض بشدة في البدلية ولكني أصررت وإلا فلن يتم الزواج فوافق وسبقني إلى بيت العائلة ليمهد لهم حتى أنتهي من بعض الشئون الدراسية. عرفت من خالتي فيما بعد أن والدته رفضت بإصرار زواجنا ولكنه صمم وأخبرها إن لم يتزوجني فلن يتزوج فوافقت مضطرة. بالطبع شعرت بجفائها هي وإخوته، وكذلك غيرة باقي بنات العائلة ولكني لم أهتم فهو كل من أريد، كما أني لن أعيش معهن.

3

تزوجت سامر وتحديت كل مخاوفي ورجوته أن نرجئ إتمام الزواج حتى عودتنا إلى إيطاليا فوافق، كنت خائفة أن تطاردني ذكريات الماضي وتكدر صفو حياتنا خاصة في البيت الذي شهد مأساتي. عدنا بعد عقد القران بيومين إلى إيطاليا وانتقلت إلى الإقامة معه في شقته. بمجرد أن لمسني شعرت بارتجاف جسدي رغمًا عني وبدأت أبكي وأصرخ بشكل هيستيري، فابتعد عني وظل يطمئنني بالكلام ويخبرني أنه لن يؤذيني. هدأت قليلًا وشعرت بالخجل مما فعلت لكنه كان شئ رغم عن إرادتي، فأخبرني بلطف أنه سيطلب لنا الطعام وأننا في الغد يجب أن نتابع مع طبيب فوافقته. قضيت ليلتي مستيقظة وكل ذكريات الحادث تداهمني باستمرار وأنا أحاول الهروب منها بلا فائدة، بينما قضى ليلته في الخارج على الأريكة وترك لي غرفته.

 اصطحبني في اليوم التالي إلى طبيبة وشرح لها حالتي ولحسن الحظ كانت الطبيبة من أصول عربية فطلبت من سامر أن يتركنا بمفردنا وحكيت لها ما حدث وما تركه من أثر في نفسي فأخبرتني أن حالتي تحتاج إلى علاج على جلسات وأن الجزء الصعب من حالتي قد انتهى وأني تجاوزته بصلابتي وقوة إيماني.

مضت حياتي فيما بعد مع سامر وكأننا شريكي سكن ولكنه كان متفهمًا وصبورًا لأقصى درجة مما أشعرني بالخجل من نفسي ومنه. انتظمت على متابعة الجلسات حتى أخبرتني الطبيبة أني تجاوزت صدمتي وأني يجب أن أحيا حياتي بطريقة عادية وأن شفائي سيكتمل عندما أمنح سامر الفرصة لأن يصبح زواجنا حقيقيًا.

كنت أشعر بالامتنان تجاهه لأنه احتملني كل تلك الفترة وقررت أن أكافئه بأن أعبر له اليوم عن تقديري وامتناني وأن أمنحه نفسي وقلبي وأعبر له عن امتناني له. عدت إلى البيت وأعددت له الطعام وارتديت ملابس مفتوحة أكثر مما اعتدت وبدأت أتلطف معه في الكلام بل وتقبلت لمسته وقبلته في وجنتي بدون ارتجاف أو نفور.

 ذهبت لأعد العشاء وعندما عدت سمعته وهو يقف في الشرفة ولا يدرك أني قريبة منه وكان يتحدث مع الطبيبة ويخبرها أني بدأت أتغير معه وأتقبل لمساته فقالت له من خلال مكبر الصوت الذي فتحه بلا قصد أنه كان سبب رئيسي لشفائي وأن تعمده الظهور في حياتي وإظهار حبه واهتمامه وإصراره على تعويضي عما فعله كان سبب كبير في شفائي وموافقتي على العلاج النفسي. كانت صدمتي أنه فعل ذلك وادعى حبي لإحساسه بالذنب وعندما علم أنه لا علاج لحالتي إلا بالعلاج النفسي ففكر في الزواج مني حتى أقبل بالخضوع للعلاج.

أصابني الذهول فقد أدركت أن كل مشاعره وكلامه مجرد كذبة اضطر إليها لإحساسه بالذنب تجاهي، وأن لم يحبني يومًا إنما أراد فقط أن يريح ضميره خاصة عندما علم من اتصالاته بأهله رفضي التام للزواج بلا سبب. أنهى المكالمة والتفت فوجدني وقبل أن يتكلم قلت له بمنتهى الصرامة:

-شكرًا لك يا ابن خالي على تعبك معي، ولو كنت أعرف أنك تشعر بالذنب هكذا لكنت أرحتك من البداية وقلت لك لا تبذل كل هذا الجهد في تلك التمثيلية السخيفة لتريح ضميرك، هل تعرف أنك في المرتين قتلتني بأنانيتك، المرة الأولى غرورك لم يسمح لواحدة مُعقدة كما كنت تطلق علي أنها ترفضك فقررت أن تكسرها و تأخذ منها غرضك رغمًا عنها،و لولا ستر ربنا لكنت الآن منبوذة من الجميع فمجتمعنا بلوم الضحية لا الجاني وهذا طبعًا غير مهم بالنسبة لك.

 والمرة الثانية ضميرك كان يؤنبك فقررت أن تريحه على حسابي أيضًا، وتدعي أنك تحبني وترغب في الزواج مني لتعالجني وتحل عقدتي رغم أنك كان بإمكانك أن تتكلم معي بالعقل وتقنعني بالعلاج النفسي، لكن الكذب بالنسبة لك أسهل وأقصر طريق للوصول إلى غرضك، لكن ياترى ماذا كنت ستفعل بعد ذلك؟ هل ستجعلني أتعلق بك وتطلقني وتشمت الناس بي؟ أم كنت ستعيش معي وأنت تخدعني لكن بإمكانك أن تعوض ذلك مع غيري وتخونني؟

فقال بحزن مدافعًا عن نفسه:

-لم أفكر أبدا أن أضرك كل ما فكرت فيه كيف أساعدك لتتخلصي من عقدتك و أكفر عن ذنبي، لكني لم أقصد أية إساءة أو ضرر وكنت على استعداد لأن أفعل أي شيء لتعويضك عما حدث.

سكت للحظات ثم قلت:

-للأسف لم تتغير، فكل ما تفكر فيه هو نفسك وما تريده فقط لكن مشاعر الناس ورغباتهم لا قيمة لها عندك، ألم تفكرفي سمعتي عندما يحدث الطلاق بعد فترة بسيطة؟ ولا فكرت في مشاعري عندما أعرف أنك كنت تخدعني؟ كل ما فكرت فيه كيف تريح ضميرك أنت فقط، ألم تخبرك الطبيبة أنك تحتاج لعلاج نفسي أيضًا؟ ليتك لم تظهر في حياتي بل ليتني لم أعرفك يومًا.

ثم أضفت بقوة:

-أريدك أن تطلقني حالًا، أنا لا أستطيع أن أعيش معك للحظة واحدة بعد الآن

حاول أن يُثنيني عن قراري كثيرًا ولكني رفضت وأصررت على ما أريده فوافق أخيرًا بعد أن رأى إصراري واتفقنا على الطلاق في الغد.

 قضيت الليلة أبكي وفكرت في التراجع خوفًا من اتهامات الناس التي لن ترحمني وخوفًا من الوحدة، كما أني لن أستطيع الوثوق في أي رجل مرة أخرى، لكني تذكرت أنني فقدت أيضا ثقتي به تمامًا. كم تمنيت لو كان صارحني بما يجول في عقله لكان رحمنا مما وصلنا إليه الآن.

في الصباح نفذنا الطلاق وعندما اتصلت بزميلة السكن أخبرتني أنها وجدت شريكة لكنها تعلم أن زميلتها في العمل تبحث عن شريكة سكن فوافقت بدون تفكير فأنا أريد الابتعاد عنه. انتقلت من بيته وأنا بقلبي جرح جديد لا أعرف كيف أداويه، لذا قررت اللجوء للطبيبة لأشكرها وأخبرها بما أصاب قلبي وكيف العلاج أخبرتني بالانشغال في عمل أو دراسة.

لجأت كعادتي إلى الله فالإيمان هو ما يحميني من الانهيار بعد كل صدمة قوية، وانشغلت بالدراسة بجوار عملي حتى تخرجت ووجدت فرصة عمل مناسبة وحققت النجاح الذي كنت أصبو إليه في الحياة، لكن قلبي مازال خائفًا من كل الرجال. أخشى من الرفض والخداع، أخشى من الذلان والكسر الذي لن يلتئم مرة أخرى. كانت روحي تائهة وضائعة في بحور الحياة، كقارب صغير في بحر متلاطم بلا مرسى أو بر أمان لكن هل سأجد في يوم من أشعر معه بالأمان؟ من يداوي جراح قلبي؟ أتمنى ولكن حتى أصل إلى ذلك سأظل روح بلا مرسى.

تمت

20-7-2022


الجمعة، 13 سبتمبر 2024

عام مضى



 قرأت ذات مرة عبارة تقول أن الحزن يولد كبيرًا ويتضاءل كلما مر عليه الوقت، لكن كاتبها لم يخبرنا أن الحزن على فراق الأحبة لا يتضاءل ولو لحظة واحدة، ولا أن وجع الفراق لا يخبو بمرور الزمن.

أخبروني يا أمي أني سأعتاد فراقك وأتجاوز حزني عليك ولكن هاهو عام مضى ولازالت أشعر بالألم يكاد يفتت كبدي، وأني وحيدة ضائعة في هذه الحياة بدونك.

كانت حكمتك نبراسًا يُنير لي دربي ويهديني لفعل الصواب، ودعواتك كانت ملاكي الحارس الذي يحميني من كل شر، وبدونهما يا أمي أنا تائهة أتخبط في دروب الحياة ولولا ما سلحتني به من أخلاق وحسن ظن بالله لضللت الطريق.

لم أكن أتخيل وأنا في مثل عمري هذا أني سأشعر بكل هذا الضياع بدونك، لقد كنتِ تظنين أنك في كبرك تستندين علي ولا تدركين أني أنا من أستمد قوتي من وجودك ورضاكِ ودعواتك، أنا من كنت ولازلت أحتاج إليك رغم وهنك ولكن ابتسامة رضا منك كانت كافية.

لست معترضة على قدر الله يا أمي فقد علمتني الرضا بقدر الله، ولكني أفتقدك وفاض بي الوجع. في الماضي كنت أخفي عنك أحزاني حتى لا تتألمي من أجلي، لكني اليوم لم أعد قادرة على إخفاء وجع الفقد والحنين لدعواتك وصوتك في صلواتك وتسبيحك وترتيلك القرآن.

قد تكون افترقت أجسادنا يا أمي لكنك تسكنين روحي ولقد أصبحت نسخة أخرى منك وأحاول السير على درب الصبر والتسامح وقوة الإيمان مثلك.

سامحيني يا أمي إن كنت أثقلت عليك بآلامي وحنيني ولكني سعيدة لأنك نُلت الراحة من كل الأوجاع وأنا على يقين أنك بين يدي رب رحيم،فإلى اللقاء يا حبيبتي وحتى نجتمع في جنات النعیم إن شاء الله ستظل ذكراكِ محفورة في قلبي.

نجلاء لطفي

١٣ سبتمبر ٢٠٢٤



الاثنين، 2 سبتمبر 2024

 مغرور حبيبي



عبدالحليم يشدو (مغرووور حبيبي كتير عايز أكلمه عايز أقوله كلام يهديه يفهمه مارضيش يسمعني مغرورمارضيش يفهمني مغرور هاسيبه للأيام وهي تعلمه
ما أروعك يا عندليب عندما تعبر عن أحوال المحبين فحقا هو مغرور بنفسه كثيرا ، مغرور بوسامته ، مغرور بنجاحه في عمله، مغرور بموهبته الأدبيه المميزه التي تجذب نحوه الفتيات ويتهافتن على أن يكن حبيباته اللاتي يخلدهن في قصصه وقصائده، مغرور بشهره رفعته لمصاف النجوم، وفي غمرة غروره داس قلوبا عشقته بإخلاص وتفانٍ لا مثيل له، ونسى روحا أسكنته وجدانها ونفسا تلاشت حتى يصل هو للقمه.
بذلت الكثير لأنقذ حبنا من غروره ولكنني كلما بذلت وضحيت طالبني بالمزيد وكأنه حق مكتسب، وكأن التضحيه هي فرض علي فقط ، هجرني حتى ذبلت زهور حبي بل وتمادى في تجبره على قلبي العاشق بالخيانه. كم جرحني بمغامراته التي لاتخفى على الجميع، كم أعلن للناس أنه لا يحب أحدا وأن كل تلك القصائد لمجهوله في خياله -رغم أنها قصائد كتبها عندما كان شاعرا مجهولا في حبي أنا- لم يجدها بعد.
كان يذوب في حبا عندما كان مجهولا مغمورا لايعرفه أحد وعندما ساعدته بعلاقات والدي وأقاربي للوصول للشهره تناسى حبي بل وتناسى ديوانه الأول الذي بعت سلسلتي الذهبيه من أجل نشره وسعيت لدى الجميع للإشاده به.
تحملت منه ومن أجله الكثير والكثير من الألم والنكران حتى فاض بي الكيل من غروره وتجاهله لقلبي العاشق ولروحي التي كانت دائما ما تهفو إليه ، وسئمت أنانيته التي تفوق الوصف فهو لايفكر إلا في نفسه ولايرى سواها في الكون تستحق الحب، سأبتعد وأتركه لمعجباته ومغامراته التي يتحاكى عنها الجميع مع ممثلة الإغراء التي ستمثل أحد قصصه كفيلم سينمائي، ومع المغنيه الشابه التي ستغني إحدى قصائده ومع غيرهن حتى يُرضي غروره الذكوري، وعندما يمل من تلك الحياه وتنحسر عنه الأضواء ويبحث عني فلن يجدني ، فقد عافه قلبي ولفظته روحي ، سأتركه حقا للأيام حتى تعلمه ،فأنا إمرأه لرجل واحد وكما لن أكون لغيره لا أقبل أن تشاركني فيه أخرى، أما هو فقد صار في الحب يعرف أرقاما متعدده بينما مازلت لا أعرف إلا رقم واحد.
#نجلاء_لطفي

 

الأربعاء، 28 أغسطس 2024

شاعر افتراضي

 


 

قصة بقلم نجلاء لطفي

 

عرفته شاعرًا في منتديات الفيسبوك ،كان متمكنًا من كلماته التي تصيب سهامها القلوب مباشرة. إنه يكتب أشعارًا عن الحب تُذيب القلوب و تلهب المشاعر ،مما يجعله ينال إعجاب كل الفتيات والنساء في كل المجموعات الثقافية المشترك بها ،وكلهن يتهافتن على كتابة كلمات الاطراء والمديح على منشوراته. كان بارعًا في التلاعب بالكلمات كيفما يشاء ، فتارة يكتب قصيدة حب تُذيب القلوب وتظن كل واحدة أنه يقصدها هي وتتمنى أن يغرق في عشقها ويخلدها بقصائده. بينما تارة أخرى يكتب خاطرة عن مُلهمته التي لم يبُح باسمها ،و تارة ثالثة يكتب قصة حب مُلتهبة تُثير غيرة كل رجال المنتدى بسبب تعلق النساء به وبكلماته الساحرة.

 إنه في كل مره يتقمص دور العاشق و كأنه مجنون ليلى مما يزيد  من جنون الفتيات و حلمهن به  و تعلق النساء به ،خاصة وأن تعليقاته على كلمات إعجابهن توحي لكل واحدة أنها  هي وحدها المميزة عنده وأنها من يقصدها بكلمات الحب والغزل التي تُذيب أعتى القلوب صلابة.
كان لدي فضول تجاهه كبير،فكنت أريد أن أعرف من هو وكيف هي ملامحه و ما هي حقيقته فكم يضع الناس أقنعة تخفي حقيقتهم على وسائل التواصل الاجتماعي. عرفت من حواره مع أحد أصدقائه في أحد المجموعات الثقافية أنه معلم لغة عربية في مدرسة ثانوية في نفس مدينتي فوجدتها فرصة سانحة لأتعرف إليه عن قرب دون أن يعرف من أنا.

قررت أن أذهب إليه بحجة إعطاء درس في اللغة العربية لأخي  الصغير لأراه وأتعامل معه عن قرب و من خلال ردوده وطريقة كلامه ربما أعرف حقيقته. قد يكون الفضول هو ما دفعني لذلك كما حاولت إقناع نفسي ، و ربما ما دفعني لذلك أني تعلقت برومانسيته وكلامه الرقيق كغيري فقد حركت كلماته المياه الراكدة في أعماق روحي فأردت أن أتأكد من حقيقته قبل أن أغرق أكثر في بحور الحب ،و قبل أن أتعلق في أحبال الوهم التي قد تخنقني يومًا ،أو تنقطع وتكسرني. فأنا خليط من الرومانسية والعقلانية ولا أسمح لقلبي أن يمشي في طريق يرفضه عقلي وقد يكون فيه هلاكي.
ركبت المترو متجهة إلى مدرسته على الطرف الأخر من المدينة وطوال الطريق كنت أفكر في ملامحه كيف ستكون ؟هل يبدو وسيمًا كما هي صورته على الفيسبوك؟ هل هو في الثلاثينات كما يقول حقًا؟هل هو رومانسي في حياته وطريقة كلامه فعلا؟

 أسئلة ظلت تشغلني حتى وصلت إلى محطة مدرسته ونزلت من المترو وسألت عن مكان المدرسة وكلما اقتربت كان قلبي يخفق بقوة. ترددت للحظات وفكرت في التراجع لكن فضولي كان أقوى مني. استكملت طريقي وعندما وصلت إلى المدرسة سألت عنه فأشار أحد العاملين إلى أحد الأشخاص. نظرت إليه والمفاجأة تكاد تعصف بكل كياني فقد كان يجلس في الشمس بكرش يتدلى أمامه ورأسه صلعاء ويبدو من شكله أنه على مشارف الخمسين من عمرهقتربت بهدوء وأنا على يقين أن هناك خطأ ما،سألته بصوت متردد : 
ل أنت الاستاذ علاء حمدي ؟
لم يرفع نظره إلي إنما أخذ قطعة كبيرة من ساندويتش الفول ملأت فمه وأتبعها بقطعة مخلل حشرها فيه حشرًا ثم قال بصوت مكتوم من كثرة الطعام وهو ينظر إلي بتقييم :
-هو أنا ماذا تريدين ؟
كدت أفقد النطق من هول المفاجأة و المنظر المُناقض تمامًا لما تخيلته عنه ، لكني تمالكت نفسي وقلت بتوتر :
-أرسلني والدي لأنه سمع عن مهاراتك في اللغة العربية ويريدك أن تعطي أخي درسًا لتقويته فيها.
فقال منتشيًا وهو يلتهم الجزء المتبقي من الساندويتش : 
-سأخذ مائتي جنيه سواء كان بمفرده أو معه آخرون بلا فصال.

فقلت له والذهول يعتريني من ماديته التي لا تتفق نهائيًا مع رقة مشاعره التي يغدق بها كل نساء الفيسبوك : 

-أرجو أن أحصل على رقم موبايلك ليتفق معك والدي على الموعد.
أخرج من جيبه كارتا وأعطاني إياه دون أن يرفع نظره عن الطعام الذي انقض عليه  يلتهمه  بشكل مُنفركما يلتهم الأسد فريسته بلا رحمة .

خرجت من المدرسة وأنا في حالة ذهول تام و عقلي يرفض تصديق ما حدث فلابد أن هناك خطأ ما . ربما تشابه اسمه مع شخص أخر أو ربما ذهبت إلى مدرسة أخرى. قررت قطع الشك باليقين فاتصلت على الرقم الذي منحني إياه وقلت بصوت رقيق :
-أستاذ علاء انا إحدى معجباتك على الفيس بوك وأنا عاشقة لأشعارك وأتمنى أن أراك.
فتحول في لحظات صوت وحش الساندويتشات إلى صوت كروان يغرد وتحدث معي بمنتهى الرقة وكأنه شخص أخر، فتأكدت أنه هو و لكنه ممثل بارع يُجيد الخداع والتلون .أنهيت المكالمة سريعًا وأنا أقول لنفسي كم من قناع نرتديه في كل مكان لنخفي حقيقتنا !هل نفعل ذلك بسبب قبح الحقيقة التي ندركها جيدًا ؟ أم لأننا نعشق الكذب والخداع؟

كان الواقع فيه بعض الكذب والخداع فجاء إلينا العالم الافتراضي على وسائل التواصل الاجتماعي بكل الخداع والتضليل.

تمت
#نجلاء_لطفي

حيرت قلبي

 حيرت قلبي معاك

 

بقلم : نجلاء لطفي



 

أجلس في حجرتي أستمع لأم كلثوم وهي تشدو برائعتها حيرت قلبي وتقول من كل قلبها (وعزة نفسي مانعاني) فأقول وأنا أحدثها:

-أه والله لولا عزة نفسي كنت جريت عليه واعترفت له بحبي وحكيت له على ليالي الشوق والسهد والانتظار

دخلت أمي الغرفة وقالت:

-مالك يا أميرة بتكلمي نفسك؟

-لأ يا ماما بكلم أم كلثوم

-وردت عليكي؟ سلامة عقلك اقفلي الأغاني وانتبهي لمذاكرتك

-يا ماما إنتي عارفة مش باعرف أركز غير وأنا باسمع أم كلثوم وإن شاء الله السنة دي هانجح وأكون من الأوائل زي كل سنة

-يارب يوفقك يا بنتي

خرجت أمي ونظرت للنافذة فوجدت عمر أضاء نور غرفته فأسرعت تجاه النافذة وأنا أغني بصوت خفيض مع أم كلثوم وأقول:

-ياقاسي بص في عينيه وشوف إيه انكتب فيها دي نظرة شوق وحنيه ودي دمعة باداريها...ياترى هيحس بيه في يوم من الأيام؟؟!

كان عمر جارنا في العمارة يكبرني بخمسة أعوام وتخرج من الجامعة ورفض العمل مع والده الثري وفضل العمل في بنك ثم استقال منه وأسس شركة دعاية وإعلان خاصة به رغم معارضة أهله. كنت أعرف كل المعلومات عنه من خلال صداقة والدته سيدة المجتمع الراقية طنط ناني مع والدتي لأنهما كانتا زميلتان في الجامعة وكلتاهما تزوجت في شقة والدها ورفضت طنط ناني مغادرة عمارة الدقي رغم امتعاض زوجها وعمر وأخته لميس التي سافرت مع زوجها لكندا. وأخيرا قرر زوجها شراء أرض في التجمع وبناء فيلا هناك شارفت على الانتهاء وترعبني فكرة مغادرتهم وأني لن أرى عمر مرة أخرى.

رغم أن مستوانا الاجتماعي والاقتصادي أقل منهم لكن دائما كانت طنط ناني شديدة التواضع بعكس لميس المغرورة كالطاووس فهي جميلة وثرية ومحط أنظار الجميع وإعجابهم فكانت دائمة التعالي على الجميع، أما عمر فهو شخص عادي يتعامل مع الجميع بتلقائية كما أنه دائم الابتسام والمرح وهل أوقعني في غرامه إلا تلك الابتسامة الساحرة؟ لم يكن وسيما إنما كانت به جاذبية لم أستطع مقاومتها لا أدري هل سرها في بشرته البرونزية أم في عيونه السوداء أم في شعره الأسود المجعد أم في طول قامته وجسده الرياضي؟ لا أعرف ولكن كل ما أعلمه أني مُتيمة بحبه.

كنت أعرف كل مواعيده فكنت أحيانا أتعمد أن ألقاه على السلم لألقي عليه التحية وأشبع من نظرات عينيه وأحيانا كنا نتبادل حديثا سريعا عن دراستي فكان يكفيني ذلك وأقول لعله يرى في عيناي حبي ولهفتي.

كانت أمي معتادة في كل المناسبات أن ترسل لوالدته الأطباق التي تحبها فاليوم كان يوم عاشوراء وأصرت الدتي قبل نزولي للجامعة أن أمر على والدته لأعطيها طبق عاشوراء أمي المتميز فوافقت وأنا أعلم أنه غير متواجد بالبيت في هذا الوقت. قرعت الجرس وبعد دقائق فتح لي الباب وأثار النوم بادية على وجهه فارتبكت وقلت :

-صباح الخير أنا أسفة على إزعاجك ياترى طنط موجودة؟

فقال بخمول:

-مش عارف خشي شوفيها

تركني ودخل وألقى جسده على أول كرسي قابله وأمسك رأسه وأغمض عينيه، دخلت بحذر وتركت الباب مفتوحا  ووضعت الطبق على أقرب منضدة ثم أردت أن أغادر لكن قلبي لم يطاوعني فسألته:

-مالك؟

فقال بألم:

-دماغي هتنفجر من الصداع

-خد لك قرص مسكن مع فنجان قهوة وهتبقى كويس سلام

-أميرة أن تعبان جدا وماما باين خرجت ممكن تعملي لي القهوة أنت؟

-أصل..

-أنت خايفة مني؟ خلاص مش مهم

-لأ هاعملها وأنزل على طول

دخلت المطبخ الذي أعرفه جيدا لكثرة دخولي له مع والدته وأعددت له فنجانا من القهوة وخرجت فوجدته اغتسل وبدل ملابسه فوضعت القهوة أمامه وأردت الانصراف فقال:

-مستعجلة ليه؟

فقلت بارتباك:

-عندي محاضرات مهمة عاوز مني حاجة تانية؟

فقال برقة:

-خليكي معايا نتكلم شوية

فقلت بتوتر:

-ماينفعش إحنا لوحدنا ولو حد شافني هنا هتبقى حكاية

فقام وأغلق الباب وقال وهو يقترب مني:

-كده محدش هيشوفنا تعالي

جذبني إليه وأراد أن يحتضنني ولكني دفعته بقوة وأنا أقول بذهول:

-عمر انت اتجننت؟

-فأمسك بي بقوة وقال:

-مش ده اللي انتي عاوزاه؟ أنا شايف في عينيكي اعجاب وشايفك في شباكك مستنياني كل يوم وبتراقبيني دايما يبقى إيه لازمة التقل إنتي عاوزاني وأنا عاوزك محدش له عندنا حاجة

شهقت من صدمتي وقلت وأنا أجذب يدي منه:

-أنا مش عاوزاك أنت فاهمني غلط

-بالعكس أنا فاهمك صح جدا خلينا نتمتع بالوقت الحلو ده

صفعته بكل قوتي وانتهزت ذهوله وأفلت يدي وجريت نحو الباب وخرجت ودموعي تنهمر ألما وحزنا على حب كاد أن يضيعني ، فكرت أن أعود لبيتي ولكن بم سأبرر عودتي؟ فذهبت للجامعة وجلست في الكافيتريا قليلا حتى ألملم شتات نفسي ،وقررت حينها أن أنساه فهو لا يستحق حبي فهو ليس الرجل الذي طالما حلمت به فهولا يعرف حُرمة البيت ولا الجيرة ويرى الحب مجرد رغبة وقتية،  لقد رسمت صورته كما أراد قلبي أن يراها وذلك أعماني عن حقيقته الدنيئة، كم ندمت على سنوات أضعتها في حبه وفي حلمي بالسعادة معه.

منعت نفسي عنه تماما فأغلقت نافذتي ونقلت مكتبي بعيدا عنها وامتنعت تماما عن النزول في مواعيده ، ورفضت كل محاولات أمي اصطحابي معها لزيارة والدته كما اعتدنا، حتى جاءت أمه لتودعنا لأنهم سينتقلون للتجمع فأدركت أن القدر كتب لقصتي نهايتها وكأنه يساعدني على النسيان ورغم جراح قلبي من غدره إلا أني شعرت بالوحدة والفراغ بعد رحيله.

مرت السنوات وتوقف قلبي عن الخفقان وكأنه تجمد بعد رحيل عمر ورفض أن يخفق لسواه، وأقنعت نفسي أن الحب وهم  نُضيع أعمارنا في البحث عنه وعندما نقترب نجده سراب خادع. انقطعت عنا أخبار أسرة عمر بعد انتقالهم من الدقي فيما عدا اتصالات متباعدة بين أمه وأمي ولكنها انقطعت بوفاة أمه رحمها الله حزنت عليها كثيرا تلك المرأة جميلة الشكل والروح المتواضعة التي تعرف قيمة الجيرة والعشرة والصداقة التي لم تتكبر يوما على مخلوق بل وكانت تساعد كل محتاج.

تخرجت من كليتي بتفوق واختارني أحد أساتذتي لأعمل معه في شركته للدعاية والإعلان فوافقت فرحة ،وفي أول يوم في العمل كان علي أن أقابل شريكه في الشركة فدخلت المكتب ورحب بي الأستاذ عادل أستاذي في الجامعة والتفت إلى شريكه ففوجئت بعمر بجواره يقف مبتسما ويقول مرحبا:

-أهلا أميرة عاش من شافك الدنيا دي صغيرة أوي

فقال دكتور عادل:

-أنت تعرفها يا عمر؟

-معرفة قديمة جدا

فقلت بجدية موضحة:

-الأستاذ عمر كان جارنا زمان ووالدته الله يرحمها كان صديقة والدتي

فقال دكتور عادل:

-ده هيسهل مهمتي كتير

فقلت:

-وده هيخليني أعتذر عن الشغل

-ليه؟

سكت للحظات وقلت:

- المعرفة القديمة بيننا يمكن تخلي الأستاذ عمر ما يحكمش على شغلي بشكل موضوعي

فقال عمر بتحدي:

-الشغل شغل مافيهوش معرفة ولا صحوبية فاهماني؟ ولا انتي مش أد الشغل في شركة كبيرة زينا؟

-لأ طبعا أدها وهاثبت وجودي

فقال عادل:

-خلاص اتفقنا هاخلي هدى السكرتيرة تعرفك بالفريق اللي هتشتغلي معاهم وتخلص لك إجراءات التعيين مبروك

-الله يبارك فيك.

فكرت كثيرا في التراجع عن قبول العمل ولكن ما شجعني أنها شركة كبيرة وعملي بها سيمنحني تجربة ثرية وسأتعلم الكثير كما سيُكسبني خبرة كبيرة، كما أن عملي لن يكون مع عمر مباشرة فنادرا ما سأراه، ولست ضعيفة لأهرب من المواجهة بل أنا صاحبة الموقف الأقوى وكما أجبرت قلبي على النسيان سابقا سأجبره على التعود على وجوده دون أن يخفق له، ترى هل سيُطيعني؟؟

بدأت العمل وتحقق ظني فمرت فترات كبيرة لم أره فيها حيث كنت مجرد موظفة جديدة وأحتاج لكثير من التدريب، وعندما أسندوا لي عملا كان مجرد مشاركة في حملة صغيرة لكنها تركت أثرا جيدا. لم يحاول عمر الحديث معي بشكل شخصي إنما تجاهلني تماما وكأني غير موجودة وعندما كنا نلتقي لم يحاول الإشارة لما حدث بيننا في الماضي، فأراحني ذلك كثيرا ،لكن ذلك الثائر علي القابع بين ضلوعي مازال يحن إليه ويخفق بشدة لرؤيته فكان ذلك الحنين يؤلمني ويُخيفني كثيرا، فأنا أخشى أن أضعف أمامه أو أتعلق به مرة أخرى.

كنت أعمل  تحت التدريب مع فريق عمل من شباب وبنات تسود بيننا روح التنافس أكثر من التعاون والعمل كفريق واحد ولولا خبرة مديرنا الأستاذ شريف لكنا فشلنا من أول لحظة، لكنه كان يعلمنا أن نجعل من تنافسنا تنافسا إيجابيا لا يترك في نفوسنا أية ضغينة. تعلمت الكثير معهم واكتسبت خبرة كبيرة ونلت إعجاب مديري فرشحني للمشاركة مرة أخرى في حملة دعائية صغيرة وتركت أيضا أثرا جيدا، فأسند إلي مديري مهمة المشاركة في حملة دعائية كبيرة ولأن دكتور عادل كان مسافرا للخارج فكان علي أن أتعامل مع عمر مباشرة ورغم خفقان قلبي كلما رأيته أو تحدثت معه إلا أني أجدت وضع قناعا جامدا على وجهي لا يُظهر ما يجيش به قلبي، كما كان عمر شخصا عمليا جدا ويتحدث فيما يتعلق بالعمل فقط.

 انتهت الحملة وحققت نجاحا كبيرا وكان دكتور عادل قد عاد فقررت الشركة مكافأة كل من شارك فيها ومن بينهم أنا فسعدت كثيرا لكن نظرات عمر الغامضة التي لم أستطع إيجاد تفسيرا لها كانت تُربكني كثيرا فقررت أن أتجنبه ولا أتيح له الفرصة للتلاعب بقلبي مجددا فلا أنا قادرة على احتمال جراح جديدة ولا المزيد من الأمال التي لا تترك لي سوى الألام.

في كل عام كانت الشركة تختار الموظف المثالي فكانت تختار اثنين واحد من الموظفين القدامى والأخر من الجدد، وفي هذا العام كنت أنا الموظفة المثالية من الجدد فكنت في قمة سعادتي وخاصة عندما قال لي دكتور عادل:

-كنت عند حسن ظني وعايزك دايما مجتهدة ومتميزة

بينما قال لي عمر مبتسما:

-لك عندي مكافأة خاصة

-شكرا

يومها كان لدي الكثير من العمل مما جعلني أتأخر في مكتبي بعد موعد الانصراف وعندما غادرت مكتبي قابلت عمر عند المصعد فابتسم وقال:

-الناس بعد التكريم بترتاح وانتي بتزودي جهدك؟

فقلت وأنا أتجنب النظر إلى عينيه:

-عندي شغل ما ينفعش يتأجل والتكريم ده حملني مسئولية أكبر ولازم أثبت إني أدها

-أنت واحدة غريبة جدا وكل يوم بتفاجئيني

-انت بس اللي متعود على نمط واحد من البنات ومش متخيل إن فيه غيره عن إذنك

-استني مش عاوزة تعرفي مكافأتي؟ أنا عازمك على العشا بره

-شكرا ما أقدرش أقبل واضح إنك لما رحت التجمع نسيت عاداتنا اللي اتربينا عليها زمان، ولا صحيح أنت أصلا عمرك ما التزمت بيها

-أنت قلبك أسود ولسه شايلة مني؟

-لأ بس اتعلمت الدرس صح ومن يومها عرفت إني ما أثقش في حد بسهولة

-تعرفي إني كمان اتعلمت الدرس كويس

-درس إيه؟

-أنا عاوز أشرب القهوة من إيد والدتك، تعرفي إن عمري ماشربت قهوة لذيذة زي قهوتها؟

-أهلا وسهلا اتفضل في أي وقت

-ينفع دلوقتي

ارتبكت وقلت:

-تشرف

اتصلت بوالدتي وأخبرتها برغبة عمر فرحبت به كثيرا فهي لا تعرف عنه شيئا. وصلنا البيت وجلس مع أمي في الصالون وصنعت له القهوة وظلا معا يسترجعا الذكريات وأنا أجلس معهما صامتة أتأمل ملامح عمر وفوجئت عندما قال:

-طنط أنا ليه طلب عند حضرتك

-من عينيه يا حبيبي

-أنا عاوز أتجوز أميرة

أصابنا أنا وأمي الذهول للحظات وساد السكون بيننا وقطعته أمي عندما قالت:

-أنا ماعنديش مانع أنت الغالي ابن الغالية لكن الرأي الأول والأخير لأميرة هاسيبكم تتكلموا وأنا قاعدة في الصالة جنبكم أسمع نشرة الأخبار

تركتنا أمي وأنا في شدة اضطرابي وخفقان قلبي كطبول الحرب ووجنتاي اكتستا باللون الأحمر وفقدت القدرة على النظر في عينيه،فقطع الصمت بقوله:

-ماسمعتش رأيك؟

استجمعت نفسي وقلت:

-ليه أنا؟

-لأنك الوحيدة اللي رفضتيني رغم حبها الظاهر في عينيها وكل تصرفاتها، رفضت الشاب الوسيم الغني اللي كل البنات بتجري وراه، رفضت تقضي وياه وقت لطيف ويبقوا أصحاب، يمكن وقتها غضبت منك وفكرت أنتقم لكن بعدها لما هديت وفكرت بعقلي لقيتك جديرة بالاحترام. سافرت واشتغلت وقابلت كتير لكن في كل مرة كنت باقارنهم بأميرة البنت البسيطة الرقيقة ومشاعرها البريئة ونظرات عينيها اللي فاضحة مشاعرها وكنت اللي بتكسبي فكرت أدور عليكي وفي الوقت ده لقيتك بتشتغلي معانا فقلت أكيد القدر بعتك ليه لأنه عاوز يجمعنا تاني، خفت أصارحك بمشاعري ليكون فيه حد تاني في حياتك فقررت أتعامل معاكي من بعيد وأشوف لسه نظرات عينيكي بتقول إنك بتحبيني ولا اتغيرت. بصراحة اتفاجئت بأميرة تانية خالص واحدة عملية وشاطرة ومجتهدة في شغلها  وده خلى اعجابي بيكي زاد لكن كنت محتار لأن نظرة عينيكي اتغيرت وقررت إني أخد خطوة توضح لي حقيقة مشاعرك وتبين لك إني جاد جدا المرة دي.

سكت للحظات وقلت:

-يعني إنت اللي عجبك البنت اللي بتحبك وإنها محترمة ورفضت صحوبيتك  ولما قابلتها مرة تانية عجبك اجتهادها، إنت عاجباك أميرة بمقاييس العقل وبس

-لأ مش وبس لو أخدتي بالك إني قلت كنت دايما في بالي وباقارن كل البنات بيكي وإنك بس اللي بتكسبي ده معناه إن بالي وقلبي كانوا مشغولين بيكي، أنا عمري ماصدقت إن فيه حب كنت باشوفه كلام أغاني وأفلام لكن معاكي عرفت يعني إيه حب وآمنت بوجوده

-ياااااه أخيرا أنا كنت قربت أفقد الأمل وأكفر بالحب لكن كان دايما قلبي يقولي هيرجع وعقلي يقولي بلاش أوهام، حاولت أنساك واتعذبت كتير في بُعدك لكن أول ما شفتك عرفت إني لا نسيتك ولا عمري هاقدر أنساك مهما عملت لكن كل اللي قدرت اعمله إني أحط قناع الجمود على عيوني عشان أخبي مشاعري وما تستغلنيش ولا تجرحني مرة تانية وكنت دايما بادعي ربنا وأقول لو فيه خير ليه قربه مني ولو فيه شر ابعده عني واتفاجئت النهاردة بطلبك

-أعتبر دي موافقة؟

-بس اوعدني إنك عمرك ما هتجرحني أو تغدر بيه

-ومين يقدر يغدر بنفسه ولا يجرح قلبه؟

انطلق عندها صوت أم كلثوم من التليفزيون حيث أدارت أمي القناة وبقيت تستمع في متعة لكوكب الشرق وهي تقول:

هافضل أحبك من غير ما أقولك إيه اللي حير أفكاري لحد قلبك مايوم يدلك على هوايا المتداري

ولما يرحمني قلبك ويبان لعيني هواك وتنادي ع اللي انشغل بك وروحي تسمع نداااك

أرضى أشكيلك من نار حبي وأبقى أحكيلك ع اللي في قلبي وأقولك ع اللي سهرني وأقولك

ع اللي بكاني وأقول يا قلبي ليه تخبي وليه يا نفسي مانعاني؟؟!!!

تمت

6-11-2019

#نجلاء_لطفي