روح بلا مرسى
بقلم نجلاء لطفي
إهداء
إلى كل روح تائهة في الحياة ولا تجد لها مرسى ولا بر أمان.
1
ما أصعب الصيام في ذلك اليوم الحار، لكني اعتدت صيام يومي الاثنين والخميس إتباعًا للسُنة ورغبةً في نيل رضا الله، فمشقة الصيام أهون بكثير من عذاب النار. هكذا رباني والداي على تقوى الله ورغم وفاة والدي وأنا في العاشرة من عمري إلا أني مازلت أذكر صلواته وقراءته للقرآن ونصائحه التي كان يغمرني بها وكأنه يدرك أن دوره في حياتي قصير. بعد وفاته انتقلنا إلى بيت جدي لأمي وأقمنا مع جدتي في شقتها بينما يحتل كل واحد من أخوالي وخالاتي دورا خاصًا بهم.
بعد وفاة جدتي طلب خالي الكبير منير من والدتي أن ننتقل إلى الدور الأخير الأقل اتساعًا بينما ينتقل هو و أولاده للدور الأرضي لأنه أكثر اتساعًا ولأن خالي مريض بالقلب ولم يعد يتحمل صعود السلم. وافقت أمي ولم تكن تملك حق الاعتراض حبًا في أخيها، ولأنها تعيش على مساعداتهم بالإضافة لمعاش أبي الضئيل. لقد تنازلت لأخويها عن حقها في محلات التجارة كما طلبا منها مقابل أن ينفقا علينا ولأنها لن تفقه أي شيء في الحسابات، فخافت من غضبهما فنفذت ما طلبا. فكان خالي منير الأكثر رأفة بنا فكان يعاملني كما يعامل ابنتيه مي وسما ويشتري لي معهما كل الأشياء التي أحتاجها، بينما كان خالي رشدي يكتفي بإعطاء أمي مبلغًا ضئيلًا كل شهر بتحريض من زوجته، كما أنه كان جاف المشاعر ومثله نشأ ابنه سامر وابنتيه سها ونهى.
لم تهتم أمي بجفاء أخويها فهي كانت تحب الجميع بلا قيود ولا شروط، بعكس خالتي نعمة التي كانت تحب خالي منير لطيبته هو وزوجته بينما تتصدى لزوجة خالي رشدي بقوة، وكذلك كانت ابنتها نهلة، أما هايدي ابنتها الصغرى فكانت شبيهة بأمي طيبة وتحب الجميع.
نشأت بين تلك الأسرة الكبيرة وعلمتني أمي أننا جميعًا أخوة وعلي أن أحب الجميع، لكني كنت أدرك من يحبنا ممن لا يهتم بأمرنا إلا أني لم أتسبب في أي مشكلة مع أي منهم، فمادمت بلا أب فلن أجد من يقف بجواري ليحميني ويدافع عني فقد كنت أشعر دائمًا اليتم والانكسار.
تجنبت الجميع وغرقت في عالم القراءة والمعرفة، فقد نقلت أمي معنا مكتبة أبي فكنت أنهل منها وأتعلم في مختلف المجالات، فأصبح عقلي يفوق عمري. ساعدني حبي للقراءة على التفوق في دراستي واخترت الدراسة بكلية الفنون التطبيقية وتخصصت بقسم الملابس الجاهزة حيث كنت أعشق تصميم الملابس، واليوم أذاكر وأنا صائمة استعدادًا لامتحاني في الغد حتى أني أجلت الذهاب مع خالي منير وكل الأسرة إلى المستشفى حيث يجرى اليوم جراحة قلب مفتوح لأذاكر وسأمر عليه غدًا بعد الامتحان لأطمئن عليه.
بينما كنت مستغرقة في مذاكرتي شعرت ببعض الارهاق من تأثير الصيام فاستلقيت على السرير ولكني شعرت بجلبه في الخارج فخفت لأن الجميع قد غادروا مع خالي، فربما رآهم أحد اللصوص وقرر سرقة البيت وهو يظن أنه خاليًا. ارتجفت خوفًا وقررت أن أدعي النوم وأن أغطي جسدي ورأسي وخاصة مع سماعي لصوت اقتراب الخطوات، فدعوت الله أن ينجيني من كل شر. فجأة سمعت صوت باب حجرتي يُفتح ثم يُغلق وشعرت بجسد يقترب مني فأصابني الرعب حتى وجدته كشف عن وجهي فشهقت بفزع وعندما فتحت عيني وجدته سامر ابن خالي فقلت بخوف:
-ماذا تفعل في غرفتي؟ ولماذا لم تذهب معهم إلى المستشفى؟
فقال ونظراته الجائعة تتفحص جسدي وأنا بملابس البيت وشعر منسدلًا:
-جئت من أجلك مخصوص
فقلت بدهشة:
-من أجلي أنا؟
فقال وهو يقترب أكثر:
-حتى نكون بمفردنا وأتمتع وحدي بالجمال الذي أخفيته على الجميع
أدركت حالتي فجذبت الغطاء لأستر جسدي وشعري فقد كنت دائمًا محجبة بملابس واسعة بخلاف باقي بنات العائلة اللاتي يرتدين ما يحلو لهن داخل البيت دون مراعاة لوجود سامر بيننا،فجذب الغطاء بقوة وقال بحدة:
-لا يا حلوة أنا لم أتكبد كل هذا العناء حتى تخفي جمالك عني
فقلت وأنا أرتجف:
-ماذا تريد مني يا ابن خالي؟
فقال بغرور:
-سأجعلك تعرفين حجمك الحقيقي؟ ألم تخبري الجميع أني مجرد شخص تافه ولا قيمة له، وأنك لن تفكري في مثلي يوما لأنك تريدين رجلًا حقيقيًا؟ سأجعلك تعرفين من هو الرجل ومن أنت وأني رجل بحق.
اقترب مني وجذبني بعنف ليقبلني وأنا أقاومه بكل قوتي، لكنه كان الأقوى فصفعني بقوة ثم مزق ملابسي، وأنا أصرخ ولم أكف عن المقاومة وأدعو الله أن يُنقذني منه.بعد مقاومة شديدة مني ومواجهتها بالعنف منه خارت قوتي أمامه وفقدت قدرتي على المقاومة فخلع ملابسه واقترب مني فأغمضت عيني وقلت له بوهن من خلال دموعي:
-اتقِ الله أنا عِرضك وإن لم تكن خائفًا على عمتك، خاف على أختك فقد يبتليها الله بمن يفعل فيها ما تريد فعله معي ، وإن لم تكن تخشى على سُمعة أبيك فالله الذي تريد أن تنتهك حرماته أحق أن تخشاه وهو يراك وسيعاقبك أشد العقاب لما تريد فعله وخاصة وأني صائمة.
توقف وكأن كلماتي كانت بمثابة صفعة أفاقته، وارتدى ملابسه وانصرف وصفع الباب خلفه.
لم أصدق أنا تركني بعد كل تصميمه على تحطيمي، سرعان ما استجمعت نفسي و نهضت مُسرعة وأغلقت الباب جيدًا خوفًا من عودته، واغتسلت وأنا أبكي بانهيار وبدلت ملابسي وأعدت ترتيب الحجرة حتى لا تكتشف أمي ما حدث فتصيبها صدمة تودي بحياتها.أمي كانت دائمًا ترى في سامر الإبن الذي لم يرزقها الله به وتحبه وتدعو له وتدافع عنه باستمرار فإن علمت بما فعله فلن يحتمل قلبها الصدمة فيجب علي أن أتكتم ما فعله بي أيضًا حتى لا تشمت بي فتيات العائلة أويتهمني والديه بمحاولة إغوائه بل قد تطردنا أمه من البيت حرصًا عليه. جلست على سريري أبكي بانهيار وأستغفر الله وأحمده على أن أنقذني من الفضيحة على يد سامر. أفقت من بكائي على صوت الهاتف فمسحت دموعي وأجبت أمي التي قالت بلهفة:
-حبيبتي مال صوتك لمَ البكاء؟
فقلت لأطمئنها:
-لا أبدًا لكني خائفة على خالي وأدعو الله أن ينجيه
فطمأنتني أنه خرج من العمليات وينتظرون إفاقته وأنها ستأتي على موعد إفطاري. حاولت أن أشغل نفسي بالمذاكرة لكني فشلت فظلت مشاهد العنف تتوالى على عقلي وتؤلمني، فنهضت واغتسلت وصليت وبكيت بين يدي الله ودعوته أن يسترني.
حاولت في اليوم التالي أن أركز في الامتحان لكني كنت مُشتتة فأجبت بالكاد بما يساعدني على النجاح، ثم ذهبت لزيارة خالي في المستشفى وأنا أرتجف من رؤية سامر. حمدت الله أنه لم يكن موجودًا هو ولا أسرته وذلك أثار تعجب الجميع وبعد عودتنا إلى البيت اكتشفنا غيابه لكن لا يعرف أحد مكانه وأمه تبكي وتنتحب. بعد منتصف الليل فوجئت برسالة على هاتفي ففتحتها فوجدتها من سامر الذي قال فيها:
(أسف على ما فعلته وما كنت أريد أن أفعله معك ، فلم أكن في وعيي ولأني غير قادر على مواجهتك بعد ما فعلت فقررت أبتعد عن البيت وقد أترك البلد كلها وأبدأ من جديد، أتمنى أن تسامحيني)
لم تؤثر في كلماته ولم أسامحه فهو لم ينتهك جسدي فقط ، بل انتهك حُرمة البيت، ولم يُراع صلة الدم بيننا، ولم يكن هو من يحميني كما يجب عليه، كما أنه دمرني ونزع مني ثقتي بنفسي وبالأخرين، لا لن أسامحه أبدًا، هكذا قررت.
انشغلت بباقي الامتحانات وقررت أن أبذل قصارى جهدي فيها حتى أعوض تقصيري في أول مادة، وعندما سألتني أمي عن الكدمات في جسدي أخبرتها أني شعرت بالدوار بسبب الحر والصيام فوقعت في الحمام فصدقتني. كان لاختفاء سامر تأثير جيد على نفسي فرؤيتي له كانت ستؤثر في سلبًا، لكني لم أتخلص من همسات البنات وتلامزهن وأن رفضي له هو سبب اختفاؤه وأنه كان ينوي أن يجعلني أخضع له بأية طريقة فلم أجبهم.
مرت بي الأيام وأنا أحاول تجاوز تلك الصدمة ولكن ألمها ظل باق وله تأثير كبير على نفسي لكني تجاهلته وادعيت النسيان،ونجحت وتفوقت في دراستي .كنت أرفض كل عريس بحجة أنه سيعطلني عن دراستي وأمي ترجوني أن أتزوج في حياتها حتى تفرح بي وأنا أماطل بحجة الدراسة لأني مازلت أخشى اقتراب أي رجل مني. فمازالت صورة سامر وهو ينتهكني بالقوة ترعبني وتجعلني أنفر من قرب أي رجل، حتى أني كنت كثيرًا ما انهض من نومي مفزوعة وأنا أرى سامر ينتهك جسدي.
بعد تخرجي بفترة بسيطة مرضت أمي لعدة أيام بقلبها ثم توفاها الله فكانت صدمة شديدة على قلبي فهي كانت كل من لي في تلك الحياة، الأم والسكن والأمان والصديقة، فكيف سأحيا بعدها، كان كل ركن في البيت يذكرني بها وتنهمر دموعي. حاولت التماسك وخرجت من البيت إلى العمل ولكن عند عودتي كنت دائمًا أبحث عنها وعن ابتسامتها الحنون وحضنها الدافىء الذي يحتويني ويضمد جروحي فلا أجدها فتغلبني دموعي. زاد من ألمي أن الكل انشغل عني بحياته ولم يعوضني أحد حنان أمي بحجة أني كبيرة و يجب أن أتجاوز أحزاني وكأن الكبار لا يتأثرون بغياب الأم.
أرسل الله لي الفرج على شكل منحة لدراسة الماجستير في إحدى جامعات ميلانو، فأعددت أوراقي للسفر ولم يهتم بي أحد فالكل منشغل بحياته ، فقط أوصتني خالتي أن أنتبه لنفسي وأن أظل متمسكة بما علمته لي أمي من قيم وأخلاق. أخبرني خالي منير أن أرسل إليه إن احتجت شيئًا، أما خالي رشدي فلم يبالي بي أصلًا فقد انقطعت صلته به ماديا ومعنويا بوفاة أمي وكأني كنت عبئًا عليه وسعد بتخلصه مني.
سافرت وأنا أبحث عن السلوى والنسيان وقررت إن وجدت فرصة عمل مناسبة ألا أعود فلمن أعود فمن كنت أبقى لأجلها غادرت وتركتني وحيدة والكل لا يبالي.بدأت حياتي بعد أن حصلت على سكن جامعي مع فتاة عربية ، ونزلت إلى الجامعة للتعرف على ما يجب علي دراسته وتعرفت على أساتذتي ومناهج الدراسة ولكني مازلت أشعر بالارتباك لاختلاف البيئتين، إلا أني أصررت على التأقلم.
ركبت المترو وأنا بكامل انتباهي حتى لا تفوتني المحطة القريبة من السكن وأثناء نزولي من المحطة اصطدمت بشخص فاعتذرت بالإيطالية- التي تعلمت بعض كلماتها لأتعامل مع الناس- وانصرفت فوجدت من يناديني بالعربية:
-تقى
فالتفت بذهول فوجدته سامر فارتجف جسمي وابتعدت عنه بخوف فقال بدهشة:
-ماذا تفعلين هنا يا تقى؟
فقلت بتوتر:
-أدرس
فقال بتعجب:
-بمفردك؟
فقلت له :
-نعم بمفردي،استأذنك في الانصراف
فقال :
-أنتظري، في أي جامعة تدرسين؟ وأين تسكنين لأطمئن عليك؟
فقلت ساخرة:
-اطمئن يا ابن خالي سأكون بخير مادمت بعيدًا عني، وأنت أخر شخص في العالم أفكر في اللجوء إليه والاحتماء به، فهل يحمي الذئب الشاة؟
انصرفت وتركته وعلامات الذهول على وجهه، وأسرعت في خطواتي خوفًا من لحاقه بي وتهجمه علي. لم أشعر بالارتياح إلا بعد أن وصلت السكن وأغلقت الباب جيدًا. أخبرتني شريكتي في السكن أنهم يحتاجون لفتاة للعمل في السوبر ماركت الذي تعمل فيه بالتبادل معها فوافقت لأني أحتاج إلى تعلم اللغة الإيطالية كما يمارسها أهل البلد لا كما تعلمتها في دورة تعلم اللغات التي التحقت بها قبل السفر. كذلك أحتاج إلى مال معي ليغطي نفقاتي فالمنحة لا تغطي نفقات الطعام وقاربت مدخراتي على النفاذ.
وفقت بين دراستي وعملي وتأقلمت مع الجو العام ووجدت الإيطاليين شعب بشوش وقريب من المصرين فأراحني ذلك لكن ما كان يؤرقني هو ظهور سامر كل فترة. فمرة أراه في الجامعة ويخبرني أنه يستكمل دراسته التي أهملها في مصر. وأراه مرة أخرى في السوبر ماركت ويبدو متفاجئًا من عملي هناك ويعرض علي المال فأرفض بشدة. كان يحاول أن يبدو لطيفًا ويقوم بدور القريب الذي يرعى قريبته أو ربما يحاول تعويضي عما فعله بي، ولكنه لا يدرك أني في كل مرة كنت أراه فيها كانت تتجدد أحزاني وآلامي وتتراءى لي مشاهد عنفه معي الذي ظننت أني نسيتها.
2
حان موعد الكريسماس وكان الجميع في أجازة وأنا ليس لي مكان أذهب إليه، حتى رفيقتي في السكن استغلت الأجازة للسفر لبلدها لرؤية أهلها وأنا ليس لي أحد فقررت أن أستغل الأجازة في مذاكرة ما فاتني. فوجئت في أحد أيام العطلة بسامر يتصل بي على هاتفي وأنا لم أمنحه رقمي وطلب مني أن أقابله في المنتزه القريب فرفضت بشدة فألح علي ولما رفضت قال بجدية أنه سيصعد إلي إن لم أنزل إليه فارتجفت ورجوته ألا يفعل وأخبرته أني سأنزل إليه فورًا.
ذهبت إليه وأنا شاحبة وأرتجف خوفًا من أن يتهجم علي ولكني كنت أدعي الشجاعة فنظر إلي بحزن وقال:
-أمازلت خائفة مني يا تقى؟ لقد كنت شابًا صغير السن و طائشًا، لكن الغربة علمتني الكثير و غيرتني، وبصراحة رغم مرور السنين لم أستطع أن أسامح نفسي على ما فعلته معك وكنت مدركًا أنك لم تسامحيني لكن قلت بالتأكيد الزمن أنساك كل ما حدث لكن واضح أنك لم تنسِ ما فعلته ولا عندك أية ثقة في.
نظرت إليه بألم كل السنوات الماضية وأنا لا أصدقه فقال برجاء:
-اعتذر لك عن كل ما فعلته معك وعن الألم الذي سببته لك طوال السنين الماضية و أتمنى أن تنسي ما فات وتعتبريني ابن خالك وسندك في الغربة.
سكت ولم أجب فقال بحزن:
-واضح أن ثقتك معدومة في وأنه لا فائدة من الكلام وبالطبع معك حق لكن أريدك أن تعرفي أنك إن احتجت أي شيء أنا بجوارك ورقمي الذي حدثتك منه احفظيه لديك حتى لو لم ترغبي في الحديث معي.
انصرف وبقيت مكاني ومشاعري تتأرجح بين طبيعتي المسامحة وبين الخوف من خداعه والألم الذي تسبب لي فيه، فكنت حائرة لا أعرف ماذا أفعل. أفقت من شرودي على صوت إطلاق نار فجريت مسرعة تجاه الصوت بدون تفكير في الخطر. وقفت مصدومة للحظات عندما وجدت جسد سامر مفترش الأرض والدماء تسيل منه، ولكني أسرعت تجاهه فوجدته غائب الوعي. طلبت من هاتفي رقم الإسعاف وأنا أدعو الله أن ينجيه فمهما كان بغضي لما فعله فلا أتمنى له الموت.
جاءت سيارة الإسعاف فرافقته فيها حتى وصلنا إلى المستشفى ودخل غرفة العمليات. بقيت واقفة خارج غرفة العمليات ولا أعرف ماذا يمكنني أن أفعل ومن يجب أن أخبره، فأنا لا أعرف هنا أحدًا ولا أعرف إن كان متزوجًا أم لا. دعوت الله كثيرا حتى خرج من العمليات وأخبرني الطبيب أنه بخير ولكنه يحتاج إلى عناية فائقة حتى تستقر حالته وأني يمكنني الانصراف الآن وأن أعود في الغد.
حمدت الله على نجاته ونويت إن نجا من ذلك أن أسامحه فالخوف الذي رأيته معه لا يُقارن بخوفي من فقده فمهما كان بيننا صلة دم.
في اليوم التالي ذهبت إليه في المستشفى وكان ما يزال في العناية ولكنهم سمحوا لي برؤيته فدخلت ووقفت بجواره ولم أستطع منع دموعي من الانهمار. أفاق حينها ونظر إلي بوهن وقال:
- هل أنا ميت وأنت تبكينني؟
فقلت من خلال دموعي:
-الحمد لله أنك عدت إلى وعيك فقد كنت أخشى موتك
فقال بضعف:
-لا تخافي فأنا مازلت على قيد الحياة
مرت الأيام وأنا أزوره باستمرار في المستشفى وأحضر له ما يريده، حتى انتهت العطلة وكان تحسن إلى حد ما فأخبرته أني سأغيب بسبب دراستي وعملي فظهر الضيق على ملامحه فقال:
-طالما تكرهينني إلى ذلك الحد لماذا لم تتركيني أموت؟
فقلت بألم:
-أنا لا أكرهك لكن أكره تصرفاتك وخاصة ما فعلته معي في الماضي فقد أوجعني كثيرًا وترك في نفسي أثر لا يُمحى، لكن مهما كان ما حدث بيننا فإننا أقارب ومستحيل أن أتركك تموت وأنا أقدر أن أساعدك، فأنا لن أفعلها حتى مع الغريب.
فقال برجاء:
-هل يمكن أن يأتي يوم و تسامحيني؟
لم أجبه إنما تركته وانصرفت وعندما وصلت إلى سكني أرسلت له رسالة أخبره فيها أني سامحته.
بعد أن خرج من المستشفى كنت أرسل له احتياجاته مع حارس العقار الذي يسكن فيه وكان يتحدث معي في الهاتف ويشكرني أو يخبرني بما يريد في اليوم التالي ويصر أن يدفع لي ثمنه. توطدت العلاقة بيننا حتى أني لم أعد أخشاه بل بالعكس اعتدت وجوده في حياتي وكنت أحرص على لقائه أو الحديث معه بشكل مستمر.
عاد لممارسة حياته لكن لم تنقطع صلتنا وفوجئت به بعد نهاية العام الدراسي يطلب الزواج مني، فكانت صدمة كبيرة لي فلم أتوقع منه هذا ولم أعرف بم أجيب. حقًا اعتدت وجوده في حياتي ولمست التغييرات التي حدثت في شخصيته لكني كنت أتعامل معه كصديق أو قريب ولكني لا أعرف هل هذا كافٍ للزواج به؟ لما رأى صمتي سألني:
-أنت مازلت خائفة؟ أم أنك ترفضين الارتباط بي؟
فقلت بصراحة:
-متفاجئة من طلبك
فقال:
-أنا لا أتعجل ردك، خذي كل ما تحتاجين من وقت للتفكير، ومهما كان ردك فأنا سأتقبله
فقلت له:
-أنا مصممة على إكمال دراستي وعلى أن أعمل
فقال:
-موافق، فكري وفي انتظار ردك
لم أكن أعرف بم أجيبه فكان بداخلي اضطراب كبير فمازالت ذكريات الماضي تؤلمني، لكني في الوقت ذاته أشعر بتغييره الكبير وشخصيته الجديدة نالت اعجابي. لم يكن لي أحد لأستشيره ويفيدني برأيه ولم أكن أستطيع التصريح بما فعله معي في الماضي، كذلك كنت أشعر بالوحدة في هذا المجتمع ووجود سامر في حياتي هون علي الكثير كما أني صرت أستمتع بصحبته واهتمامه. استخرت الله ثم قررت الموافقة واشترطت عليه أن ننزل لمصر ليشهد أهلنا زواجنا ولأتأكد من جديته وأنه لا يتلاعب بي. رفض بشدة في البدلية ولكني أصررت وإلا فلن يتم الزواج فوافق وسبقني إلى بيت العائلة ليمهد لهم حتى أنتهي من بعض الشئون الدراسية. عرفت من خالتي فيما بعد أن والدته رفضت بإصرار زواجنا ولكنه صمم وأخبرها إن لم يتزوجني فلن يتزوج فوافقت مضطرة. بالطبع شعرت بجفائها هي وإخوته، وكذلك غيرة باقي بنات العائلة ولكني لم أهتم فهو كل من أريد، كما أني لن أعيش معهن.
3
تزوجت سامر وتحديت كل مخاوفي ورجوته أن نرجئ إتمام الزواج حتى عودتنا إلى إيطاليا فوافق، كنت خائفة أن تطاردني ذكريات الماضي وتكدر صفو حياتنا خاصة في البيت الذي شهد مأساتي. عدنا بعد عقد القران بيومين إلى إيطاليا وانتقلت إلى الإقامة معه في شقته. بمجرد أن لمسني شعرت بارتجاف جسدي رغمًا عني وبدأت أبكي وأصرخ بشكل هيستيري، فابتعد عني وظل يطمئنني بالكلام ويخبرني أنه لن يؤذيني. هدأت قليلًا وشعرت بالخجل مما فعلت لكنه كان شئ رغم عن إرادتي، فأخبرني بلطف أنه سيطلب لنا الطعام وأننا في الغد يجب أن نتابع مع طبيب فوافقته. قضيت ليلتي مستيقظة وكل ذكريات الحادث تداهمني باستمرار وأنا أحاول الهروب منها بلا فائدة، بينما قضى ليلته في الخارج على الأريكة وترك لي غرفته.
اصطحبني في اليوم التالي إلى طبيبة وشرح لها حالتي ولحسن الحظ كانت الطبيبة من أصول عربية فطلبت من سامر أن يتركنا بمفردنا وحكيت لها ما حدث وما تركه من أثر في نفسي فأخبرتني أن حالتي تحتاج إلى علاج على جلسات وأن الجزء الصعب من حالتي قد انتهى وأني تجاوزته بصلابتي وقوة إيماني.
مضت حياتي فيما بعد مع سامر وكأننا شريكي سكن ولكنه كان متفهمًا وصبورًا لأقصى درجة مما أشعرني بالخجل من نفسي ومنه. انتظمت على متابعة الجلسات حتى أخبرتني الطبيبة أني تجاوزت صدمتي وأني يجب أن أحيا حياتي بطريقة عادية وأن شفائي سيكتمل عندما أمنح سامر الفرصة لأن يصبح زواجنا حقيقيًا.
كنت أشعر بالامتنان تجاهه لأنه احتملني كل تلك الفترة وقررت أن أكافئه بأن أعبر له اليوم عن تقديري وامتناني وأن أمنحه نفسي وقلبي وأعبر له عن امتناني له. عدت إلى البيت وأعددت له الطعام وارتديت ملابس مفتوحة أكثر مما اعتدت وبدأت أتلطف معه في الكلام بل وتقبلت لمسته وقبلته في وجنتي بدون ارتجاف أو نفور.
ذهبت لأعد العشاء وعندما عدت سمعته وهو يقف في الشرفة ولا يدرك أني قريبة منه وكان يتحدث مع الطبيبة ويخبرها أني بدأت أتغير معه وأتقبل لمساته فقالت له من خلال مكبر الصوت الذي فتحه بلا قصد أنه كان سبب رئيسي لشفائي وأن تعمده الظهور في حياتي وإظهار حبه واهتمامه وإصراره على تعويضي عما فعله كان سبب كبير في شفائي وموافقتي على العلاج النفسي. كانت صدمتي أنه فعل ذلك وادعى حبي لإحساسه بالذنب وعندما علم أنه لا علاج لحالتي إلا بالعلاج النفسي ففكر في الزواج مني حتى أقبل بالخضوع للعلاج.
أصابني الذهول فقد أدركت أن كل مشاعره وكلامه مجرد كذبة اضطر إليها لإحساسه بالذنب تجاهي، وأن لم يحبني يومًا إنما أراد فقط أن يريح ضميره خاصة عندما علم من اتصالاته بأهله رفضي التام للزواج بلا سبب. أنهى المكالمة والتفت فوجدني وقبل أن يتكلم قلت له بمنتهى الصرامة:
-شكرًا لك يا ابن خالي على تعبك معي، ولو كنت أعرف أنك تشعر بالذنب هكذا لكنت أرحتك من البداية وقلت لك لا تبذل كل هذا الجهد في تلك التمثيلية السخيفة لتريح ضميرك، هل تعرف أنك في المرتين قتلتني بأنانيتك، المرة الأولى غرورك لم يسمح لواحدة مُعقدة كما كنت تطلق علي أنها ترفضك فقررت أن تكسرها و تأخذ منها غرضك رغمًا عنها،و لولا ستر ربنا لكنت الآن منبوذة من الجميع فمجتمعنا بلوم الضحية لا الجاني وهذا طبعًا غير مهم بالنسبة لك.
والمرة الثانية ضميرك كان يؤنبك فقررت أن تريحه على حسابي أيضًا، وتدعي أنك تحبني وترغب في الزواج مني لتعالجني وتحل عقدتي رغم أنك كان بإمكانك أن تتكلم معي بالعقل وتقنعني بالعلاج النفسي، لكن الكذب بالنسبة لك أسهل وأقصر طريق للوصول إلى غرضك، لكن ياترى ماذا كنت ستفعل بعد ذلك؟ هل ستجعلني أتعلق بك وتطلقني وتشمت الناس بي؟ أم كنت ستعيش معي وأنت تخدعني لكن بإمكانك أن تعوض ذلك مع غيري وتخونني؟
فقال بحزن مدافعًا عن نفسه:
-لم أفكر أبدا أن أضرك كل ما فكرت فيه كيف أساعدك لتتخلصي من عقدتك و أكفر عن ذنبي، لكني لم أقصد أية إساءة أو ضرر وكنت على استعداد لأن أفعل أي شيء لتعويضك عما حدث.
سكت للحظات ثم قلت:
-للأسف لم تتغير، فكل ما تفكر فيه هو نفسك وما تريده فقط لكن مشاعر الناس ورغباتهم لا قيمة لها عندك، ألم تفكرفي سمعتي عندما يحدث الطلاق بعد فترة بسيطة؟ ولا فكرت في مشاعري عندما أعرف أنك كنت تخدعني؟ كل ما فكرت فيه كيف تريح ضميرك أنت فقط، ألم تخبرك الطبيبة أنك تحتاج لعلاج نفسي أيضًا؟ ليتك لم تظهر في حياتي بل ليتني لم أعرفك يومًا.
ثم أضفت بقوة:
-أريدك أن تطلقني حالًا، أنا لا أستطيع أن أعيش معك للحظة واحدة بعد الآن
حاول أن يُثنيني عن قراري كثيرًا ولكني رفضت وأصررت على ما أريده فوافق أخيرًا بعد أن رأى إصراري واتفقنا على الطلاق في الغد.
قضيت الليلة أبكي وفكرت في التراجع خوفًا من اتهامات الناس التي لن ترحمني وخوفًا من الوحدة، كما أني لن أستطيع الوثوق في أي رجل مرة أخرى، لكني تذكرت أنني فقدت أيضا ثقتي به تمامًا. كم تمنيت لو كان صارحني بما يجول في عقله لكان رحمنا مما وصلنا إليه الآن.
في الصباح نفذنا الطلاق وعندما اتصلت بزميلة السكن أخبرتني أنها وجدت شريكة لكنها تعلم أن زميلتها في العمل تبحث عن شريكة سكن فوافقت بدون تفكير فأنا أريد الابتعاد عنه. انتقلت من بيته وأنا بقلبي جرح جديد لا أعرف كيف أداويه، لذا قررت اللجوء للطبيبة لأشكرها وأخبرها بما أصاب قلبي وكيف العلاج أخبرتني بالانشغال في عمل أو دراسة.
لجأت كعادتي إلى الله فالإيمان هو ما يحميني من الانهيار بعد كل صدمة قوية، وانشغلت بالدراسة بجوار عملي حتى تخرجت ووجدت فرصة عمل مناسبة وحققت النجاح الذي كنت أصبو إليه في الحياة، لكن قلبي مازال خائفًا من كل الرجال. أخشى من الرفض والخداع، أخشى من الذلان والكسر الذي لن يلتئم مرة أخرى. كانت روحي تائهة وضائعة في بحور الحياة، كقارب صغير في بحر متلاطم بلا مرسى أو بر أمان لكن هل سأجد في يوم من أشعر معه بالأمان؟ من يداوي جراح قلبي؟ أتمنى ولكن حتى أصل إلى ذلك سأظل روح بلا مرسى.
تمت
20-7-2022

ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق