قصة بقلم نجلاء لطفي
عرفته شاعرًا في منتديات الفيسبوك ،كان متمكنًا من كلماته التي تصيب سهامها القلوب مباشرة. إنه يكتب أشعارًا عن الحب تُذيب القلوب و تلهب المشاعر ،مما يجعله ينال إعجاب كل الفتيات والنساء في كل المجموعات الثقافية المشترك بها ،وكلهن يتهافتن على كتابة كلمات الاطراء والمديح على منشوراته. كان بارعًا في التلاعب بالكلمات كيفما يشاء ، فتارة يكتب قصيدة حب تُذيب القلوب وتظن كل واحدة أنه يقصدها هي وتتمنى أن يغرق في عشقها ويخلدها بقصائده. بينما تارة أخرى يكتب خاطرة عن مُلهمته التي لم يبُح باسمها ،و تارة ثالثة يكتب قصة حب مُلتهبة تُثير غيرة كل رجال المنتدى بسبب تعلق النساء به وبكلماته الساحرة.
إنه في كل مره يتقمص دور العاشق و كأنه مجنون ليلى مما يزيد من جنون الفتيات و حلمهن به و تعلق النساء به ،خاصة وأن تعليقاته على كلمات إعجابهن توحي لكل واحدة أنها هي وحدها المميزة عنده وأنها من يقصدها بكلمات الحب والغزل التي تُذيب أعتى القلوب صلابة.
كان لدي فضول تجاهه كبير،فكنت أريد أن أعرف من هو وكيف هي ملامحه و ما هي حقيقته فكم يضع الناس أقنعة تخفي حقيقتهم على وسائل التواصل الاجتماعي. عرفت من حواره مع أحد أصدقائه في أحد المجموعات الثقافية أنه معلم لغة عربية في مدرسة ثانوية في نفس مدينتي فوجدتها فرصة سانحة لأتعرف إليه عن قرب دون أن يعرف من أنا.
قررت أن أذهب إليه بحجة إعطاء درس في اللغة العربية لأخي الصغير لأراه وأتعامل معه عن قرب و من خلال ردوده وطريقة كلامه ربما أعرف حقيقته. قد يكون الفضول هو ما دفعني لذلك كما حاولت إقناع نفسي ، و ربما ما دفعني لذلك أني تعلقت برومانسيته وكلامه الرقيق كغيري فقد حركت كلماته المياه الراكدة في أعماق روحي فأردت أن أتأكد من حقيقته قبل أن أغرق أكثر في بحور الحب ،و قبل أن أتعلق في أحبال الوهم التي قد تخنقني يومًا ،أو تنقطع وتكسرني. فأنا خليط من الرومانسية والعقلانية ولا أسمح لقلبي أن يمشي في طريق يرفضه عقلي وقد يكون فيه هلاكي.
ركبت المترو متجهة إلى مدرسته على الطرف الأخر من المدينة وطوال الطريق كنت أفكر في ملامحه كيف ستكون ؟هل يبدو وسيمًا كما هي صورته على الفيسبوك؟ هل هو في الثلاثينات كما يقول حقًا؟هل هو رومانسي في حياته وطريقة كلامه فعلا؟
أسئلة ظلت تشغلني حتى وصلت إلى محطة مدرسته ونزلت من المترو وسألت عن مكان المدرسة وكلما اقتربت كان قلبي يخفق بقوة. ترددت للحظات وفكرت في التراجع لكن فضولي كان أقوى مني. استكملت طريقي وعندما وصلت إلى المدرسة سألت عنه فأشار أحد العاملين إلى أحد الأشخاص. نظرت إليه والمفاجأة تكاد تعصف بكل كياني فقد كان يجلس في الشمس بكرش يتدلى أمامه ورأسه صلعاء ويبدو من شكله أنه على مشارف الخمسين من عمره.اقتربت بهدوء وأنا على يقين أن هناك خطأ ما،سألته بصوت متردد :
-هل أنت الاستاذ علاء حمدي ؟
لم يرفع نظره إلي إنما أخذ قطعة كبيرة من ساندويتش الفول ملأت فمه وأتبعها بقطعة مخلل حشرها فيه حشرًا ثم قال بصوت مكتوم من كثرة الطعام وهو ينظر إلي بتقييم :
-هو أنا ماذا تريدين ؟
كدت أفقد النطق من هول المفاجأة و المنظر المُناقض تمامًا لما تخيلته عنه ، لكني تمالكت نفسي وقلت بتوتر :
-أرسلني والدي لأنه سمع عن مهاراتك في اللغة العربية ويريدك أن تعطي أخي درسًا لتقويته فيها.
فقال منتشيًا وهو يلتهم الجزء المتبقي من الساندويتش :
-سأخذ مائتي جنيه سواء كان بمفرده أو معه آخرون بلا فصال.
فقلت له والذهول يعتريني من ماديته التي لا تتفق نهائيًا مع رقة مشاعره التي يغدق بها كل نساء الفيسبوك :
-أرجو أن أحصل على رقم موبايلك ليتفق معك والدي على الموعد.
أخرج من جيبه كارتا وأعطاني إياه دون أن يرفع نظره عن الطعام الذي انقض عليه يلتهمه بشكل مُنفركما يلتهم الأسد فريسته بلا رحمة .
خرجت من المدرسة وأنا في حالة ذهول تام و عقلي يرفض تصديق ما حدث فلابد أن هناك خطأ ما . ربما تشابه اسمه مع شخص أخر أو ربما ذهبت إلى مدرسة أخرى. قررت قطع الشك باليقين فاتصلت على الرقم الذي منحني إياه وقلت بصوت رقيق :
-أستاذ علاء انا إحدى معجباتك على الفيس بوك وأنا عاشقة لأشعارك وأتمنى أن أراك.
فتحول في لحظات صوت وحش الساندويتشات إلى صوت كروان يغرد وتحدث معي بمنتهى الرقة وكأنه شخص أخر، فتأكدت أنه هو و لكنه ممثل بارع يُجيد الخداع والتلون .أنهيت المكالمة سريعًا وأنا أقول لنفسي كم من قناع نرتديه في كل مكان لنخفي حقيقتنا !هل نفعل ذلك بسبب قبح الحقيقة التي ندركها جيدًا ؟ أم لأننا نعشق الكذب والخداع؟
كان الواقع فيه بعض الكذب والخداع فجاء إلينا العالم الافتراضي على وسائل التواصل الاجتماعي بكل الخداع والتضليل.
تمت
#نجلاء_لطفي

ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق