الاثنين، 15 أكتوبر 2018

السجين

السجين


#نجلاء_لطفي

منذ عدة أيام وأنا كل يوم أزور سجنا لأبحث عنه هناك ولا أجده ،لكني لن أفقد الأمل سأواصل بحثي حتى أجده، رغم أن لا أحد يعرف مكانه أو إستطاع أن يدلني عليه.اليوم قبل خروجي لبدء رحلة البحث إتصل بي شخص قال إن عمرو محبوس في سجن طره ويريد أن يذهب له أخوه، شكرته وطلبت منه أن يخبره أننا سنذهب إليه اليوم.أخبرت حماتي بما حدث وأنه يريد من زوجي علاء أن يذهب إليه فرد كالعاده خائفا مرتجفا وممسكا بيد أمه:
-أنا أروح السجن ؟؟ما أقدرش بعدين يحبسوني معاه ياماما
فقلت بعصبية: -يعني هتسيب أخوك محبوس ومتسألش فيه؟؟
-مش هو اللي نزل يتفرج وماسمعش كلام أمه يستاهل ماليش دعوة بيه
ردت والدته المريضه وقالت :-روح ياعلاء شوف أخوك وطمنني عليه نفسي أشوفه قبل ما أموت
فبكى علاء فقلت بحده:- خلاص يا حاجه هاروح أنا
أعددت له ما يحتاجه من ملابس وطعام  ومال وذهبت إليه، وفي الطريق تذكرت كيف تعرفت بعمرو  كنت في الثامنة عشر من عمري و عائده من عملي في محل ملابس الذي ينتهي الساعه11 ليلا،فتعرض لي بعض المدمنين وحاولوا التحرش بجسدي ولما قاومتهم جذبوني إلى أحد الشوارع الجانبيه وبدأوا يتحسسوا جسدي بشكل مثير للغثيان، فدافعت عن نفسي بقوه وصرخت لينقذني الماره فحاول أحدهم كتم أنفاسي،بينما الأخر يلمس أجزاء حساسه من جسدي وأنا أحول ركله بقدمي، وفوجئت بشاب  قوي تصدى لهم وضربهم بقوه حتى فروا من أمامهمرعوبين  بعدما أصابوه بجرح في يده، قطعت جزء من كم قميصه و ربطت له الجرح وقلت:
-مش عارفه أشكرك إزاي إنت أنقذتني
  فقال بغضب:- واحده زيك ترجع متأخر كده ليه؟
- أكل العيش مر، أنا باشتغل في محل اللبس اللي في الميدان وباخلص 11 ومحتاجة للشغل ده جدا عشان أساعد أبويا على مصاريف إخواتي
-ومالكيش أخ ييجي ياخدك؟؟
-إخواتي صغيرين في إبتدائي وأبويا مريض وبيشتغل شغلتين عشان يقضينا
-حاولي تدوري على شغل يكون بالنهار أو ترجعي بدري شويه
-حاضر
أوصلني حتى البيت وشكرته مره ثانيه وعرفت أنه صاحب محل بقاله قريب منا. لم أنم ليلتها بل ظلت صورته تشغل بالي  إنه فارس الأحلام الذي طالما حلمت به، شهم وشجاع ومحترم لم يحاول إستغلال الفرصه للحصول على رقم هاتفي أو التعرف علي. ذهبت في اليوم التالي لأطمأن عليه فأجابني بكلمات مقتضبه ولكن نظرة عينيه كانت تقول شىء أخر، لذا كنت أتعمد أن أمر عليه كل بضعة أيام بحجة شراء إحتياجات البيت ونتبادل معا بعض الكلمات ويسألني عن عملي وأحوالي وأجيبه ثم أبتسم له مودعه. ذات يوم قابلتني والدته في المحل بترحاب وظلت تتحدث معي طويلا وألحت على لتحصل على عنواني لأنها تريد التعرف بأسرتي، طرت من السعاده فهاهو حلمي يبدو أنه سيتحقق و ستأتي لخطبتي لعمرو وحلمت بحياتي مع فارس أحلامي الذي سيغمرني بحبه ورعايته ويحميني من غدر الأيام، سأعيش في كنفه معززه مكرمه، أخيرا سأصبح ملكه في بيته وعلى قلبه سأجعله سعيدا كما لم يتخيل من قبل.
جاءت أم عمرو لبيتنا لتقابل أبي وأمي إلا أني أفقت من أوهامي على طلبها بأن تزوجني علاء-شقيق عمرو الذي لم أكن أعرفه - وعرضت على والدي مهر وشبكة لم نكن نحلم بهما وأخبرته أنها لاتريد منا شيئا بشرط أن نقيم معها في شقتها الكبيرة لأنها مريضه وتحتاج لمن يرعاها وستكون هي ضيفه عندي وأكون أنا صاحبة البيت الأمره في كل شىء فيه. وافق بالطبع والدي بدون تفكير فتلك فرصه لا تعوض، لكني أجلت رأيي حتى أعرف رأي عمرو ، هل يحبني حقا كما أتصور وسيدافع عن حبنا ؟ أم سيتركني أتزوج أخاه وأتعذب ليل نهار برؤيتي له؟
في اليوم التالي ذهبت له  فقال لي العاملون بالمحل أنه سافر للعمل خارج مصر، هل تركني وذهب  دون كلمة وداع؟؟  إذا فأنا لم أكن أعني شئ بالنسبة له سوى مجرد فتاه يعطف عليها؟ هل كان يعلم برغبة والدته وليس لديه مانع؟؟ بل ربما هو من شجعها ليرحمني من الفقر والعمل لوقت متأخر. يبدو أنه شعر أني متعلقه به وسيكون ذلك سبب رفضي للزواج لذلك هرب من مواجهتي . أدركت أني كنت واهمه وأني لا أعني له شيئا ، لقد كان تعلقا من ناحيتي فقط برجل يشبه فارس أحلامي لكني لم أكن فتاة أحلامه، هو فقط كان يحسن معاملتي لأن هذا طبعه وليس لأن لي مكانه في قلبه .فكرت أن أنتظر عودته  وأرفض الزواج من أخيه ، لكن الفقراء مثلي ليس لديهم رفاهية إنتظار فرصه أخرى أفضل وليس من حقهم الحب، فوالدي أصر على إتمام الزواج ليتخلص من حملي وخوفا من ضياع تلك الفرصه منا وهي لن تتكرر وخاصة أنها لن تكلفه شيئا بل بالعكس فإن ثراء حماتي معناه على الأقل بضائع مجانيه من محلها ،كان علي أن ألغي قلبي وأفكر بعقلي فوافقته  وقررت أن أبدأ مع علاء حياة جديده وخاصة وأنه يبدو شديد الطيبه وما أقلقني هو تعلقه الزائد بوالدته ولكني لم أعد أبالي بشيء بعد عمرو، كما أن والدته بررت لي شدة إرتباطه بها بأن أبوه مات وهو صغير وهي رفضت الزواج من أجل تربية أبنائها وكانت تخص علاء بالتدليل لتعوضه حرمانه من والده الذي لا يتذكره .تم الزواج و إكتشفت حقيقة علاء إنه بلا شخصية ،كان إرتباط علاء بأمه يفوق تصوري حتى فوجئت به ليلة زواجنا إكتفى بتقبيلي وبدل ملابسه ونام حتى تأكد من نومي فتسلل من غرفتي خارجا لينام بجوارأمه كماتعود وتكرر ذلك كل ليله تقريبا ولم تكن امه تمانع ،لم يغضبني ذلك بالعكس أراحني من عبء تمثيل الحب والقيام بالواجبات الزوجيه التي كنت أحمل همها واتمنى من الله ألا أقوم بها ويبدو أنه إستجاب لي سريعا.  كان علاء طفل كبير طيب وحنون وسريع الغضب ويسهل إرضاؤه بكلمه طيبه أو بطعام يحبه لذا لم أكرهه بل عطفت عليه لأنه كان  ضحية تدليل أمه له بعد وفاة أبيه مما أفسده وصار مرتبطا بها بشكل مرضي ويبدو أن ذلك النوع من الإرتباط كان يعوضها فقدها لزوجها وإرتباطه بها، فهي من تأخذ كل القرارات الكبيرة والصغيره في شئون البيت وكل ما يخص علاء بل وكانت تتولى أمور المحل في غياب عمرو، أما عمرو- كما علمت منها- فهو رجل من صغره رباه جده لوالده أكثر منها وحرص على أن يكون رجلا ليرعى أمه ومصالح أخيه الصغير لذا أفلت من قبضتها وتدليلها ، وكثيرا ما كان يتشاجر معها بشأن علاء أو يحرضه أن ينطلق بعيدا عن سيطرة أمه وتدليلها لكنها كانت تتصدى له بقوه او تدعي المرض ليظل علاء بقربها. رضيت بقدري وعشت بلا شكوى ولم أخبر أهلي بحقيقة علاء، وكانت حماتي تغمرني بهداياها الغاليه -حتى لاأفضح إبنها أو أهجره- وكذلك تحملني الكثير من الهدايا لأهلي ، كنت أقوم بكل أعمال البيت وأخدم والدته المريضه بينما هي تشرف على محل البقاله وعلاء يذهب معها كمرافق لا أكثر.مضت حياتي على تلك الوتيرة وأنا راضيه بحالي وقلبي مازال نابضا بحب عمرو الذي لم أستطع نسيانه ولو للحظه وكيف أنساه وهو الرجل الوحيد في حياتي الذي عاملني بإحترام وحماني ولم يطمع في جسدي؟ كيف أنساه وهو الوحيد الذي خفق قلبي له؟ كيف أنساه وأنا لم أجد من يستطيع أن يمحو ذكراه من على جدران قلبي؟؟
قامت ثورة 25 يناير 2011 في يوم عودة عمرو من الخارج حيث لم يحتمل تعامل صاحب العمل معه بعجرفه فترك العمل وعاد ،جاء للبيت يطمئن على والدته ونزل لميدان التحريرللبحث عن زملاء له منذ الطفوله إختفوا ولا أحد يعرف عنهم شيئا. صرخت أمه وبكت ورجته ألا يفعل ولم تستطع دموعها أن تمنعه عما يريد فهو يعلم أن معظمها كاذبه.غاب عنا مع سخونة الأحداث ،كان أحيانا يتصل بوالدته ليطمأنها حتى إنقطعت إتصالاته،مرت أيام لانعرف عنه شيئا حتى علمنا أن بعض الشباب تم إعتقالهم وإتصل بأمه أحد أصدقاؤه وأخبرها أنه إختفى ولا يعرفون له مكان ولا بد أنه تم القبض عليه.من يومها وأنا لاأكف عن البحث عنه،وأخيرا سألقاه بعد طول شوق ولهفه، نعم أنا مشتاقه له فلم أستطع نسيانه أعلم أنه صار محرما علي لكن قلبي مازال معلقا به خاصة وأن علاء وجوده كعدمه في حياتي، أحيانا ألوم نفسي على ذلك الحب وأعتبره نوع من الخيانه لزوجي، لكن أين زوجي؟ الذي يتعامل معي كأخت له؟ أنا لم أفعل ما يغضب ربي بل أن مشاعري تجاهه هي ما تجعلني أحتمل سخافة الحياه .دخلت السجن وكلي لهفه لرؤيته وذلك هون علي رهبة المكان، ذهبت لمكان الزياره  والدقائق تمر أعوام وقلبي لا يتوقف عن الخفقان كأننا حبيبيان يلتقيان في موعد غرامي لأول مره، لكنه بمجرد أن رآني إستشاط غضبا وقال بعنف:
- إيه اللي جابك؟وفين علاء؟
-جيت أجيبلك لبس وأكل وفلوس وأطمن والدتك  المرعوبه عليك، ما أنت عارف علاء زي عادته  خاف يجي ووالدتك تعبانه ومحدش يعرف يجيلك غيري
أدار وجهه وقال بحده:
- إمشي وماتجيش تاني وأنا لو عوزت حاجه هابعتلكم حد من هنا وابقي اديله قرشين وخلي أمي  تكلم المحامي وهو هيتصرف
تركني ومشى قبل إنتهاء موعد الزياره، بكيت من حدته وعنفه معي بلاسبب، هل كل ذنبي أني أردت الإطمئنان عليه؟ هل أرتكبت جريمه بحضوري إليه؟ أم أن جريمتي أني أردت تخفيف حدة السجن عليه؟من أين له بكل تلك القسوه؟ألم ير لهفتي عليه؟ ليته يعلم أن أيامي مُره بدونه، لا بل الأفضل ألا يعلم.
 مرت الأيام ثقيله بين شغل البيت وخدمة حماتي التي زاد عليها المرض وأقعدها في الفراش، ومتابعة العمل بالبقاله حيث رفض علاء النزول بدون والدته، كان ينزل معي أحيانا ويبقى مع والدته أحيانا كثيره. فكنت أحمل العبء وحدي كأنني أنا الرجل المسئول عن المحل وكان علي أن أتعامل مع العمل وأفرض سيطرتي عليهم وأتعامل مع التجار بلباقه وكياسه وجديه في أن واحد وأتعامل أحيانا مع الزبائن وسخافاتهم ، مما جعلني مطمعا لكثيرمن الرجال بسبب ضعف زوجي وخنوعه  الذي يعلمه الجميع، ولأني شابه صغيره بمفردها ليس لها من يحميها، لكني كنت أصدهم جميعا لأني لن أقبل أن أكون مجرد متعه لأي رجل، ولأن قلبي ليس فيه مكان سوى لرجل واحد هو عمرو. كنت كثيرا ما أؤنب نفسي على هذا الحب خاصة وأنني زوجة أخيه ولكن من يملك زمام القلوب؟وهل أستطيع نزعه من قلبي؟ حاولت كثيرا نسيانه لكن قلبي عصاني وتمرد علي وأعلن أنه لن يحب سواه، وكنت أدعو الله ليل نهار أن ينزع حبه من قلبي لعلي أرتاح من عذاب الضمير.
خرج عمرو من السجن  وأقام بمفرده في غرفه فوق السطوح ورفض الإقامه معنا، كنت أصعد لغرفته بعد نزوله للمحل لأنظفها وأرتبها وأغسل ملابسه وقبل حضوره أضع له طعامه على المنضده، فنهاني عن صنع الطعام له – رغم أن ذلك كان متعتي بعد رؤيته- ومنعني من نزول المحل نهائيا، لم نكن نراه إلا قليلا عندما يأتي لرؤية والدته وكثيرا ما كان يتشاجر مع علاء بسبب ضعفه وعدم رغبته في العمل.
ذات يوم بينما أنا عائده مع علاء من زيارة أهلي تعرض لي بعض الشباب وحاولوا الإعتداء علي وأنا أقاومهم بشده وعلاء واقف يبكي ولا يعرف ماذا يفعل فهو لايستطيع التشاجر مع أحد كما إنه يخاف بشده ثم إتصل بعمرو وهو يصرخ:
-إلحقني ياعمرو  
كنت أعلم أن وجود علاء كعدمه فقررت ألا أستسلم لهم إنما ضربت أحدهم بحقيبتي على رأسه، وركلت أحدهم بقوة في بطنه حتى يبتعد عن ملامسة جسدي، والناس يكتفون بالمشاهده ولم يتدخل أحد لإنقاذي إنشقت الأرض عن عمرو وبعض شباب الحي الذين أسرعوا لنجدتي ونشبت معركة كبيرة بسببي، لكن عمرو والشباب ضربوهم بقوه و لقنوهم درسا قاسيا .بمجرد عودتنا للبيت دخلت غرفتي وأنا أبكي حظي لأول مرة فقدري أن أتزوج بطفل مدلل لايقدر على حماية نفسه أو حمايتي بل بالعكس ضعفه يطمع الناس في أكثر، بينما أنا أحب رجل بمعنى الكلمة ولا أستطيع أن أكون له وأتمزق ليل نهار .
سمعت عمرو يصرخ في علاءقائلا:
 -إنت مش راجل مش عارف تحمي مراتك؟ إزاي تقف ساكت وهم بيعتدوا عليها؟؟ واقف تتفرج وتعيط؟؟ ؟لحدإمتى هتفضل دلوعة أمك؟ لاعارف تشتغل ولا عارف تعيش بعيد عن حضن أمك  لازمتك إيه في الدنيا؟
وأمه تصرخ فيه بوهن قائلة:
- حرام عليك أخوك ياعمرو مش كفايه الرعب اللي شافه؟
-ماهو دلعك ده اللي بوظه وخلاه مش راجل وطمع الناس في مراته وهو معاها لو أنا مش موجود مافكرتوش الغلبانه دي كان مصيرها هيكون إيه؟ كنت هتقف تتفرج عليها وهم بيغتصبوها ؟ ولا هاتسيبها وتجري على حضن أمك؟؟ إنت مش راجل وهتعيش وتموت فاشل ومافيش منك فايده.
خرج عمرو وصفع الباب وراؤه والبيت كله يرتجف من عنف تلك الصفعه  وعلاءإرتمى في حضن أمه  يبكي، لم أعد أبالي بأي شيء و سئمت ذلك الزوج الضعيف الذي كنت  أتعاطف معه من قبل أما الأن لا فقررت أن أحصل على الطلاق مهما كانت النتائج.
ساد السكون البيت بشكل مريب، حتى بكاء علاء توقف، نهضت من سريري لأعطي حماتي الدواء فوجدت علاء ملقى على الأرض حاولت إفاقته فلم يستجب إتصلت بعمرو إستغيث به  فطلب الإسعاف الذي جاء مسرعا فوجد علاء ميتا بعد أن تناول علبة دواء أمه كامله التي وجدناها بجواره،يبدو أنه تأثر بكلام عمرو ولأنه لا يستطيع أن يغير نفسه لأنه ضعيف فقرر التخلص من حياته منتحرا، لم أصدق ماحدث وبقيت مذهوله والدموع تنساب من عيني حزنا على ذلك المسكين الذي قتلته أمه بحبها الزائد وقتله ضعفه، ظلت أمه تبكي بهيستيريا وتتهم عمرو بقتله، إختفى عمرو عن أنظارنا وأخذ يعد للجنازه.لم نر عمرو من يومها فقد حكى الجميع أنه كان منهارا عند دفن علاء وظل يبكي كالأطفال ويطلب منه أن يسامحه ، وعندما عاد للبيت إرتمى تحت قدمي أمه وظل يقبلها ويطلب منها السماح ويقول لها أنه أراد منه أن يفيق لحاله ويتخلص من ضعفه ولم يقصد أبدا إيذاء علاء، لم تنطق أمه إنما أصابتها إغماءه من شدة الإنفعال فأسرع عمرو بإحضار الطبيب الذي طلب نقلها للمستشفى فبكت ورفضت أن تخرج من بيتها فطلب منه عمرو أن يفعل اللازم لها في البيت،لم تحتمل أمه  كثيرا فقد فقدت رغبتها في الحياه بعد موت علاء -كما قال الطبيب-فماتت بعد أسبوع من رحيل علاء .
توالت الأحزان على البيت وأصبح كئيبا جدا وكل مكان فيه رائحة الموت تنبعث منه،  أدركت أني يجب أن أترك البيت لأنه لم يعد بيتي ولكن ماذا سأفعل بنفسي ؟ خاصة أني لا أريد العودة لبيت أسرتي ؟ تحدث والدي مع عمرو وأخبره أنني يجب أن أعود معه فرفض عمرو وقال:
-أنا سألت شيخ الجامع وقالي إن الست تقضي مدة عدتها في بيتها وعشان كده خليكم مع هند لحد عدتها ماتخلص وأنا متكفل بكل طلباتها وكمان هاروح للمحامي عشان نعمل إجراءات الورث وده مؤخرها ولما تخلص الإجراءات هاديها نصيبها في البيت والمحل
أعطاني والدي مؤخري الذي قررت أن أضعه في البنك تحسبا لأية ظروف فأنا لا أعرف ما تخبئه لي الأيام.مضت مدة العده وأنا لاأخرج إلا للضروره بصحبة إخوتي. ظل عمرو ملتزما بكل نفقات البيت، ولم يأت إلي أبدا إنما كل صلتنا كانت من خلال والدي أو أحد إخوتي.
بعد إنتهاء عدتي ف  طلب عمرو من أبي أن يأتي لزيارتنا في منزلي حيث كنت أستعد للمغادره إلى بيت أبي الذي كان يحمل هم عودتي وتحمل نفقاتي وإنقطاع الخير عنا. جاء عمرو وجلس مع أبي في الصالون وسمعته يقول لأبي أنه يريد أن يتزوجني -لأن هذه وصية والدته  قبل وفاتها– التي طلبت من أن يتكفل بي لترد لي جميل خدمتها وحسن معاشرتي لعلاء ، هكذا كان يراني مجرد فتاه فقيرة تستحق الشفقه منه ومن أمه ، فتاه كتمت سرهم وإحتملت ضعف إبنهم فأرادوا منحها مكافأه وهي شرف الزواج من عمرو، ليته قال إنه يريد الزواج فقط بلا أسباب، ليته قال إنه أولى بأرملة أخيه من الغرباء، ليته سكت ولم يطلب مني الزواج أصلا عندها كنت سأظل أحبه مهما حدث، لكنني الأن أعرف قدري عنده، وربما يشفق علي لأني بلا مصدر دخل فما تركه لي علاء لن يكفيني سوى عام ولا مكان أوي إليه سوى بيتنا الفقير ولن يتقدم أحد للزواج مني فأنا فقيره وأرمله فمن سيرضى بي؟ بالطبع وافق والدي فأنا في نظره محظوظه الفرصه جائتني للمرة الثانيه وكأنه وجد حل سحري لكل مشاكله التي كان يحملها على كتفه أيام طويله. فكرت كثيرا وطالبني قلبي بالموافقه فيكفيني أني سأعيش مع من أحب وبعدها قد يحبني لنفسي، لكني قررت رفض هذا الزواج تماما فأنا لن أرضى بالشفقه أو الإحسان بعد الأن ولن أرضى أن يتحكم في مصيري أحد حتى لو كان عمرو الذي أعشقه وأتمناه من كل قلبي .
سافرت للإسكندرية حيث إفتتح صاحب المحل الذي كنت أعمل عنده فرعا هناك وإتفق معي أن أعمل لديه عندما قابلته بعد إنتهاء عدتي ورجوته ان يجد لي عملا بعيدا عن القاهرة لأهرب من عمرو ومن قلبي ومن إلحاح أبي ومن كل الذكريات القاتله.سافرت ولم أخبر أحد عن مكاني، أقمت في بيت مغتربات قريب من عملي وإنغمست في العمل حتى أنساه وليت القلب يطاوعني على النسيان وكأن قلبي مفطور على عشقه، فلم تمر علي لحظه واحده لم يخطر عمرو فيها على بالي. كنت أتصل بأهلي بين حين وأخر لأطمئنهم علي وأرسل لهم  بعض المال وقالوا لي إن عمرو يبحث عني فقلت لا تخبروه أني على إتصال بكم وبعد مرور الوقت سينساني.
 مر أكثر من عام وأنا منهمكه في عملي وفي وقت فراغي أذهب للبحر أتأمله وأشكو له لوعة الفراق والحنين إلى ذاك القلب القاسي الذي لم يعرف الحب، ورغم ذلك كنت أحبه بجنون. تقدم للزواج مني كثيرون لكن بعضهم إتخذ تلك الخطوه لأنه لم يستطع الوصول إلي بطريقه أخرى فأرادني زوجه في السر من أجل متعته، والبعض يريد مجرد مربيه لأولاده، أما لنفسي فلم يرغبني أحد وكأنني غير جديره بالحب والإحترام فأنا مجرد بائعه في محل فقيره ينظر إليها المجتمع نظره دونيه، كما إنني أرمله أي إمرأه متاحه لأي رجل أو قد اقبل بأي رجل مهما تكن ظروفه المهم أن يظلني ظل رجل فهكذا يراني الناس، فرفضتهم جميعا فلا مكان في القلب لسواه ورغم ذلك لن أكون له إلا إذا أحبني فقط. كم كنت أشتاق لحضن أمي ولأبي وإخوتي وكنت أتمنى أن أزورهم أو يزوروني لكني خفت أن يجدني عمرو ويرغمني هو وأبي على الزواج منه وهو ملالا أريده. ذات يوم أثناء خروجي من عملي وجدته أمامي واقفا أمام المحل بنظرته الغاضبه وقال لي بحده:
- إنتي فاكره إني مش هاعرف أوصلك؟مهما تكوني فين هاجيبك وأعرف هربتي مني ليه؟
لم أجبه فإستشاط غضبا وأمسك ذراعي بقوة وقال:
 -ردي عليه بدل ما أقنلك
جذبت يدي من يده وقلت بحده:
-إنت مالكش عندي حاجه ومش من حقك تحاسبني كنت أخو جوزي وجوزي مات خلاص يعني مالكش صفه لكن عشان العشرة وجميلك اللي على راسي هاتكلم معاك بس بهدوء وعقل وبعيد عن محل أكل العيش.
مشى بجواري وخفقات قلبي يكاد أن يسمعها كل من في الشارع حتى جلسنا على أحد المقاهي  المطله على البحر وقلت:
- أنا ماهربتش منك أنا رفضت أتجوز لتاني مرة غصب عني وكمان من واحد صعبت عليه وعارف إني غلبانه وأهلي هيجوزوني لأي واحد تاني ،واحد عايز يتجوزني مش عشان عايزني لأ عشان ينفذ رغبة والدته، وأنا نفسي أخد قراراتي بنفسي وأعيش مع إنسان يحبني ، عشان كده بعدت وإشتغلت عشان ما أكونش عبء على حد ولا أصعب على حد
- يعني إيه لتاني مره غصب عنك؟ هوإنتي إتجوزتي علاء غصب عنك؟
-أيوه طبعا أبويا غصبني على الجوازه ولما جيتلك المحل عشان أعرف رأيك  لقيتك سافرت
-أنا سافرت لما عرفت إنك فرحانه بالجوازه وطايرة بالشبكه والمهر
-مين اللي قالك كده؟؟
-أمي الله يرحمها
-لو كنت فرحانه ماكنتش جيتلك المحل أخد رأيك
-وجيتيلي المحل ليه؟
-كنت فاكره إنك..مهتم بيه
-أنا كنت عايز أخطبك بس أمي سبقتني وخطبتك لعلاء كنت هاتجنن وقلت أكيد ده غصب عنك لكن لما عرفت إنك فرحانه ماقدرتش أستحمل أعيش جنبك وأشوفك مع راجل تاني خاصة أخويا،سبت البلد كلها عشان أهرب من حبك لكن ماقدرتش فضلت مسجون جوه حبك ومش قادر ولاعايز أخرج من السجن ده ولما رجعت كنت باهرب من عينيكي بأي طريقه ولما جيتيلي السجن كان نفسي أخدك في حضني وفي نفس الوقت نفسي أصرخ فيكي وأقولك يا خاينه وكنت مولع من الغيره وأنا شايف الرجاله بتبحلق فيكي عشان كده شخطت فيكي،  ولما خرجت سكنت بعيد عنك ورفضت أكل أكلك وحرمت عليكي أوضتي لأن كل حته بتلمسيها وريحتك فيها كانت بتجنني أكتر،كنت باموت في كل لحظه  لما أشوفك معاه وبأتجنن أكتر لما أشوفه مش عارف يحافظ عليكي كنت باتخانق مع طوب الأرض لأني حبك متحرم عليه وفي نفس الوقت مش عارف أهرب منه زي المسجون اللي لاعطايق سجنه ولا عارف يهرب منه، لحد ما علاء إتوفى وقلت ربنا عمل كده عشان يجمعنا تاني لكن فوجئت إنك هربتي إتجننت زياده وقلت أكيد فيه حد تاني في حياتك هربتي عشانه كنت ناوي أقتله عشان ماتكونيش لغيري لأني مش هاسيبك تاني تضيعي مني، عشان كده جيتلك وصممت أواجهك
-ياريتك واجهتني من زمان كنت وفرت عليك وعليه سنين عذاب ، كنت فاكراك مش حاسس بيه ولا بتحبني كان عندي إستعداد أعيش معاك ولو في أوضه فوق السطوح وأكل دقه لكن أفضل جنبك باقي عمري
- صحيح يا هند بتحبيني؟
أومأت برأسي فلم يطاوعني لساني على الكلام وكأني نسيت كل حروف اللغه عندما نظرت في عينيه
-لسه قدامنا فرصه نبدأ من جديد بس مش هاقدر أعيش في بيتنا تاني ، أنا هابيعه هو والمحل ونعيش هنا عشان نبدأ من جديد لو عشت هناك كل لحظه هافتكر انك كنتي متجوزه علاء ويمكن أتجنن من الغيره
-أنا كمان مش عايزه أرجع البيت ده ولا الحي كله عايزه أنسى اللي فات كله بذكرياته؟
-وهتقدري تنسي جوزك؟
-ومين قالك إني إتجوزته؟
-قصدك إيه؟
أطرقت في الأرض وقلت بخجل:
-علاء عمره مالمسني
-يعني أنا..
-أول واحد في حياتي وأخر واحد
نظر إلي بحب وإبتسم لأول مره منذ زمن بعيد تلك الإبتسامه التي تُحيي قلبي وقال:
-بحبك وباغير عليكي من الهدوم اللي بتلمس جسمك من الهوا اللي بيطير شعرك باغير عليكي حتى من نفسي
-المهم تفضل تحبني وتغير عليه على طول
-يعني غيرتي مش هتضايقك؟ ولا هتزقي منها؟
-يمكن أتضايق لو بطلت تغير ساعتها هاعرف إنك بطلت تحبني، بس إوعدني إنك هتكون حنين عليه
-أوعدك هافضل أحبك لأخر دقه في قلبي، لأخر نفس في صدري، لأخر نبضه في عروقي، لأخر لحظه في عمري، وهتكوني مراتي وحبيبتي وبنتي وكل حاجه في حياتي وهاشيلك في عيوني العمر كله.
تمت

هناك تعليق واحد: